مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة “22”..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام”، غير المنشور. للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

  • الخليفة في ميزان التّكليف السّماويّ:

بادئ ذي بدء، نقرأ في الكتاب المبين أن الله كلّف آدم بخلافة الأرض يسودها ويستعمرها وفقًا لطاقته ولما صار إليه بتعلّم “الأسماء كلّها”، وبما يتمتع به من إمكانات وكفايات تجعل ما كلّفه به لا يتجاوز وسعه، ويبقى بمستوى معرفته؛ وبذلك يمكن للإنسان أن ينعم بزينة الأرض المسوّد عليها، والمتمكّن من عمرانها، والعارف ما يترتب على فعله فيها من تبعات يكون مسؤولاً عنها. لننظر في الآيات التالية التي يمتد بعض معانيها ويرسم إطارًا لهذه البداية: ففي الآية: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً -﴾(البقرة 30)، إخبار إلهي بتكليف آدم بخلافة الأرض؛ وفي الآية: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا-﴾ (البقرة: 31)، تعلّم آدم الأسماء كلّها ولم تكن مما يعلمه الملائكة؛ وفي الآية:﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾(البقرة:286)، يتناسب تكليف النفس مع طاقتها، وما تصنعه وتفعله من خير فهو لها، وما تقترفه من شرّ فهو عليها؛ وفيها أيضًا يصبح التكليف والمسؤولية لتوافر الطاقة والاختيار.

5-1 – في واقع الحال، إيجابيّة مشرقة قصيرة العمر، وسلبيّة مظلمة مديدة العمر: إن ما وصفناه بالإيجابية في ممارسة سيادة الإنسان على الأرض، كان في عهد النبوّة القصيرة جدًّا، خاصّة إذا ما انطلقنا من نقطة التحوّل في تاريخ  الانتصار الأكبر للأمة الناشئة على قريش بقيادة الرسول بالإضافة إلى دعوته إلى الدين الجديد، في فتح مكة، كما كان وإلى حدّ كبير في بعض العهد الراشدي. لقد أشرقت الإيجابية في السياسة التي أنتهجها الرسول والتي تكاملت مع الدين والعقل في فهمه “للحكم بما أنزل الله إليه” بالعدل، وفي “قيادته الرائدة ومبادرته المحسوبة” تحت “مظلّة العقل”؛ كما تجلّت هذه الإيجابيّة أيضًا في التوجّه العام في سياسة العهد الراشدي في إطار الحديث “أنتم أدرى بشؤون دنياكم” في تكامليّة في السياسة والدين والعقل، وإن شاب ذلك شيء من الصراع المقفل والمعارضة المكبوتة”؛ إنّها إيجابية كانت مبشرة واعدة حتى مقتل الخليفة الثالث، وانفجار “الصراع المفتوح” وظهور “المعارضة السافرة” حيث لا تزال تداعيات الانقسام تقوّض بنية الإسلام، وتشرذم أهله حتى يومنا هذا؛ ولكنها، وإلى ذلك كانت بمثابة الشاذّ لقصر عمرها، الذي يؤكّد القاعدة التي تعبّر عن سلبيّة مظلمة ذات عمر مديد مؤدّاها سيادة مستبدّة بالسياسة والسلطة والحكم عمومًا منذ اغتصاب الخلافة على يد معاوية بالقوة والغلبة والتمرّد، ومرورًا بالعهود التي تلت عهد بني أميّة حتى إلغاء الخلافة الإسلامية كليًّا، واستمرارًا بشكل أو بآخر حتى اليوم؛ لقد صاحب ذلك الاستبداد المستمر تواطؤ سياسي – ديني لصالح السياسة المتغلّبة قد كرّس تبعيّة الدين لها، وقمع العقل الناقد الحرّ في غير ما يخدم الحكم القائم، وسفّه الدين في غير النقل نتيجة الفهم البشري المتعدد للدين، الذي أفضى، في ظلامه، إلى الالتفاف على إشراق الإيجابيّة، وإلى “مذهبة الدين وتفريقه وتخريبه”(6)، فمصادرة هويته، ما أذهب ريح  المسلمين… والآن كيف ننظر إلى هذه السلبية المظلمة في ممارسة سيادة الإنسان على الأرض بالرجوع إلى إطار التكليف السّماوي وانطلاقًا من الفهم البشري للدّين؟

5-2سلبيّة واقع الحال تخالف أمر التكليف ولا تليق بأهليّة الإنسان:  هذه السلبية لا يقبلها عاقل بعيد  النظر، ولا يراها في إطار التكليف لأنها تخالفه، ولا تقع في إطار ما أمر به من حق وعدل، ولا تنتهي بما نهى عنه من ظلم وعدوان وطغيان وفساد وإفساد حذّر الله منها جميعًا ونبّه إلى أنها شرور يجب تجنبّها والابتعاد عنها. ولعلّ من أكثر العوامل استغلالًا للدين لتغطية السياسة المستبدّة، وسوء استعمال السلطة، هو الفهم البشري المتعدّد المتنوّع المتألّه له؛ هذا إن لم يكن الأخطر،لأنه، وخلافًا لما يُرَوّج له من أنه نعمة الاختلاف ورحمته في الرأي في الدين، فهو نقمة ولعنة ومحنة وقع فيها جميعها الإسلام وأهله، ولا يلوح لهما أمل في النهوض منها، كما نرى، إلاّ إذا أُعيد النظر في هذا الفهم بحيث يبقى بشريًّا أرضيًا في تأثيره ومداه. إنّ الفهم البشري هذا كان نعمة ورحمة، لو تعدّد في الوحدة، وحدة الإسلام؛ لكنّه نوّع الإسلام وسيّسه بقدر تعدّده. أضف إلى ذلك أن كل فهم احتكر الإسلام لفاهمه وأتباعه الذين استأثروا به دون فهم الآخر وأتباعه؛ ولم يقف الأمر عند هذا المستوى، بل نسب كل فهم إلى السماء باعتباره هو الإسلام الذي أوحى به ربّ العالمين. وبذلك، وبوعي وبغيره، يكون كل منظّر للإسلام قد ألّه فهمه له زورًا وبهتانًا، فصار إلهيا، واستحال بالطبع أن يصير إلهًا لوحدانية الخالق المطلق. ألم يجعل معاوية استبداده بالحكم والسلطة والسياسة عائدًا إلى مشيئة الله وقضائه وقدره من طريق الترويج للجبريّة؟!.. هذا ما ذهبنا إليه بنسبة التألّه إلى الفهم البشري للدين. وفي السياق وللمزيد من تسليط الضوء على خطورة وشرّ الفهم البشري المتألّه على نحو ما ذكرنا، يمكننا القول إنّ الأرض قد أَرْضَنَتِ السماء، واقترفت وارتكبت بذلك مرتين: مرة في تغطية ما ارتكبته من استبداد وظلم وفساد باسم السماء، والسماء منه براء، ومرة أخرى، في ما ارتكبته وترتكبه من ذلك في تسويد ذوي الأهواء والأطماع وهم بالتالي ذوو “شدة الوطأة” أو “قوة الشوكة” أو “القوة الغالبة”؛ وفي السياق نفسه، يمكننا القول أيضًا إنّ الأرض لم تخالف السماء فحسب، بل صادرتها واعتدت عليها؛ وبالمعنى المباشر، إن الإنسان، خليفة الله في الأرض، قد خالف مستخلفه تعالى وعصاه واعتدى عليه أيضًا. فواقع حال السيادة في سوء استعمالها على نحو ما وصفت به بالسلبية المظلمة قد استلب الإنسان (الخليفة) محكومًا مسودًا في حقوقه وحرّياته ومصالحه وحاجاته، وهذا كلّه ظلم قد نهى عنه الإسلام، وحاكمًا سيّدًا فجعله عبدًا لأهوائه وأطماعه في استبداده وظلمه وطغيانه، وهذا كلّه أيضًا ظلم لنفسه الأمّارة السوء، واعتداء منها على المحكومين. إن هذا الاستلاب خطير جدًّا؛ فهو انتهاك صارخ لأمر الإسلام بالحق والعدل والهدى والرحمة، وانغماس متماد في الطغيان الذي حذّر منه ونهى عنه.. ولعلّه، الآن، أصبح من الوضوح بمكان أن سيادة الإنسان الموصوفة بالسلبية في الأرض تخالف أمر التكليف وتلتف عليه وتعصاه، وليست منه في شيء، فضلاً عن أنها لا تليق بأهلية الإنسان حاكمًا سيّدًا ومحكومًا مسودًا. أَوَيليق الاستبداد والظلم والفساد والطغيان بالحاكم السيّد من الناحية الأخلاقية والإنسانية والدينية؟! وهل يرضيه ذلك، وكأن السيادة وعمران الأرض لا يكونان إلاّ بالفساد والإفساد وسفك الدماء كما ذهبت إلى ذلك الملائكة في تساؤلها بشأن جعل الله آدم خليفة له في الأرض؟! ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً-﴾ (البقرة: 30). إن الإجابة بالإيجاب تنحدر بالإنسان نحو التوحّش ليصبح مفترسًا ضاريا في ثياب آدمي؛ لذا سيكون الجواب النفي وان كذبا ونفاقا؛ ولكن الإجابة بالنفي بصرف النظر عن الالتفاف عليها، تعني أن تلك الشرور المفضية إلى الانحدار نحو التوحّش، لا تليق بالإنسان ولا ترضيه لأن أهليّته تأباها وترفضها؛ بيد أن تمكّن الهوى من صاحبه يطيح بهذا الرفض وذاك الإباء. ولعلّه من نافل القول إن الجوع والفقر والأمّيّة والتأخر والقمع والقهر والاستلاب في الحقوق والحريات والمصالح والحاجات هي حالات لا تليق بالمحكوم المسود ولا ترضيه لأن أهليّته تؤهّله لواقع حال أفضل إلاّ أن صدقه وإخلاصه في إيمانه جعلاه يرى ذلك بمشيئة الله فيستكين ويكتفي بالدعاء والتضرّع إلى الله لتغيير الحال إلى أحسنها.

وها نحن نلاحظ بوضوح تامّ أن سلبيّة واقع الحال بشأن خلافة الإنسان في الأرض، يجد  الاستبداد فيها تبريره في مشيئة الله وقضائه وقدره، عندما يكون الإنسان حاكمًا سيّدًا وقد استبدّ وظلم وطغى وتجبّر؛ وعندما يكون محكوما مسودًا وقد استُلب في حقوقه وحرّياته، يرى نفسه في استكانته خاضعًا ممتثلاً لإرادة الله وقضائه وقدره أيضًا… وفي هذا، نرى بوضوح تامّ أيضًا أنّ كلّا من المسود المستكين والسّيد المستبد لا يملك من  أمره شيئًا إزاء مشيئة الخالق؛ فهما، اذًا، متساويان في مصادرة القدر لسيادتهما وأمرهما ومصيرهما. ولكن، ومع كل الاعتبار للآية:﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ-﴾ (الحجرات: 12)، التي ينطبق معناها على المسود المستكين لصدقه وإخلاصه في الإيمان، فإن ما ينطبق على السيّد المستبد هو القول السائر “إن سوء الظن من حسن الفطن”، الذي يجعلنا نعي تمامًا أن الصدق والإخلاص في الإيمان قد ذهب بهما هوى السلطة إلى مكان آخر؛ فعصى وخالف واستبدّ ثم  ادّعى الإيمان بالله، وتظاهر به، والتفّ على أمر التكليف، وجعل حدود الشرع تتماشى مع ما ذهب إليه في عبقريته في “فن الممكن”. وفي هذا السياق، يمكن المتبصّر أن يفهم أن الله قد ذهب في قوله ردًّا على  تساؤل الملائكة ﴿-إنّي أَعْلَمَ ما تَعلَمُون-﴾ (الحجرات:12) إلى أنه يعلم أن أهليّة الخليفة لا تقتصر على قدرته على الفساد وسفك الدماء، بل تمكّنه أيضًا من الخير والإصلاح ونشر السلام والأمن والاستقرار والتقدّم، فضلاً عن تعلّمه “الأسماء كلّها”(7). لنتأمل في الآية المعنية كاملة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30).

أضف إلى ذلك أنه إذا كانت مخالفة أمر التكليف بمشيئة الله وقضائه وقدره، وإذا كانت أهلية الإنسان المنحرفة نحو السّوء والشّر والباطل هي كذلك، وإذا كان كل شيء بقدر الله، فما المانع من التصدّي للمخالف والمنحرف، فنرشد هذا إلى قدر آخر هو الميل نحو الخير والحق، وإذا تمادى واعتدى نلزمه بهما، بل نحمله عليهما حملاً؛ وننصح ذاك بقدر آخر هو  الامتناع عن الاستبداد والظلم، والتزام المشاركة والعدل، وإذا أبى واستمرّ في طغيانه واستبداده، أبعدناه عن سدّة الحكم لفظاعة سوئه وشرّه وتجبّره؛ ونكون بذلك قد جعلنا أقدار الخير والحق والعدل تأخذ طريقها إلى سيادة الإنسان بدلاً من  الشرّ والباطل والظلم؛ ونكون قد توجهنا بفاعليتنا وإمساكنا بزمام أمورنا، إلى صراط مستقيم؛ فما المانع من كل ذلك وهو بمشيئة رب العالمين وقضائه وقدره؟!

والآن، إذا كانت حال سيادة الإنسان في الأرض على هذا النحو السلبي مخالفة لأمر السماء وغير لائقة بأهليّة خليفة الله، ترى، كيف ينبغي لها أن تكون في ميزان التكليف السماوي؟

5-3 حال خلافة الإنسان وفقًا لميزان التكليف:

      إن هذه الحال تتجلّى واضحة في الاستجابة لأمر التكليف في مراميه وأبعاده في كل ما يمتّ بصلة إلى شأن سيادة الإنسان المعنية في هذا العنوان. لقد خصّ ربّ العالمين الإنسان بخلافة الأرض لأهليّة تفوّق بها على غيره. فماذا عن أهداف هذا التخصيص أو التكليف بالخلافة؟ وما هي حدود سيادة الخليفة في دائرة البشر؟ ولعلّه من المفيد، بل مما علينا، قبل الانتقال إلى تناول النقاط المثارة حول أمر التكليف، أن نذكّر بأن حال خلافة الإنسان في إطار ميزان السماء، لم تكن غريبة عن الأرض على الرغم من الالتفاف الظالم على هذا الميزان، وطغيان حال الاستبداد وإفرازاته، الأمر الذي وصفناه بسلبيّة واقع الحال المظلمة؛ لقد تجلّت مشرقة في عهد النبوة المدني، ومبشّرة واعدة في العهد الراشدي… وكانت في هذا السياق منارة يمكن الاهتداء بها كلّما كانت ودخلت سيادة الإنسان في نفق مظلم. ولكن هوى السلطة والاستبداد قد التفّا عليها… والآن إلى ما يثيره العنوان من نقاط.

5-3-أ- أمر التّكليف تركّز على الإنسان: لقد خصّ الله من بين ما ومن خلق، آدم فجعله خليفة له في الأرض على الرغم من تساؤل الملائكة الذي لا يخلو من امتعاضهم من إفساده وسفكه للدماء في الأرض، إلاّ أنهم سجدوا له تقديرًا واحترامًا وتكريمًا مطيعين في ذلك ربّ العالمين، ومستجيبين لأمره إلاّ إبليس الذي أبى واستكبر(8) وكان عدوًا له إلى يوم القيامة. لقد خلق الله له كل ما في الأرض وما عليها(9)؛ وسخّر له كل ما يمكن الإفادة منه في عالم الشهادة من الأرض ومن غيرها(10)؛ وقضت مشيئة الله ألاّ يكون في سدّة خلافته على الأرض إلاّ آدم ومن كان من ذرّيّته من بعده. فكان قوم النبي هود (عاد) خلفاء من بعد إهلاك قوم نوح، الذين قال لهم في سياق تذكيرهم بما أنعمه الله عليهم ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(الأعراف: 69)؛ وكذلك قوم النبي صالح (ثمود)، كانوا خلفاء من بعد إهلاك عاد، الذين قال لهم في السياق نفسه، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 74). فهؤلاء الخلفاء وأولئك كانوا من ذرّية آدم نفسه على الرغم مما كانوا قد أفسدوا في الأرض. أضف إلى ذلك، أن المؤمنين إذا ما ارتدّوا عن دينهم وإيمانهم، فإن الله سيأتي بقوم بدلاً منهم يحبّهم ويحبّونه، كما ورد في الآية:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54)؛ وهؤلاء القوم ليسوا إلاّ بشرًا. فإرادة الله لم تذهب إلى غير الإنسان خليفة له في الأرض، وهو الذي أمره أن يقول كن فيكون؛ وهو القائل في هذا السياق  ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ (الزخرف:60).

وهكذا فإن أمر التكليف بالخلافة في الأرض تركّز على آدم، على الإنسان، على البشر دون غيرهم. وهذا يعني أن كل آدمي، أو كل من تحدّر أو يتحدّر من آدم له نصيب من الخلافة، من سيادة الإنسان في الأرض. هذا الإنسان ظل في عناية الله بعد هبوطه من السماء إلى الأرض حيث لم يترك دونها في عالم الشهادة فأرسل له الرسل والكتب من أجل إرشاده وهدايته إلى الإيمان والحق والعدل والحلال بعيدًا عن الكفر والباطل والظلم والحرام. هذا الإنسان، هل هو كفؤ لما انتدبه الله إليه؟

5-3- ب الإنسان أهل للتكليف: لقد ذكرنا شيئًا كثيرًا وهامًّا عن أهليّة الإنسان من قبيل حسن قوام بنيته وعلمه وسعة حيلته ومرونته وجهازه المعرفي، ما جعله يتفوّق على غيره من الكائنات، ويجعلها في خدمته، وما فتح أمامه الطريق ممهّدة لتزايد تمكّنه من ظروفه وحرّيته في فاعليّته، ولجدارته بما ذهب إليه أمر التكليف. أضف إلى ذلك أن الأهليّة تبدو لدى الإنسان بمثابة قابليات وإمكانات ومهارات وكفايات تقف وراء فاعليّته ونشاطه في ما يتركانه من أثر إيجابي أو سلبي وفقًا لما يوجّهها إليه الشّخص بقرار منه. وفي هذا السياق، يمكن تشبيه الأهلية بالعلم، وهو جزء منها؛ فهو وسيلة فعل أو عمل هامّة جدًّا؛ فإن استعملها صاحبها ليحقق خيرًا، كان له بها الخير؛ وإن جعلها في اقتراف الشّرّ، كان عليه بها الشّرّ. اذًا، فالأهليّة التي يتمتع بها الإنسان، ويتفوّق بها أيضًا على غيره من الأجناس والأنواع وسواها، تتجلى بمثابة طاقة أو قدرة لديه على الفعل؛ والفعل يمكن أن يكون حسنا وخيّرًا في أثره ونتيجته، كما يمكن أن يكون سيّئًا شرّيرًا فيهما أيضًا، تبعًا لما يكون عليه البلاء حسنًا أو سيّئًا…

وفي أوجه التكليف المشار إليها سابقًا، يمكن للإنسان أن يستجيب لأمر الله فيعبده، كما يمكنه أن يعصاه فيكفر به، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿-فَمَنْ شاءَ فلْيُؤمِنْ وَمَنْ شاء فَليَكفُرْ-﴾ (الكهف:29)؛ وفي تكليفه باستعمار الأرض، تمكّنه أهليّته من عمرانها واستثمارها، كما تُقْدره على الإفساد فيها الذي نهى عنه الله في الآية:﴿- وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ-﴾ (الأعراف:74)؛ أما في تكليفه بسيادة نفسه، أي في تكليف البشر بسياسة حياتهم في ما بينهم، فقد يأتي الحكم بالعدل والحق والمساواة والمشاركة على يد الحاكم بحيث يكون لخير الجميع استجابة للآية: ﴿– وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ-﴾ (النساء:58)، وقد يذهب هوى السلطة بالحاكم إلى الالتفاف على مضمون هذه الآية فيعصى الله، ويسود حكمه الظلم والباطل والمحاباة والاستبداد فتنتشر مظاهر الاستلاب في كل مكان تجاوزًا لإرادة الله في الآية: ﴿-وما الله يُريدُ ظُلمًا للعِبادِ﴾ (غافر:31)… ولكن، أليس من شيء يحول دون تمكين الإنسان في أهليته من الإتيان بالسوء والشّرّ والفساد والظلم وما إلى ذلك؟ – إن الإجابة البديهية عن هذا السؤال هو النفي، لأن الإنسان ليس له من الكمال والعصمة ما يمكّنه من ذلك. إنه يكابد، منذ ظهوره على وجه الأرض، صراعًا لما ينتهِ، ويبدو أنه لن ينتهي، بين الخير والشّرّ، وبين الحق والباطل، وبين العدل والظلم(…) إلى آخر هذه السلسلة من الثنائيات. ولعلّ قصة قتل قابيل أخاه هابيل تندرج في بعض ما ترمز إليه في سياق هذا الصراع. وكذلك ورد في القرآن الكريم ﴿– إنّ النَّفسَ لَأَمَّارةُ بالسُّوء-﴾(يوسف:53). بيد أن أهليّة الإنسان تحتضنها طبيعته العاقلة الاجتماعية الأخلاقية، باعتبار الإنسان كائنًا عاقلاً واجتماعيًا يعيش حياة اجتماعية يعيها، وأخلاقيًا يجعل نشاطه الفاعل والمنفعل خاضعًا لمعيار يقوّمه من حيث الخيرّ والشرّ، ومتدينًا إلى حد كبير يقوّم أعماله بمعيار من حيث الحلال والحرام، وطاعة الله ومعصيته… وهذا يعني أن الإنسان يرجع في أهليته إلى معيارية قيميّة ذات مستوى راق تضفيه على سلوكيّته وشخصيته من خلال قيم عليا تميّزه من غيره، وتكبح جماح أهوائه، وتهذّب رغباته وميوله، وتجعل سدّ حاجاته وتحقيق غاياته يتناسبان مع الرتبة العليا التي يتبوّأها في سلّم تراتب الكائنات على الأرض في حيوانها ونباتها وجمادها، ويواكبان نزوعه نحو الأفضل الذي يبدو ملازمًا لطبيعته، بل أصيلاً فيها بدليل ما نلاحظه، في تاريخ البشرية، جليًّا واضحًا بشأن مكابدته الصراع بين الإيجابي اللائق به من خير وما إليه، والسلبي غير اللائق به من شر وما إليه، مما يحققه الإيجابي من اتّساع وتعاظم وانتصار وتقدّم على السلبي الآخذ بالانحسار والتضاؤل والانهزام والتأخّر، وإن كان ذلك بمسار يعتوره الكثير من التعرّجات والمطبّات والعثرات والعوائق.

إذًا، لدى الإنسان من الوسع والجدارة ما يؤهّله لتكليفه بخلافة الله في الأرض. فإلامَ يرمي هذا التكليف؟

5-3-جـأمر التّكليف في مراميه: لقد اقتضت مشيئة الخالق بالإنسان وقضت بأن يكون هو خليفته في الأرض، وهو المؤهّل لهذا التكليف، والجدير به دون غيره، وهو المبتلى فيه لمّا يتمتّع به من وسع وأهليّة افتقر إليه غيره أيضًا. فماذا عن هذا التكليف في ما رمى إليه في ميزان السماء من عبادة  الخالق، واستعمار الأرض، وسياسة البشر في ما توزعوا فيه من بلدان أو دول في أرجاء المعمورة؟

5-3-جـ-(1)التكليف بالعبادة: لقد خلق الله الجن والإنس ليعبدوه إلهًا واحدًا  صمدًا لا كفؤ له(11). وتقتضي العبادة الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه ويوم البعث والقضاء والقدر؛ وتستلزم أداء الفرائض وفقًا لأحكامها من قبيل إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا؛ وتستدعي العمل بأحكام الإسلام والائتمار بأوامره، والانتهاء بنواهيه، والالتزام بما حلّله وما حرّمه؛ وينبغي في العبادة أيضًا أن تكون باختيار مؤديها حامدًا شاكرًا، لأنه لا إكراه في الدين. ويترتب على التكليف بالعبادة حساب وجزاء لكيفية استجابة العبد لخالقه فيه؛ فإن أطاع الله فيه وأدّى ما أمر به وما نهي عنه، وأخلص فيه، توقّع ثوابًا له على حسن بلائه فيه؛ وإن عصى الله فيه، انتظر عقابًا لسوء بلائه فيه؛ وشرّ الجزاء جهنّم في هذا العقاب، وخيره الجنة في ذاك الثواب. فالعبادة في نهاية المطاف تعبّر عن العلاقة بين العبد ومعبوده الله.

5-3-جـ-(2) – التكليف باستعمار الأرض: لقد سبق لنا كلام كثير على سيادة الإنسان في الأرض واستعمارها. لذلك نكتفي هنا بإيجاز ما يرمي إليه أمر التكليف بشأنها من منظور ميزان السماء. فالأرض بما فيها وما عليها تخضع لسيادة الإنسان في حيوانها ونباتها وجمادها، يتصرّف فيها وفقًا لإرادته ورغباته وحاجاته، علمًا بأن الله قد خلق له كل ما فيها وما عليها جميعًا، كما ورد في الآية ﴿– هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا-﴾ (البقرة: 29)؛ وآتاه من كل ما سأله، كما جاء في الآية ﴿وآتاكُمْ مِنْ كُلَّ مَا سَألْتُمُوه –﴾ (ابراهيم:34)؛ وسخّر له، في كثير من الآيات، كل ما يمكن أن يفيد منه أو يجعله في خدمته وسدّ حاجاته في عالم الشهادة(12)… فللإنسان أن يستعمر الأرض ويستثمرها ويؤنسنها ويحاصر توحّشها في نطاق يزداد ضيقًا من تزايد تمكّنه وسيطرته وتقدّمه… بيد أن الله قيّد سيادة الإنسان في الأرض هذه بنهيه عن المبالغة والإفراط والتمادي في ما قد يتسبب به من ضرر وأذى وشرّ وخطر عليه، فلا يفسد فيها تشويها وتلويثًا وتدميرًا وما إلى ذلك، مما لا يليق به كخليفة لرب العالمين عليها، مصداقًا لقوله تعالى   ﴿-فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ (الأعراف:74). ولعلّه من الوضوح بمكان أن أمر التكليف هنا، وإن ركّز على علاقة البشر بالأرض، فإن أعمالهم في طريقها إلى عدل السماء في خيرها وشرّها، وفي ما سينالونه من عقاب على هذا الشّرّ، وثواب على ذلك الخير؛ كما أن هذا التكليف يتسع في آثاره ليشملهم جميعًا بشكل أو بآخر في حياتهم الدنيا، ويكون ثلاثي العلاقة بين الله والإنسان والأرض.

5-3-جـ-(3) التكليف بسياسة البشر: لعلّنا لا نغالي أبدًا إذا ما اعتبرنا تكليف الإنسان بخلافته في الأرض على صعيد ممارسة السيادة بين البشر في كيانات سياسية معيّنة، سميّت دولًا، يخضعون فيها لحكم يمارس السلطة عليهم، ويسوسهم، ويقودهم، ويرعى مصالحهم، ويدبّر أمورهم، ويصرّف شؤونهم، ويفض نزاعاتهم بالرجوع إلى أحكام وقواعد وقوانين وآليات وإجراءات يضعها نظام الحكم المعتمد في تصرّف من أنيطت به سدّة الحكم، أو الحاكم، سواء أدعي خليفة أم رئيسًا أم ملكّا أم أميرًا أم سلطانًا أم إمبراطورًا أم دكتاتورًا. إن هذا التكليف يمكن أن يثير الكثير من الإشكالات التي تنطوي على التنازع والتخاصم والتصارع والتحارب حول السلطة نتيجة الأهواء والأطماع التي تحرّكها النفس الأمّارة بالسّوء، علمًا أن الله قد أمر أن يكون الحكم بين الناس بالعدل والحق، ونهى عن الهوى والظلم والعدوان فيه، كما ورد في الكتاب المبين ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ- ﴾(النساء: 58)، و﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾(ص:26)،و ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾(غافر:31)،و ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾(البقرة:190)… وقد ذكرنا في غير مكان، أنّ لكل كائن بشري نصيبًا في السيادة المكلّف بها الإنسان عبر الخلافة في الأرض، سواء أكان سيّدًا حاكمًا أو مسودًا محكومًا. وإذا كان من المحال أن يكون كل كائن بشري حاكمًا، فإنه، وهو مسود محكوم، يشارك في الحكم بقدر ما في ما له من حقوق وحريات ومصالح وحاجات بحيث يجب ألاّ يتجاوزها الحاكم، بل عليه أن يحميها، علمًا بأننا لسنا جميعًا مؤهلين لأن نكون حكّامًا، بل نحن مختلفون في هذا وفي كثير من أمور الحياة. والقرآن الكريم يشير إلى هذا الاختلاف في الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(الأنعام:165)… إذًا، يمكننا تقرير الحقيقة التالية بشأن سيادة الإنسان عبر الخلافة، ألا وهي أن السّيادة ليست مطلقة في ميزان التكليف السماوي، بل هي نسبيّة وقد قيّدها، في ممارسة  الحكم، العدل والحق والنهي عن الهوى والظلم والعدوان فيه، كما قيّدها كون معنى “الخليفة” ينسحب على الإنسان سيّدًا حاكمًا، ومسودًا محكومًا، بالإضافة إلى مشاركة المحكوم المشار إليها في الحكم. ويمكننا أيضًا  التعبير عن نسبيّة السيادة في ممارسة السلطة فنقول: “إن الحاكم محكوم بقدر ما، والمحكوم حاكم بقدر ما”. والتقييد يكون في الهامش الذي يكون فيه الحاكم محكومًا، والمحكوم حاكمًا. وهذا  الهامش يكون على جانب كبير من الأهمية، لأنه، في إطار الحكم بالعدل والحق بعيدًا عن الهوى والظلم والعدوان، يكون فيه مصلحة الجميع، ويكون معيارًا راقيًا للسياسة التي ينتهجها الحكم، وقاعدة ضابطة للتوازن والاعتدال تحول دون الاشتطاط من طرفي الحكم: فلا الحاكم يطغى استبدادًا أو ظلمًا أو إفسادًا، ولا المحكوم يتجاوز أو يعتدي أو يتعسّف، بل يكتفي ويقتنع بما له بحماية الحكم. ففي هذا الهامش حدود معروفة لكل من الحاكم والمحكوم ينبغي الوقوف عندها، والالتزام بها عملاً بما شاع عن الرسول: “رحم الله امرأ عرف حدّه فوقف عنده”.

بيد أن نسبيّة السيادة في ممارسة الحكم على نحو ما تجلّت فيه في ميزان السماء، تحتاج إلى نظام واضح في مبادئه وقواعده وقوانينه وآلياته وإجراءاته يحميها ويصونها ويمنعها من الاستغلال السلبي، ومن الالتفاف عليها بأي ذريعة؛ ويضبط الحدود التي يفضي إليها ذاك الهامش – المعيار – القيد؛ ويلزم طرفي الحكم بها؛ ويخوّل الحاكم ممارسة صلاحياته ومهامّه؛ ويمكّن المحكوم من التصرّف بما له، ويلزمه بما عليه؛ وقبل هذا وذاك، ينظّم تداول السلطة ويضع لها آليات محكمة تحرص على مشاركة الأمّة الفعّالة في توصيل من تراه وتريده في سدّة الحكم، وتمكّنها من تنحيته عنها إذا ما رأت واقتضت مصلحتها ذلك؛ ويتمتّع (النظام) بقدر من المرونة بحيث يواكب ما يستجد وما يتغيّر وما يطرأ تحت راية العدل والحق، وما يستلزمانه من مساواة وعدالة اجتماعية ومشاركة في الحياة السياسية. وينبغي لنا في صناعة مثل هذا النظام الضروري أن نستنير بتجربة النبيّ المصطفى، بما وصفناه فيها “بالقيادة الرائدة والمبادرة المحسوبة” تحت “مظلة العقل”، وأن نفيد من التوجّه العام في إطار حديثه الشريف “أنتم أدرى بشؤون دنياكم” في العهد الراشدي؛ كما ينبغي لنا أيضًا أن نستعين ونستفيد قدر المستطاع والمتاح من تجارب الآخر في الميدان الذي نحن بصدده، متوخّين ما يصبّ في مصالح الأمّة وصلاح أمرها، وكل ما يسهم في نهوضها، وتقدّمها ومعالجة مشكلاتها، حريصين على أن ينضوي كل هذا وذاك تحت راية العدل والحق، التي لاحت وخفقت بهما في ميزان السماء…

بيد أن هذه الصورة المشرقة لحال سيادة الإنسان التي تجلّت في هذا الميزان والتي أشرقت وبشّرت ووعدت لمدة قصيرة جدًّا نسبيّا في زمن  النبوّة المدني وبعض العهد الراشدي، سرعان ما انقض عليها الظلام وشوّهها الصراع المفتوح وأطاحها الحكم المتغلّب بالقوة من دون أي شرعيّة أو قاعدة حقوقية سواها، ليسود فيها ويشيع الاستبداد بعد ذلك.  وإذا كان الاستبداد بالسلطة والحكم والسياسة يعني الانفراد بها جميعًا، فإنه دخيل غريب قبيح مقيت على سيادة الإنسان، لا يليق به  كخليفة لله في الأرض كما ظهر لنا في ميزان التكليف الربّاني. أضف إلى ذلك أن ما يترتّب على هذا الدخيل المقيت من تواطؤ سياسي – ديني يغطّيه تذّرعًا والتفافًا واحتيالاً باستخدام عوامل دينية (13) أخذها الفهم البشري المتعدد ووضعها بتصرف الحاكم المستبدّ وصاحب النفوذ في الدين، المتواطئ معه، ما سهّل استغلالًا سلبيًّا للدين في السياسة، هو الآخر لا يجد له مكانًا في الحكم الذي دعا إليه التكليف الإلهي، وظلّله بالعدل والحق، وأبعد عنه الهوى والظلم والعدوان…

ترى أليس من سبيل إلى تحرير الدين مما ألصقه به هوى السلطة والطمع فيها، بحيث يعرّي صاحبها أمام استبداده وقد نزع عنه غطاء الدين؟

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى