مقالات

السوريون في ليبيا ضحايا لا مرتزقة!..

محمد خليفة/ السويد

“المدارنت”..
منذ أن جندت تركيا آلاف السوريين وأرسلتهم للقتال بدلا من جيشها العرمرم في ليبيا بداية العام الجاري، صار اسمهم وسمتهم المتداول في الفضاء الاعلامي العربي والدولي إسما مركبا (السوريون المرتزقة/ أو المرتزقة السوريون) وكأنه اسم ولقب، أو كأنه “الدمغة” على حد تعبير المرحوم ادوارد سعيد في كتابه عن (تغطية الاسلام) في وسائل الاعلام الغربية.
وقد انطوت التسمية على معان ودلالات وايحاءات مهينة ومسيئة للمقاتلين الذين يمارسونها كمهنة. والمفارقة أن التسمية المعيبة والمهينة لم تحد من ازدهارها، وتزايد أعداد الذين يزاولونه، بدليل وجود زهاء ثلاثمائة الف (300,000) شركة أو منظمة تحترف مهنة (الارتزاق) في العالم، أي تأجير مقاتلين ومسلحين مدربين على صنوف كثيرة من أعمال القتال والحماية للقيام بالأعمال الحربية في أي مكان من العالم بما فيها الطيران، والغوص والاستخبارات مقابل المال ومزايا عديدة، حسب الباحث العراقي باسل يوسف النيرب الذي يسمي المرتزقة (جيوش الظل).
ولعل السبب في ذلك يرجع الى أن هذه المهنة ليست محرمة دوليا، ولا تشكل (جريمة) في نظر القوانين الوطنية والدولية حتى اليوم، وأقصى عقوبة لها في القانون الدولي هي حرمان المرتزق من معاملته كأسير حرب، ومن حقه في الحصول على معاملة انسانية ومحترمة.. لا غير!.
وهذه الشركات أو المنظمات تمارس أعمالها تحت أسماء مختلفة ليس بينها الاسم الصريح ، بل تستخدم تسميات مضللة لكي تتهرب من القوانين أحيانا مثل (شركات أمنية، أو شركات حماية خاصة.. إلخ).
وتجدر الاشارة الى أن هذه المهنة قديمة جدا، استخدمها المصريون قبل 4500 سنة، كما استخدمها البيزنطيون والاغريق والفرس والعثمانيون، واستخدمها في العصر الحديث الفرنسيون والبريطانيون، وهناك حاليا عشرات الدول تستخدمها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا، وسواها، واصبحت شركات مثل فاغنر الروسية، وبلاك ووتر الامريكية أسماء شهيرة، وتجند مئات الوف المحاربين.
والمفارقة الثانية والأكبر، أن الأمم المتحدة تبنت منذ 31 سنة (1989) (اتفاقية دولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم)، وجرمت كل مرتزق، وكل من يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل المرتزقة. كما حظرت على الدول تجنيدهم واستخدامهم، ولكنها لم تحظرها، ولم تحدد عقوبة معينة لها، سوى حرمانه من حقوق التمتع بصفة الجندي النظامي، أو المقاتل الوطني ، أو أسير الحرب.
السوريون في ليبيا: هل هم مرتزقة؟
على أي حال، هل تنطبق صفة (مرتزقة) على المقاتلين السوريين الذين جندتهم تركيا وشحنتهم الى ليبيا، للقتال نيابة عنها مع الجماعات الموالية لحكومة طرابلس..؟ وهل هؤلاء المقاتلون (مرتزقة) حقيقة وفعلا في نظر القانون الدولي؟
الجواب: نعم، هم من حيث المبدأ “مرتزقة”، مثلهم مثل آلاف المحاربين المتعددي الجنسية في ليبيا، يقاتلون مع حكومة السراج خصوصا، وتتوفر فيهم كل عناصر التعريف القانوني الذي حدده القانون الانساني، الذي يرجع الى اتفاقيات جنيف الدولية لعام 1949، وكذلك القانون الدولي، الذي حددته الأمم المتحدة في اتفاقية 1989..
وهذه العناصر تعرف وتحدد من هو المرتزق بالعناصر التالية:
1 – يجري تجنيده خصيصًا، محليًّا أو في الخارج.
2 – يشارك فعلًا ، ومباشرةً، في الأعمال العدائية.
3 – يُحفِّزه أساسًا للاشتراك في الأعمال العدائية، الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذَل له فعلًا من قبل طرف في النزاع، أو نيابةً عنه وعد بتعويض مادي، يتجاوز بدرجة كبيرة ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة، لذلك الطرف أو من يدفع لهم.
4 – ليس من رعايا طرف في النزاع، أو متوطنًا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع.
5 – ليس فردا من أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع.
6 – ليس موفدًا في مهمة رسمية من قبل دولة ليست طرفًا في النزاع بوصفه فردًا في قواتها المسلحة.
كل ما ورد من هذه العناصر، ينطبق على المقاتلين السوريين في ليبيا، غير أن ما يبطل صفة المرتزقة، ويعطل تجريمهم بها، هو غياب عنصر الارادة الحرة، الذي لا بد أن يتوفر في قرار اشتراك كل مقاتل سوري من هؤلاء في الحرب الليبية، وهو بلد عربي لا يختلف عن بلدهم الأصلي سوريا. بل تتوفر قرائن وأدلة دامغة على وجود (حالة اكراه مادي ومعنوي)، كان لها أبلغ الأثر في موافقة هذه العدد غير القليل منهم والمقدر بـ(15000 خمسة عشر ألف سوري على الأقل)، على الاذعان والموافقة على العروض التركية المقدمة لهم للقتال في ليبيا، مقابل مبالغ مالية مغرية، وحوافز أخرى لهم ولأفراد عائلاتهم، أجبرتهم على الانصياع لإرادة الدولة التركية، وإرادة أتباعها من قادة الفصائل (السورية اسميا وشكليا).
وحالة الإكراه المقصودة هنا عمومية وليست خاصة، أو شخصية، وهي معروفة لكل المراقبين والمحللين في العالم، وتتمثل في كونهم ضحايا حالة حرب مفروضة عليهم، وظروف تهجير وتشريد قاسية جدا، شخَّصتها ووصَّفتها عشرات التقارير من مراقبي ووكالات ومندوبي الامم المتحدة، وصلت الى حد الجوع الشديد والعوز المهلك، وفقدان أبسط موارد العيش.
وهناك حالات أخرى أشد وأقسى، تتمثل في إجبار السلطات التركية لمجموعات من المقاتلين السوريين، الذين حملوا السلاح مضطرين للدفاع عن أنفسهم وعن أهاليهم وعن بلادهم، في مواجهة نظام الأسد المتوحش وقوات روسيا، ولم يكونوا راغبين بحمل السلاح والحرب أبدا.
إن وجود حالة الإكراه المادي والمعنوي التي تبطل وتعطل تصنيفهم في خانة المرتزقة، وتحلهم من العقوبة في القوانين الجنائية الحديثة، وتبطل مسؤوليتهم عن أفعالهم تحت هذا الوصف، متوفرة ومتحققة بشكل أكيد وواضح.
ومن المعروف أن الفقه الاسلامي القديم والحديث، والفقه القانوني الجنائي المعاصر أكدت أن عدم توفر الإرادة الشخصية، أو الحد من قدرة الفرد على الاختيار يبطلان تطبيق العقاب على الجاني، بما في ذلك وصفه وتصنيفه كمرتزق.
إن الاكراه المادي والمعنوي الذي خضعت له غالبية السوريين، الذين جندوا وأرسلوا من تركيا للقتال في ليبيا مقابل عقود (إذعان) من المشغل التركي الرئيسي، إنما تشكل حالة موصوفة بامتياز، تبرئهم من شبهة أو تهمة (الارتزاق)، ولكنها لا تبرئهم من مسؤوليتهم الجنائية عن أفعالهم وجرائمهم بطبيعة الحال.
إن الصفة الواقعية والموضوعية التي تنطبق عليهم، هي صفة الضحايا المكرهين والمظلومين ظلما مركبا من قوات النظام السوري أولا، وحليفه الروسي، ومن الضغوط التي تمارسها عليهم تركيا ثالثا.
إن من حق الجهات الليبية المتضررة من أفعال هؤلاء المقاتلين، (وعلى رأسها الجيش الوطني)، ادانة هؤلاء المقاتلين وملاحقتهم قضائيا وسياسيا كمجرمي حرب، ولكنهم حتما ليسوا مرتزقة، لأنهم خاضعون لظروف قاهرة ومرغمون بالاكراه من أطراف أقوى منهم، وليسوا راغبين أو مختارين وراضين عما يفعلون.
المصدر: “الشراع”.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى