مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”39″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير مصطفى حمّود.
2-2- الإنسان هو الكائن المتغيّر الأفعل تغييرًا: إن الإنسان يبقى الأشد تأثيرًا والأكثر تغييرًا من سواه في بيئته، بل في كوكبه، على الرغم من أنه كسواه محكوم بالتغيّر. ففيم هذا؟
2-2-أ- كل تغيّر يترتّب عليه تغيير ما: لعلّه من نافل القول إن التغيّر هو حال ثابتة في عالم الشهادة في كله وبعضه، في كوكب الإنسان. بيد أن الشيء المتغيّر لا يقتصر نشاطه على تلقّي التغيّر تأثّرًا أو انفعالًا، بل يتجاوز ذلك إلى تغيير ما تأثيرًا في عمل أو في فعل. والتغيير هذا أثر ناجم عن المتغيّر. إنه عمل يقوم به أو يترتب عليه، إذا كان هذا المتغير جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، لأنه يحدث دون معرفة أو إرادة أو حريّة أو مسؤولية.
أمّا إذا كان المتغيّر إنسانًا، فيكون الأثر الذي يتركه فعلاً يحدثه بمعرفته وإرادته وحريّته ومسؤوليته؛ علمًا بأنه يتم للإنسان آثار بمعنى الأعمال يأتي بها من طريق العادة مثلًا. إلاّ أنه، في كل الأحوال، يبقى الكائن الأكثر تأثيرًا في ما يحدثه من تغيير، من سواه لتفوّقه عليه بأهليّته، ولأن سواه مسخّر له ومذعن لسيادته عليه أيضًا. لعلّنا نقع على ملاحظة أو رصد هذا التفوّق للإنسان في التغيير، إذا ما أحسنّا استقراء ما أو من يقف وراء حدوثه أو إحداثه في الحياة الدنيا، وإذا ما أحسنّا أيضًا تدبّر الآية التي أناط الله فيها التغيير بالإنسان نفسه، عنينا القول الكريم
﴿-إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ –﴾(الرعد:11)، حيث يتوقّف التغيير على خيار الناس وحريّتهم في اتخاذ القرار الذي يبقى على ما بأنفسهم أو يغيّره. إنها الحريّة التي يتمتع بها حصريًا خليفة الله في الأرض دون سواه… ففي نطاق الجماد المتغيّر، مثلًا، نذكر إعصارًا وقد خرّب وأتلف وهجّر وفاقت شروره خيوره أضعافًا مضاعفة؛ وهذا زلزال عنيف قد ضرب منطقة واسعة من الكرة الأرضية فهدّم عمارات وتسبّب بانهيارات وانخسافات، وقتل ناسًا كثيرين، وحوّل “نعمة مفاعل نووي إلى نقمة”؛ وهذه المياه يتبخّر جزء منها حيث هي، ويتكثّف بخارها سحبًا وغيومًا ليتساقط مطرًا وثلجًا وبَرَدًا حيث يعود بعضه إلى حيث كان، وحيث يمكننا أن نسجّل له كثيرًا من النعم والخيرات ريًّا للنباتات والمزروعات، وسقيّا للكائنات الحية كلها، وشرطًا لبقائها على قيد الحياة؛ ولكن من غير أن نهمل تسجيل نقمه والسيئات…
إنها تغييرات رافقت المتغيرات الجامدة أو آثار نجمت عنها، إنها أعمال قامت بها أو تسببت بها هذه المتغيرات خبط عشواء. أما الكائنات الحيّة في دائرتي النبات والحيوان، فهي الأخرى لا يرقى ما يترتب على نشاطها من تغييرات إلى مستوى الفعل، بل يبقى في مستوى العمل لافتقاره إلى ما يفتقر إليه الجماد. ففي تغييرات النباتات حركة تبادل بين الغاز الفحمي والأوكسجين حيث تمتصّ النبتة الخضراء الأول نهارًا تحت تأثير الضوء وتفرز الثاني، ويحدث العكس ليلًا، الأمر الذي يحدث تغييرًا ما في الهواء.
أضف إلى ذلك أن النباتات والحيوانات لها آثارها في التوازن البيئي وفي التغذية وفي تقديم الخدمات العديدة والمتنوعة للإنسان، علمًا بأن الحيوانات المرئية وغير المرئية قد تلعب دورًا سيئًا في نقل ونشر الأوبئة والأمراض المعدية، ما يتسبّب بتغييرات أخرى على صعيد النشاط البشري بحيث ينشط الإنسان ويعمل على مواجهتها والتخلّص من شرورها.
أما في مستوى الناس، ما يقوم به نشاطهم من تغيير بمعرفة وإرادة وحريّة مسؤولة فمستواه الفعل كأن يشقوا طريقًا، ويبنوا مدرسة، ويصنعوا سفينة وطيارة ويبتكروا علاجًا لمرض… أضف إلى هذا أن الإنسان هو الأقدر على التغيير والأشد تأثيرًا والأفعل بما لا يقاس من حيث المستوى المتفرّد به بالرجوع إلى كيفية خلقه المتميّزة وأهليّته المتفوّقة لأنه هو الكائن الوحيد الفاعل دون سواه، الذي يوجّه طاقته وفاعليّته ويجعلهما في ما يحتاج إليه ويرغب فيه ويريده ويحلم به، والوحيد الذي يسود الزمن بتذكّره الماضي منه وإدراكه الحاضر النفسي وتخيّله المستقبل…
وهكذا فإن تغيّر الشيء ليس محض تغيّر يتلقاه، بل يتسبّب بتغيير ما يريده الإنسان بفعله، ويتأتى من سواه بعمله خبط عشواء.
2-2-ب- الإنسان هو الكائن الأمرن والأحيل: ان المرونة الكبيرة والحيلة الواسعة اللتين يتمتع بهما الإنسان دون غيره، وتسهمان في حذقه ومهارته وحنكته،وفي قدرته وحسن تصرّفه وتدبّره وتبصّره، يظهر بهما الكائن الأكثر تكيّفًا، والأشدّ تأثيرًا والأنجح مواجهة في ما يحيط به من ظروف وأحوال متغيّرة ومتقلّبة، متسلّحًا بما يفتقر إليه سواه من الكائنات الحيّة الأخرى، من وعي ومعرفة وإرادة وحرية مسؤولة، عاملاً على خفض ما تحدثه فيه دافعيّته المستثارة من توتّرات بأساليب وطرائق وأنماط تعلمها واكتسبها وتميّز بها بما يليق به سيّدًا لعالم الشهادة…
ففي الوقت الذي يتوسّل فيه غير الإنسان بما تجهّزت به طبيعته من أسباب الحياة، خلْقيًّا وفطريًا، كما هي حال النبات والحيوان، نرى الإنسان وقد تمتّع بهامش واسع توفّر له من طبيعته وأهليّته المتفوقتين، مما تعلّمه واكتسبه ومهر وأبدع فيه، وطوّره من أنماط سلوكية، وصيغ إجرائية ثقافية تيسّر عليه الحياة في سدّ حاجاته، وتحقيق رغباته، والاستجابة لتطلعاته، بفضل ما لديه من سيادة وحريّة مسؤولة، الأمر الذي يجعله قادرًا على إزالة ما يعترضه من عقبات وصعوبات وعوائق ومشكلات، بالمعرفة والخبرة والمهارة وسعة الحيلة والابتكار، كما يجعله الأقدر على تفعيل ما لديه من إمكانات، وعلى توجيهها نحو الخير والتقدّم والرقي حيث يهتدي بنور العقل والهدى والعلم إلى إقامة العدل وإحقاق الحق، ويبدّد به ظلمات الأمية والفقر والقهر والجهل والظلم والباطل، كما يواكب به التطوّرات والمستجدّات والطوارئ، وبه يستجيب لها. أضف إلى ذلك أن الإنسان هذا نفسه يمكنه أن يفعّل إمكاناته نحو الشرّ والإساءة والإفساد والأذى والاستبداد حيث تتوافر أسباب التعثّر والتأخّر، ويذرّ قرن التوحّش…
فالإنسان هو الأفعل تغييرًا في الإيجاب والسلب وفقًا للقيم المرجعيّة التي يجعلها تضبط فاعليته. ولعلّ هامش مرونته الكبير، وسعة حيلته المميزة يبدوان متفوّقين في ما هو حصريّ في الإنسان العاقل، ألا وهو كونه، في آن معًا، كائنًا اجتماعيًا يعي الحياة الاجتماعية وحاجته إليها، والغاية منها، وكائنًا أخلاقيًا يقوّم أفعاله بمعياري الخير والشرّ، وكائنًا ماورائيًا يهتمّ بما وراء الطبيعة في تفكيره الديني… إذًا، فإننا لا نغالي إذا ما اعتبرنا الإنسان المحكوم بالتغيّر هو الكائن الأفعل في إحداث التغيير. فماذا عن هذه الفاعليّة؟
2-3- النشاط البشريّ لا يبلغ الكمال أو المطلق في شيء: نقارب في هذه الفقرة بعض المعاني في العنوان، ونستقرئ القرآن الكريم بشأن نشاط الإنسان لجهة الكمال والمطلق، نظريًا وعمليًا، وفي عبادته الله واستعماره الأرض وممارسة الحكم.
2-3- أ- في إيضاح العنوان: نقصد بالنشاط البشري كل ما ينهض له الإنسان ويقوم به من عمل أوفعل في ميدان معين أو في سائر الميادين، أو كل ما يتأتّى عنه بفاعليّة مؤثّرة أو مفعولية متأثرة سواء أكان ذلك في الإيجاب أم في السلب، في الخير والنفع والحلال أم في الشر والأذى والحرام، حركيًا ونفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًّا وعمليًا ودينيًا وثقافيًا وما إلى هذا كلّه.
ونعني بـ “الكمال” صفة الكمال الذي لا عيب فيه ولا نقص ولا زيادة، ولا تشوبه شائبة، وهو ما لا ينطبق إلاّ على ربّ العالمين. أما “المطلق” فهو ما كان بغير حدود أو قيود وهو أيضًا صفة لا تصحّ أيضًا بغير الله، ولا تنطبق إلاّ عليه في إرادته وعلمه وقدرته وذاته وفي كل ما له وليس لغيره مثيله أو نظيره… ففي هذه المعاني التي ذهبنا إليها، ليس للإنسان شيء كامل كمالاً تامًا، أو شيء مطلق بغير حدود أو قيود في كل ما ينشط له ويقوم به في أي مجال من مجالات حياته الدنيا… ولكن، ما خبر القرآن بشأن ذلك؟
2-3-ب- القرآن يخبر بنسبيّة النشاط البشريّ ومحدوديّته: لقد أشار القرآن الكريم إلى الكثير الكثير من وجوه السّلب التي أخبر الناس بها، وحذّرهم منها، ونهاهم عنها، وتوعّد من يأتي بها أو ببعضها بالعقاب عليها يوم الحساب. ويمكننا أن نضع عنوانًا لكل ذلك ما جاء في الآية:﴿-إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ -﴾(يوسف:53). لقد تحدّث القرآن عن الفساد الذي ظهر على أيدي الناس ونهى عنه، وحذّر من الشرك والكفر، ورفض وسفّه الظلم والعدوان والطغيان، ونهى عن إتباع الهوى والباطل والعصيان والعمل الطالح وسائر المعاصي والشرور التي توعّد من يرتكبها أو يأثم فيها بالعقاب المناسب العادل عليها يوم الدنيونة. كما أشار الله في كتابه المبين أيضًا إلى الكثير الكثير من وجوه الإيجاب التي أعلم الناس بها، وبشّرهم بها، وحضّهم عليها، وهداهم إليها ووعدهم بالثواب عليها ان أطاعوه فيها…
ونستطيع أن ندرج كل هذا الإيجاب تحت عنوان “العمل الصالح” أو “الصالحات” التي كثر اقترانها بالإيمان من قبيل ما ورد في الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ-﴾ (البقرة:277). وهذا بعض من الإيجاب الذي أمر به الله وحضّ عليه في كتابه العزيز، نذكره في هذا المقام من قبيل القيام بالعمل الصالح والفرائض، والحكم بالحق والعدل، والتواصي بالصبر والحق والمرحمة، وطاعة الله ورسوله، والوفاء بالعقود، والخروج من الظلمات إلى النور، والتوبة النصوح، والرزق الكريم، وترك الربا والحرام، وسائر الخيور التي وعد من يقوم بها ويفعلها بالثواب يوم الجزاء العادل في الآخرة.
وهكذا نرى الإنسان في نشاطه، يأتي بالإيجاب والسلب، وبفعل الخير وفعل الشر، ويؤمن ويكفر… وليس فيه كمال ولا مطلق، الأمر الذي أخبر به كلام الله في الآية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة:286)، حيث يمكننا أن نقرأ فيها أن الكمال والمطلق ليسا في وسع أي نفس لأنها تصيب وتخطئ، وتحسن وتسيء، وتستقيم وتأثم، وتطيع وتعصى…
2-3-جـ- الكمال والمطلق لا يتّمان للنسبيّ والمحدود، نظريًا: لعلّ البديهة القائمة في القول السائر “فاقد الشيء لا يعطيه”، خير ما يعبّر عما نرمي إليه في هذا العنوان. فمن أين للنّسبيّ والمحدود بالكمال والمطلق؟! إن ذلك القول المأثور يتماشى مع الدين والعلم والمنطق والحس السليم. ففي الدين، وهو ما يعنينا في هذا المقام، ان الإنسان مخلوق من تراب، ثم هو مولود لأبوين كما تخبر الآية:
﴿هُوَ الَّذِي [الله] خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ –﴾(غافر:67)؛ وهو محدود أو مقيّد بالمكان (آدم في الجنة ثم في الأرض؛ وذرّيّته حيث يكون الأبوان عند الولادة ثم حيث ينشأ ويقضي كل مولود حياته)، ومحدود بالزمان أيضًا حيث يكون له بداية ونهاية في الزمن، جنسًا وفردًا، كما تعلم الآية ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (السجدة:7)، والآية﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن:26)…
إذًا، فالإنسان محكوم، في آن واحد، لمادة خلقه (التراب)، ثم لشرط الأبوين (للماء المهين)، ومحدود ومقيد بالمكان والزمان، ومدين في وجوده لله خالق كل شيء؛ إذًا، فهو نسبيّ ومحدود وخاضع للزمان والمكان في كلّه؛ ومن كان كلّه نسبيًا ومحدودًا وخاضعًا للزمان والمكان، كان بعضه كذلك حكمًا. فالإنسان، إذًا، هو نسبيّ ومحدود في كلّه وبعضه، فلا يوصف بالكمال ولا بالمطلق في أي شيء؛ وإلاّ، شارك الله في الألوهية، والعياذ بالله… هذا نظريًا، فماذا عن الأمر عمليًا؟
2-3-د- ما يحكم الإنسان يحكم نشاطه عمليًّا: لنستقرئ النشاط البشري في اكبر ما كلّف الله الإنسان به، وأعظم ما ابتلاه به، وأعلى ما قدّره فيه، وانتدبه إليه، ألا وهو استخلافه تعالى إيّاه في الأرض، في ما يتعلّق بصدد “الكمال والمطلق”:
2-3-د-(1)- في عبادة الله: لقد خلق الله الإنسان ليعبده حصرًا، واحدًا أحدًا صمدًا لا شريك له، كما تخبر الآية :﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات: 56). ولعلّ أهم ما في العبادة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ويوم البعث. والإنسان المؤمن، أيًّا كان، عليه الائتمار بأوامر الله ورسوله، والانتهاء بنواهيهما، والامتثال لأحكامهما، والعمل بها، في ما يتعلق بحياته في الدنيا والآخرة.
فالعبادة، وهي نشاط يقوم به من يؤمن بالدين، هي طاعة وخضوع وانقياد وامتثال لرب العالمين وحده؛ وتستلزم من الإنسان العابد أن يؤديها وفقًا لنصوص وقواعد وأشكال وحركات مذكورة في القرآن والسّنّة. والعابد يحتاج إلى من يعلّمه العبادة، ويخضع لحساب في الآخرة حيث سيثاب على عمله الصالح، ويعاقب على عمله الطالح. فالعبادة، من ألفها إلى يائها، نشاط يقوم به الإنسان وهو محكوم فيه لمعبوده، ربّ العالمين، فضلًا عن تقيّده بكل ما تقتضيه منه العبادة. إذًا، فقيام الإنسان العابد بعبادته ومقتضياتها ليس فيه كمال أو مطلق في شيء، بل هو نسبيّ ومقيّد ومحدود ليس إلاّ.
2-3-د-(2)- في استعمار الأرض: لقد أنعم الله على الإنسان باستعمار الأرض واستثمارها مسّخرًا له ما فيها وما عليها من “زينة” (نِعَمْ)، ونهاه عن الإفساد فيها، وفقًا لما أعلمت به الآية ﴿هُوَ [الله]أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا-﴾ (هود:61)، والآية ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ-﴾(هود:85).
وها هو الإنسان قد استعمر الأرض ويستعمرها، واستثمرها ويستثمرها ما وسعه الاستعمار والاستثمار… بيد أنه، في هذا وذاك، جاءت بصماته واضحة بيّنة في طول المعمورة وعرضها؛ ينبئ بعضها بآثار طيبة تركتها أعماله وأفعاله الصالحة في الخير والنفع والإحسان والإعمار والتقدّم والتمدّن، من قبيل شق الطرق، وحفر الأنفاق، وبناء السدود، وتطوير وسائل النقل والاقتصاد والمعيشة، وتدجين وتهجين الكثير من النبات والحيوان، وتذليل الكثير من معيقات الطبيعة في البر والبحر والجو، تعزيزًا لسيادته، وصونًا لها، وتوسعة لحريّته وكرامته.. الخ.
ويخبر بعضها الآخر عن آثار خبيثة ترتّبت على أعماله وأفعاله الطالحة في الشرّ والأذى والإساءة والإفساد والتأخّر والتوحّش، من قبيل تلويث البيئة في ترابها ونباتها وحيوانها وهوائها ومائها، ومثل اختراع وتكديس أسلحة تدمير شامل متنوّعة ومرعبة كالكيمائية والبيولوجية والنوويّة وما إليها، مما يقوى على تدمير الكوكب، ويهدّد سيادة الإنسان ويضعفها، ويشلّ حريّته، ويشوّه كرامته، ويقبّح التمدّن حيث يذرّ قرن التوحّش. ما أفظع أن يتوحّش الإنسان!
وهكذا يبدو نشاط البشر، عمليًّا، وفي آن واحد، إيجابًا حيث أنسن ويؤنسن الأرض المستخلف عليها، وسلبًا حيث وحّشها ويوحّشها. فهو عجز ويعجز عن تجسيد الكمال أو المطلق فيه، ليبقى في دائرته المتناسبة مع طبيعته الأرضية، نسبيًا ومحدودًا في إيجابه وسلبه، الأمر الذي يؤكّده القرآن كما سبق الكلام على ذلك.
2-3-د-(3)- في سياسة الناس وحكمهم: لقد أناط الله بالإنسان الخليفة في الأرض، تدبير شؤون الناس وتصريف أمورهم، وإدارة مصالحهم العامة، وسياستهم وقيادتهم في حياتهم، وحمايتهم وصون حقوقهم وحريّاتهم: حاكمًا، يرعى الناس في ما لهم من حاجات ومصالح وحقوق وحريات، وفي ما عليهم من واجبات والتزامات وتعهدات، ويمارس فيهم وعليهم سياسة وحكمًا وسلطة، أمره الله أن يكون هذا كلّه بالحق والعدل، ونهاه فيه عن اتباع الهوى والإفساد والاعتداء والظلم؛ ومحكومًا، يمتثل للحاكم القائم في قوانينه وأحكامه، ويمارس حياته متمتّعًا بما له من حاجات ومصالح وحقوق وحريات، وقائمًا بما عليه من واجبات وتعهدات تجاه الحكم والآخرين…
بيد أن الإنسان في نشاطه هذا، حاكمًا ومحكومًا، لا يرقى به في واقع الأمر إلى الكمال أو المطلق في أي من الحاكمية والمحكومية، لأنه وهو محكوم، يقيّد الحاكم بما له من حاجات ومصالح وحقوق وحريات، وبطاعته وولائه وثقته بالحكم؛ وهو حاكم، يقيد المحكوم بالنظام والسلطة والمراقبة والمحاسبة، وبالالتزامات تجاه الحكم…
ولقد أشار الكتاب المبين إلى الكثير من أوجه السلبية والشرور من قبيل الفساد والشرك والكفر والباطل والظلم والطغيان واتّباع الهوى والعدوان(…)، وحذّر الناس منها، وتوعّد مقترفيها بالحساب والعقاب؛ كما أكّد الكتاب نفسه وفي الوقت نفسه، على الكثير من أوجه الإيجابيّة والخيور من قبيل الصلاح والإعمار والحق والعدل وفعل الخير والإحسان والتوحيد والإيمان (…)، وحضّ الناس عليها، ووعد القائمين بها أو فاعليها بالثواب والأجر العظيم يوم الدّين…
وهكذا يتبيّن لنا بقليل من الجهد والوعي والاستقراء أن النشاط البشري، في استخلاف الإنسان في الأرض، لا يمكن ولا يجوز وصفه بالكمالية والمطلقية لأنه محكوم بدوائر النسبية والمحدودية والخضوع لظروف الزمان والمكان.
أما الآن فقد حان الوقت لطرح السؤال الكبير والخطير، ألا وهو: “هل الدوائر الحاكمة للنشاط البشري هذه تحكم أيضًا الرسالات السماوية؟ أم هي واقعة في حكم المطلق والكمال؟
- الإسلام أهو كامل مطلق أم نسبيّ محدود؟
هل يشذّ الإسلام عمّا يحكم النشاط البشري من دوائر النسبيّة والمحدوديّة والزمكانية(2) فضلًا عن دائرتي التغيّرية والتاريخيّة، فيرقى إلى الكماليّة والمطلقية لكونه إلهي الأصل؟ كيف ينظر إليه أهله في إطار هذا التساؤل؟ وهل تتفق نظرتهم مع ما هم وهو عليه في واقع حالهما المستمر، بشكل أو بآخر، منذ أن استتبعهما هوى السلطة السياسية، وقمع العقل الناقد الحرّ؟ كيف ينظر إليه من منظور موضوعي؟ هل يندرج تحت مقولة “لا تبديل ولا تحويل لسّنّة الله” كما يفهمها منظروه؟ أم إنه يندرج ويفهم في إطار أن “سنّة الله تقبل بل تشمل التبديل والتحويل في معناها”؟ هل صحيح أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تتغيّر في الزمان والمكان والظرف والحال؟ هل من أدلّة على تاريخية الإسلام أم هو فوق الزمان والمكان، وحتى فوق الإنسان، كما يحلو لمنظرّي الثقافة السائدة والشائعة في ربوع الإسلام وأهله؟..
لعلّنا لا نجهل القدر الكبير من المعارضة والمقاومة، الذي يثيره هذا التساؤل المفضي إلى إعادة النظر في ما اعتبره بَدَائِهَ ومسلّمات لا يرقى إليها الشك، ولا يجوز فيها حتى التساؤل، علمًا بأن الله يحضّ خليفته على إعمال عقله في كل ما يعنيه، حتى في خلقه كلّه ومعرفته تعالى. لعلّ مثل هذا الحضّ يلقى الاستجابة الكافية للاهتداء بنور العقل الذي نحسن به تدبّر نور الهدى، فنجد أن خلف تلك البدائه والمسلّمات، يقبع “الفهم البشري المختلف المتألّه للإسلام” ليس إلاّ، فنقلل بالتالي من حدّة المعارضة وشدّة المقاومة، إن لم نستطع كفها كفًّا.. وها نحن نذهب إلى التفاعل مع هذا التساؤل في سياق ذاك الحض الإلهي على إعمال العقل.
3-1- الإسلام في منظوره السائد والشائع: إننا في هذا المقام، نكتفي برسم الخطوط العامة للإسلام، بما يتناوله التساؤل حيث نراها في ما يلي:
3-1-أ- الإسلام رسالة خاتم الأنبياء: ان الإسلام هو آخر رسالة سماوية قد أوحى بها الله إلى الناس من طريق نبيّه المصطفى الذي تلقاها من الأمين جبريل، والذي فهمها وبلّغها ومارسها بدءًا من﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾ (العلق:1)، وانتهاء بـ ﴿-الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا-﴾(المائدة:3)، باعتبار الإسلام الدين الوحيد المرضي عنه وفقًا لما أخبرت الآية﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(آل عمران:85). لقد أدّاها بأمانة وإخلاص وشجاعة وصبر، كما قاد من آمن بها وفقًا لسنّته السنيّة، وقد مدحه الله في خلقه الكريم قائلًا فيه﴿إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(القلم:4)، وجعله آخر أنبيائه كما أعلمت الآية﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ-﴾ (الأحزاب:40).
3-1-ب- الإسلام دين ودنيا: ان الإسلام في نظر أهله السائد والشائع هو رسالة إلهية وسعت وشملت كل ما يتعلّق بشؤون الناس، ويمت إلى أمورهم بصلة في عالمي الشهادة والغيب. إنه رسالة كافية وافية بما أعلمنا به عن عالم الغيب من الجنة والنار والملائكة والبعث والحساب والجزاء والحياة الأخرى التي خصّ الله بها الإنسان دون خلقه كلّه في عالم الشهادة. وإنه يعلمنا أيضًا بكل ما نحتاج إليه فيه، فيدعونا إلى توحيد الله، وعبادته بالرضا والاختيار وبالحمد والشكر على نعمه علينا التي لا نحصيها، وعلى رأسها نعمة استخلافنا في الأرض، كما يدعونا إلى طاعة الله والرسول في الأمر والنهي والحكم، وإلى التمتع بخيرات الحياة الدنيا وفقًا للصراط المستقيم الذي يهدي إلى سواء السبيل والحق والحلال والخير ويحض عليها، كما ينهى عن الضلال والباطل والحرام والشرّ، ويحذّر منها.
أضف إلى ذلك أنه يحثّنا على العمل الصالح وفعل الخير والإتيان بالإحسان، خير الزاد الذي سنفوز به بالأجر العظيم في الآخرة التي هي غاية حياتنا الأولى، دينيًا، وهي خير لنا وأبقى من حياتنا الدنيا الفانية، كما تخبرنا بذلك الآيات التالية:﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾(القصص:77)، و﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾(الضحى:4) و﴿وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾(الأعلى:17)… ولعلّ عبارة “دين ودنيا أو دولة” عن الإسلام تتضح أكثر في ما يلي.
3-1-جـ- الإسلام هو النظام الأمثل، والمنهج الأكفأ للحياة: يذهب منظرّو الإسلام في ما يسود ويشيع من ثقافة بين أهله، إلى أنه لا يقتصر في دعوته على الجانب الاعتقادي الإيماني التعبّدي الذي يتمحور حول وحدانية الله إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا لا شريك له، والإيمان به، وملائكته وكتبه ورسله ويوم البعث، كما جاء في القرآن، بالإضافة إلى “الإيمان بالقدر خيره وشرّه”، كما أثر عن نبي الله الأمين، بل هو، بالإضافة إلى هذا الجانب، واندماجًا فيه، يدعو إلى أن تكون الحياة البشرية في رحابه وتحت ظلاله في كلّها وبعضها، وفي ما يتزوّد به الإنسان المؤمن منها إلى حياته في الآخرة.
لذا يرى أولئك المنظّرون أن الإسلام يضع بين يدي الناس نظامًا عامًا يحكم حياتهم بحيث تسير على إيقاع من الانتظام والانضباط وسواء السبيل، والصراط المستقيم، والمنهج القويم حيث تكمن “أمثليّته” في أنه نظام إلهي من تدبير ربّ العالمين العليم الحكيم بكل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته، نظام كامل لا تنقصه ناقصة، ولا تعيبه عائبة، ولا تشوبه شائبة، نظام شامل يغطي جميع ميادين الحياة في جملتها ومعرفتها من قبيل الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والقضاء والتربية والتعليم وما إلى ذلك، نظام مطلق لا يقيّده أو يحدّه زمان أو مكان، بل هو صالح لكل زمان ومكان، وكل الظروف والأحوال، لا ينافسه ولا يضاهيه ولا يدانيه في ذلك نظام آخر من صنع البشر.
أضف إلى ذلك أن “أكفأيّته” يؤكّدها أنه منهج من صنع الله ينبثق من ذلك النظام الإلهي، ويتبع سواء السبيل في وضعه موضع التنفيذ، ويلتزم الصراط المستقيم في تطبيقه وتحقيقه في الواقع في إطار من طاعة الله ورسوله حيث تأخذ شريعته طريقها إلى تدبير أمور الناس، وتصريف شؤونهم، وتحقيق مصالحهم، وصون حقوقهم، وحماية حرياتهم، معبّرة بذلك عن نور الإسلام وهداه وعدله ورحمته في ما يأمر وينهى ويحكم. لذا فالإسلام المنهج هو الأسلم والأوضح والأوفى والأمثل، الأمر الذي يجعل طرح فصل الدين عن الدولة أو السياسة أو الحكم في حياة الناس، عدوانًا على الإسلام وأهله لاعتدائه على إرادة الله في الخروج عن سنّته وسنّة نبيّه حتى لا نقول خروجًا عليهما، بنحو ما يرى أولئك المنظّرون. وبعبارة واحدة، يبدو الإسلام، نظامًا ومنهجًا، في منظوره سنّة لله “لا تتبدّل ولا تتحوّل”.



