مقالات
لبنان بين الثورة والفورة..!
وُلِدَ لبنان “الكبير” لأوّل مرّة في التاريخ، عام 1920، في ظلِّ الانتداب الفرنسيّ لجزء من سورية الطبيعيّة، التي تقاسمها المنتصرون في الحرب العالميّة الأولى، كما تقاسموا كلّ بلدان الوطن العربيّ من المحيط الى الخليج، ثم حصل على “استقلاله في 22 تشرين الثاني عام 1943.
وضع الفرنسيّون دستورا للجمهوريّة اللبنانيّة الوليدة، ملينا بالأفخاح التي ستنفجر ساعة يريد من ينوي العبث بالبلاد والعباد. ذلك الدستور الطائفيّ المذهبيّ الفئويّ، المبنيّ على الحذر الدائم والمستمرّ من الآخر ومواجهته – حتّى لو أدّى ذلك الى الاستعانة بالأجانب من دون الاكتراث الى صداقتهم او عداوتهم.
لذلك، نرى أنّ لبنان لم يستقرّ الّا لفترات متقطّعة قليلة، لم تكن الّا استراحة محارب لمن يريد الشرّ للبلاد والعباد. لكن، ما ميّز نظام الحكم في البلد، هو آليّات تشكيل السلطات جميعها عن طريق الاقتراع، والانتخابات البلدية والتشريعيّة والرئاسيّة. هذه الانتخابات أعطت اللبنانيّين بكلّ فئاتهم، الحقّ والفرصة لاختيار من يمثِّلهم في مواقع السلطة من أدناها الى أعلاها.
لذا، كان مصير الأوضاع الداخليّة المتعلِّقة بتسيير عجلة الدولة وإدارتها بأيديهم – لو أحسنوا اختيار من لديهم الكفاءة والكفاية والإخلاص لكلّ، او معظم، المناصب التي ستتولّى ادارة شؤون الوطن.
بخلاف ذلك، دأب معظم اللبنانيّين على انتخاب من يقدِّم لهم خدمة شخصيّة أو مالًا “قليلًا”، أو ينتخبون من كان أحد أقاربهم أو جيرانهم أو خصومهم ضدّه نكاية بهم. لذلك، تمحورت الحياة السياسة في هذه الدوائر “المصلحِيّة” الانيّة الضيّقة، وانكفأت مصلحة البلاد وإدارتها وانزوى مستقبلها في مسارات شبيهة بالمتاهات، حيث ضاعت كلّ البوصلات وعمّ الفساد وساد عهد الانهيارات والكوارث.
لا يستطيع ايّ لبنانيّ، يعرف حقيقة تركيبة المجتمع بعمق، أن ينكر وجود الآليّات المناسبة للتغيير السلميّ الديموقراطيّ – ولو بالحدود الدنيا. لكن اللبنانيّين لم يُحسِنوا استثمار او استخدام، أو حتّى استغلال هذه الآليّات، لتحديث النظام السياسيّ الذي أنشأه لهم الفرنسيّون. إن قلنا بأنّ النظام ذاته لا يسمح لهم بالتغيير فهذا يكون مجافٍ للحقيقة. هو نظام، على كلّ علّاته وأفخاخه وخيباته، يعطي المواطن حق الاختيار وحق المراقبة والمحاسبة، وحرِّيّة الكلمة ولا يقيِّد حركته في شيء.
أمّا ما فعله اللبنانيّ بنفسه، فذلك بحث آخر يطول كثيرًا كثيرا. لكنّ خلاصة القول هي انّ بعض اللبنانيّين، ينتفضون او يهبّون بين الحين والآخر، بسبب الضيقة المادِّيّة والحاجة او لاسباب طائفيّة ومذهبيّة وحزبيّة وفئويّة، وليس لاحداث تغيير جذريّ في النظام السياسيّ العفِن المهترئ، الذي لا يصلح لمجموعة من الحشرات في برِّيّة الله الواسعة!
لو أنّ اللبنانيّين، جادّون في بناء وطن يحفظ كرامة الانسان ويرسم لمستقبل الأجيال، لوضعوا هم بأنفسهم برنامجًا انتخابيًّا، يلتزم به كلّ من يطمح لترشيح نفسه لمنصب عامّ؛ برنامج يخقّق قيام دولة مدنيّة عصريّة، لها مشروعها الذي يضع شعبها في صلب الحياة البشريّة والانسانيّة.
من هنا، نجد أنّ كلّ التحرُّكات التي تشهدها الساحات اللبنانيّة عبر السنين، لا ترقى عن كونها احتجاجات لأسباب تتعلّق بجزء من الناس متضرِّر من هذه المرحلة او تلك، أو من هذه السياسة او ذلك المسؤول، او بناء لتدخُّل هذه الدولة الخارجيّة او تلك.. الخ، لكن لم نشهد حركة جماهيريّة موحّدة واسعة، عابرة للطوائف والمذاهب والأحزاب والفئات المختلفة، تضع برنامجًا واضح الأهداف لتحقيق الدولة المدنيّة العصريّة، التي تخلِّص لبنان من مأزقه التاريخيّ الرهيب.
هذا، لا يعني أنّنا ننكر على كثير من اللبنانيّين، سعيهم الى المطالبة بمشروع الدولة التي نتحدّث حوله، لكن هؤلاء الأفراد لم يستطيعوا أن يتحوّلوا الى حالة مؤثِّرة في البنية الاجتماعيّة والسياسيّة على امتداد الوطن، بل تحوّلوا الى “بؤرٍ” ثقافيّة، تتجاذب معظَمَها الأحزابُ والقوى السياسيّة المسيطرة.
ما نشهدُه حتّى الآن، مع اعتذاري للجميع، واحترامي لكلّ من يشارك في، ويتفاعل مع، ويؤيّد ما يجري هذه الأيام، هو فورَة؛ لا ثورة!.
=========================





