من فشل.. نحن أم القضيّة؟

خاص “المدارنت”..
قضيّة العرب، في العصر الحديث، ما زالت فلسطين والحُرِّيَّة والعدالة الاجتماعيّة والوحدة. هذا المُركَّب ناضل من أجله الملايين، وحمل لواءَه الزعماء التاريخيّون والرؤساء والمسؤولون والحزبيّون، وكلّ من ادّعى وصلًا بالأمّة العربيّة وتاريخِها وحاضِرِها ومستقبلِها ونهضتِها.
مِمّا لا شكَّ فيه، انّ حصيلةَ كلِّ هذه الجهودِ والتضحياتِ والبناءِ آلت إلى فشلٍ ذريع، تظهرُ آثارُه في كلِّ مفاصلِ الحياةِ العربيّة – رسميّةٍ و مدنِيّةٍ و شعبيّة. وهذا الفشلُ له أسبابُهُ التي يُمكن اختصارُها بعِدّةِ عوامل أهمُّها:
١ – التخلُّفُ الذي أحدَثَهُ الاستعمارُ في مئاتِ السنين.
٢ – زَرعُ الكيانِ الصهيونيِّ في فلسطين و ربطُهُ بالقوى الاستعماريّةِ الحاقِدةِ على العرب.
٣ – عَدَمُ وُجودِ صيغَةٍ عَرَبيّةٍ واضِحةٍ لِلتَوافقِ على مَشروعٍ قوميٍّ واحدٍ يرضى بهِ الحكّأم.
بالنِسبةِ لِلعامِلِِ الأوّل، فقد وضَعَ العرَبَ في أسفَلِ سلّمِ العِلمِ والتقنيّةِ ومَساراتِ العصر؛ إذ كيفَ يمكِنُ لِشعبٍ تسودُهُ الأمِّيَّةُ و يُذِلُّهُ الفَقرُ، أن يُواجِهَ تَحدِّياتِ الحياةِ المُعاصِرةِ بِتَعقيداتِها و مُتطَلَّبأتِها، وهو في نفسِ الوقت، مُراقَبٌ ومُستهدَفٌ من قِبَل عدُوٍّ يُخَطِّطُ باستمرارٍ وتصميم لِلقَضاءِ عليه!؟
ألعاملُ الثاني، وهو ألأخطرُ والأقوى والأشرس، الذي يَتَمثّلُ في وجودِ الكيانِ الصهيونيِّ الباني حاضرَهُ ومستقبلَهُ على استراتيجيّاتِ استئصال العرب؛ ومِن ورائهِ كلُّ قُدُراتِ وإمكانيّاتِ أوروبّا و أميركا و حلفائهِم العلميّةِ والتقنيَّةِ والاقتصاديّةِ والعسكريّة.
بالنسبَةِ للعامِلِ الثالث، و هو المُثيرُ للأسَفِ والاستِغراب، فلم يستَطِع – أو لم يُرِد – مُعظمُ المسؤولينَ العربِ مِن حُكّامٍ وأحزابٍ قومِيّةٍ ودينيّةٍ كالناصريّينَ والبعثِ و”الإخوان المسلمون” وجميع تفَرُّعاتِِهِِم، وغيرُهُم من ناشِطين، التوافقَ على الحدِّ الأدنى من التفاهُمِ على اطارٍ يحدِّدُ أهدافًا مُشترَكَةً يعمَلونَ جميعًا لِتَحقيقِها؛ حتّى فلسطينُ، لم يتوافقوا على قضيَّتِها إلّا بِبَعضِ الشعارات. ذلك لأنّ الصهيونيّةَ العالميّةَ وأسيادَها كانوا قد أسّسوا الحواضِنَ العربيّةَ والإسلاميّة، من دُوَلٍ و حُكّأمٍ وأحزابٍ و جَمعيّاتٍ و عُمَلاء، في كلّ المواقِعِ ذاتِ الصِلَة، قبلَ قيامِ إسرائيلَ بِعَشراتِ السنين.
بعد كلّ الاختصار، نسأل من فشل؟ ألقضيّة أم أصحابها؟ ألحقيقةُ الساطعةُ هي أنّ هذا الجيل، الذي نحنُ منه، قد فَشِلَ فشَلًا مُدَوِّيًا لا داعٍ لوصفِه، لأنّ المشهدَ ما يزالَ قائمًا أمامَ أعيُنِنا و عقولِنا.
ألأُمّةُ لم ولن تفشل، بفشلٍ جيلٍ بِعَينِه، لانّها أصيلةٌ و ولّادة؛ والتاريخُ أكبَرُ واصدَقُ شاهدٍ على ذلك كما يعرِفُ الجميع.
لا شكَّ أنَّ الجيلَ القادِمَ سيَسعى إلى النهوض؛ وإن لم ينجَح فسَيأتي جيلٌ آخَرُ ليُكمِلَ المحاولة.. وهكذا، إلى أن تعودَ الأمّةُ إلى أخذِ زمامِ المبادَرَةِ، وتنطلقَ الى مستوى العصرِ فَتُعطيهِ من نكهَتِها في القِيَمِ و الأخلاقِ و العلِم، كما فَعَلت أوّلَ مَرّة.
في عِلمِ النواميسِ الطبيعيّةِ، فَصلٌ عَن انّ حياةَ الأممِ لا تُقاسُ بالسنوات، و لا بِجيلٍ او اثنين، و إنّما بالقُدُراتِ الكامِنَةِ التي تكتَنِزُها في أبنائها وأرضِها وتراثِها.
ألامّةُ تحيا بِتَضحياتِ أبنائها، جيلًا بعد جيل، حتّى تكتَمِلَ عناصرُ نُهوضِها فتأخُذَ بأسبابِ التقَدُّمِ و القُوّةِِ، فَتُدلي بِدَلوِها في مَسيرةِ الحياةِ إلى ما شاءَ الله.



