مقالات

بعد اختطاف مادورو..ما هي خطط ترامب في فنزويلا؟


لم يكن فجر الثالث من يناير 2026 حدثاً عادياً في تاريخ فنزويلا، ولا حتى في تاريخ التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية. للمرة الأولى منذ عقود، تعلن الولايات المتحدة، بلا مواربة، أنها اختطفت رئيس دولة ذات سيادة من عاصمته، ونقلته مكبلاً إلى نيويورك، ثم تضيف على لسان رئيسها دونالد ترامب أنها «ستُدير البلاد» إلى أجل غير مسمى. لم يكن ذلك مجرد تطور عسكري أو أمني، بل زلزالا سياسيا وقانونيا وأخلاقيا، فتح الباب واسعاً على سؤال جوهري: ماذا يريد ترامب فعلاً من فنزويلا بعد مادورو؟

تجدر الإشارة إلى أن الرئيس ترامب كان قد خاض حملته الانتخابية الأخيرة مناهضا لما سماها «الحروب الأبدية»، التي استمرت لعقود. بينما نقف اليوم إزاء تحركات تشير بقوة الى زجّ الولايات المتحدة في مغامرة غير محسوبة النتائج، تتمثل بمهمة إدارة دولة أجنبية بالغة التعقيد، كما تُخاطر بتكرار العديد من الأخطاء، التي حدثت في العراق وأفغانستان، إذ تعهّد ترامب في ظهوره الإعلامي الأول بعد عملية اختطاف الرئيس مادورو، بالبقاء في فنزويلا إلى حين إتمام عملية انتقال سليمة، لتجنّب احتمال تولي زعيمٍ «لا يُراعي مصلحة الشعب الفنزويلي».
منذ اللحظة الأولى، حرص ترامب على تقديم العملية بوصفها نصراً استعراضياً. ففي مؤتمره الصحافي في منتجع مارآلاغو، قال بلهجته المعتادة: «لقد أزلنا ديكتاتوراً خطيراً. الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا حتى يتم ترتيب انتقال آمن ومناسب». لم يذكر كلمة «سيادة»، ولم يتحدث عن دور للمعارضة الفنزويلية في تقرير مصير بلادهم، بل تحدث بلغة الوصي، الذي يرى في البلد غنيمة سياسية واقتصادية. الذريعة المعلنة كانت معروفة: تهريب المخدرات، واتهام مادورو وزوجته بالإرهاب وتهديد الأمن القومي الأمريكي. المدعية العامة في نيويورك تحدثت عن «محاكمة عادلة لرئيس دولة حول بلاده إلى منصة للجريمة المنظمة». لكن هذه اللغة لم تصمد طويلاً، فسرعان ما طغى الهدف الحقيقي على كل ما عداه: «النفط». ترامب نفسه لم يحاول إخفاء الأمر، بل قال بوضوح لافت:
«الولايات المتحدة ستشرف على عائدات النفط الفنزويلي، وسنقرر كيف تُصرف. لن نسمح بأن تُهدر مرة أخرى». وفي تصريح آخر أكثر فجاجة، أضاف: «فنزويلا لديها أكبر احتياطي نفطي في العالم، وهذا النفط يجب أن يعمل لصالح الاستقرار، ولصالح شركاتنا». هكذا تحولت «الحرب على المخدرات» إلى نقاش علني حول من يدير النفط، ومن يستفيد منه، ومن يقرر مصير اقتصاد بلد بأكمله. كما أشار ترامب في معرض حديثه عما سيحصل في فنزويلا، مقارنا بين حرب بوش لإسقاط نظام صدام، وحربه في فنزويلا بالقول وبكل فجاجة: «الرئيس بوش لم يحتفظ بالنفط العراقي، بينما نحن سنفعل ذلك مع النفط الفنزويلي».

اختطاف مادورو رسالة ردع للعالم
مفادها: من يملك القوة يملك القرار

غير أن السؤال الذي تجاهله ترامب عمداً هو: هل يكفي اختطاف الرئيس لإسقاط النظام؟ كثير من الخبراء الأمريكيين أنفسهم شككوا في ذلك. الخبير الاقتصادي الفنزويلي فرانسيسكو رودريغيز، وصف ما جرى بأنه «قطع رأس النظام دون تغيير النظام». وأضاف، «هذه ليست حرباً تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر، بل عملية نزع قيادة، بينما تبقى البنية السياسية والعسكرية قائمة وقادرة على التكيّف». وهذا التوصيف ليس نظرياً. فالنظام الفنزويلي، منذ عهد هوغو تشافيز، لم يعد قائماً على شخص واحد، بل على شبكة معقدة من الولاءات: جنرالات يسيطرون على قطاعات اقتصادية، أجهزة أمنية متغلغلة، ومصالح متشابكة تجعل من سقوط الرئيس حدثاً خطيراً، لكنه غير كافٍ لإحداث انهيار شامل.
لهذا لم يكن مفاجئاً أن تعلن المحكمة العليا في كاراكاس سريعاً، تعيين ديلسي رودريغيس رئيسة مؤقتة، في رسالة واضحة مفادها أن الدولة لم تسقط. كما أشار مختصون إلى نقطة جوهرية، بعد تولي ديلسي رودريغيس مهام رئاسة الجمهورية، وهي أنها وزيرة النفط، بالاضافة لكونها نائبة الرئيس، وأنها تعرف كل تفاصيل هذا القطاع المحوري في الأزمة الحالية ولديها كل مفاتيحه، لكنها في الوقت نفسه، ابنة عائلة ثورية ولا يمكن أن تخون عهد أسرتها، فهي ابنة خورخي أنطونيو رودريغيس، الثوري الذي أسس حزب «الرابطة الاشتراكية»، وقام باختطاف رجل الأعمال الأمريكي ويليام نيهاوس، الذي كان يُشتبه في كونه على صلة بوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في فنزويلاعام 1976.
وقد اعتُقل رودريغيس لاحقا وتوفي تحت التعذيب، ما جعله شهيدا في نظر التيار التشافيزي. أما شقيق الرئيسة الحالية، خورخي رودريغيس، فهو رئيس البرلمان، وأحد مفكري الثورة البوليفارية. وإن الشعار الذي تردّده الرئيسة رودريغس، في كل مقابلاتها هو: «الثورة هي انتقامي لمقتل والدي». فكيف سيتمكن ترامب من تطبيق أجندته في ظل رئاسة رودريغس؟

في هذا السياق، تتضح هشاشة خطة ترامب. فهو من جهة يعلن أنه جاء «لتحرير الشعب الفنزويلي»، ومن جهة أخرى يتجاهل المعارضة الفنزويلية تماماً. لم يتحدث عن تسليم السلطة لها، بل سخر من بعض رموزها، وتجاهل الحديث عن انتخابات قريبة. أحد مسؤولي إدارته قال صراحة، «الأولوية الآن للاستقرار، وليس للتجارب السياسية»، الاستقرار هنا لا يعني الديموقراطية، بل بيئة آمنة لاستثمار النفط، حتى في واشنطن، لم يخفِ بعض المعلقين هذا التناقض. مجلة «بوليتيكو» نقلت عن أحد الصحافيين قوله:
«الذرائع الأمنية تلاشت بسرعة، وبقي النفط في الواجهة. ترامب لا يتحدث عن بناء مؤسسات، بل عن بيع النفط وإدارته»، صحافي آخر علّق بتهكم، «حتى في العراق، حاولت واشنطن إنكار أطماعها النفطية. في فنزويلا، لم تعد تتكلف عناء الإنكار».

أما قانونياً، فقد فجّرت العملية عاصفة غير مسبوقة، خبراء في القانون الدولي وصفوا الهجوم بأنه «انتهاك صارخ للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة». أحدهم كتب، «اختطاف رئيس دولة من دون تفويض دولي، ثم إعلان إدارة بلاده، يعيد العالم إلى منطق القرن التاسع عشر، حيث القوة تخلق الحق». هذا الرأي لم يأتِ من دول لها خصومة مع واشنطن، بل من مراكز بحث غربية مرموقة.
أوروبياً، كان الارتباك سيد الموقف، الرئيس الفرنسي تحدث عن «نهاية ديكتاتورية»، لكنه تجنب التعليق على الاختطاف نفسه. وزير خارجيته كان أكثر صراحة حين قال: «مهما كان موقفنا من مادورو، فإن استخدام القوة بهذا الشكل يخالف القانون الدولي». أما سياسيون أوروبيون آخرون فذهبوا أبعد من ذلك. وزير خارجية فرنسي سابق حذّر قائلاً: «إذا أصبح اختطاف الرؤساء سياسة مقبولة، فلا يحق لنا غداً الاعتراض على أفعال روسيا أو الصين».
داخلياً في الولايات المتحدة، لم يكن الإجماع كاملاً، صحيح أن جزءاً من القاعدة الجمهورية صفق للعملية بوصفها «استعراض قوة»، لكن أصواتاً بارزة داخل تيار «أمريكا أولاً» تساءلت: أين وعود إنهاء الحروب الخارجية؟ إحدى النائبات الجمهوريات كتبت: «الأمريكيون لم ينتخبوا ترامب ليُدير دولة أخرى، بل ليُدير مشاكلهم في الداخل».
أما في فنزويلا نفسها، فالصورة أكثر تعقيداً مما يريد ترامب إظهاره. الغضب من مادورو لا يعني تلقائياً الترحيب بالتدخل الأمريكي. كثير من الفنزويليين، بمن فيهم معارضون، عبّروا عن شعور بالمهانة الوطنية. أحدهم قال لوسائل إعلام محلية: «نختلف مع مادورو، لكننا لا نقبل أن يُختطف رئيسنا بهذه الطريقة». هذا الشعور، إذا ما استُثمر، قد يتحول إلى وقود لمقاومة طويلة، تجعل من إدارة فنزويلا عبئاً سياسياً وأمنياً ثقيلاً.

في النهاية، يبدو أن خطة ترامب – إن جاز تسميتها خطة – تقوم على ثلاث ركائز: إزاحة الرأس، السيطرة على النفط، وتأجيل أي حديث جدي عن الديمقراطية. هو لا يسعى إلى بناء نظام جديد بقدر ما يسعى إلى فرض ترتيب يخدم مصالح شركات البترول الكبرى في بلاده. اختطاف مادورو كان رسالة ردع، لكن الرسالة الأخطر كانت للعالم كله: السيادة لم تعد خطاً أحمر، والقانون الدولي قابل للتجاوز، ومن يملك القوة يملك القرار.
قد ينجح ترامب في فرض واقع مؤقت في فنزويلا، وقد تنتعش شركات النفط الأمريكية، لكن التاريخ القريب يقول، إن إدارة الدول بالقوة نادراً ما تنتهي كما يتخيل أصحابها. والسؤال الذي سيبقى معلقاً، بعد انقضاء نشوة الاستعراض: هل فتحت فنزويلا باباً لعالم أكثر فوضى، أم ستكون الشرارة التي تكشف حدود سياسة القوة العارية؟

صادق الطائي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى