تجارة مفتوحة!

خاص “المدارنت”..
يروى أن أحد تجار المواد الغذائية كان يملك متجرا واسعا وسط مدينة بنيان، عاصمة مملكة السناء، وكان اسمه عبد الجبار وله ثلاثة من الأبناء يعملون معه في تجارته، ويتابعون دراساتهم في مدارس قريبة، حالمين بمتابعة الدراسة الجامعية في الخارج.
حدث أن اشتعلت الحرب في تلك المملكة، وانقسم اهلها بين طوائف ومذاهب وقبائل وعشائر يتفاخرون ويتكاذبون فيما بينهم، وكانت الغنائم الكبيرة من نصيب زعماء الطوائف، فهم ينهبون كل ما تطاله أياديهم، وكل منهم يتذرع بحماية طائفته وبالدفاع عن حقوقها، وهكذا تحولت المملكة إلى مزارع يعبث بها أولئك الزعماء وأبناؤهم وحاشيتهم، وتحول الشعب إلى مجموعة قطعان يقودها رعيان الطوائف إلى حيث يشاؤون.
جاء وقت، ضاقت فيه الأحوال على المواطنين، وتعرضت المملكة لعملية نهب منظمة قادها الأمراء والوزراء ورؤساء الأحزاب المشاركين في السلطة، فتردى الاقتصاد وعمّ الغلاء، وبات الفقراء يموتون على أبواب المستشفيات، وانتشرت الأوبئة في ظل غياب الأدوية الضرورية، وتمكن الجوع من غالبية الشعب، وأقفلت المدارس أبوابها، من دون أمل بالخروج من تلك الأزمة.
أحسّ عبد الجبار أن الوقت مؤات لتحقيق أحلامه الكبرى، فالمتجر مليء بالمواد الغذائية، وما عليه سوى استغلال الفرصة التي سنحت له، فلجأ إلى رفع أسعار السلع بشكل يومي من دون رقيب، ثم اكمل خطته الجهنمية باحتكار المواد الاساسية الضرورية يوميا للناس.
مضى أشهر قليلة على تلك الحال، وشعر عبد الجبار أن السماء تمطر عليه ذهبًا، وأن ثروته تتضاعف، فالأزمة تأكل الاخضر واليابس، وحاجات المواطنين تزداد، وطلباتهم من بضاعته تفوق الوصف، فبدأ يخطط ليصبح اكبر تجار واغنياء المملكة؛ وكان قراره السريع بافتتاح فرع ثان لمتجره، أوكل ادارته إلى ابنه الأكبر، وما لبث أن افتتح فرعا ثالثا بإدارة ابنه الأوسط، بينما اعتمد على ابنه الاصغر في المتجر الرئيسي، وسلمه إدارة الحسابات العامة.
بعد فترة وجيزة، لفت انتباهه مضاعفة أعداد زبائنه، وأن بضاعته تكاد لا تفي بالغرض المطلوب، فسارع إلى الاتصال بوالي المنطقة الذي مهد له طريق الوصول إلى أمراء فاعلين في المملكة، ما فتح له أبواب التهريب من الخارج في أدنى الضرائب والرسوم؛ ودخل حلبة المنافسة مع كبار تجار الجملة.

اكتملت حلقة المصالح بينه وبين كبار المسؤولين في مملكة بنيان، حيث اقتطع لبعضهم نسبة بلغت عشرين بالمئة من أرباحه، وخصّص للبعض الآخر رواتب شهرية مجزية، مع هدايا موسمية نفيسة. ومع توسع تجارته، ازداد عبد الجبار غرورا، نفوذا وجاهًا في المملكة، وصار أعيانها من رجال أمن وقضاة، ورجال دين يزيّنون له أعماله ويقبضون من أمواله، حتى قادته صداقاته إلى ديوان الملك ليصبح من خاصته وحاشيته القريبة.
ثم اعتمد سياسة الولائم طريقاً لتوسيع شبكة العلاقات العامة، وعند كل وليمة يقف أمام المرآة يذكر نفسه بتهافت المدعويين، ويتذكر خصومه الذين صاروا يتوددون إليه سرًا وجهرًا، ويقول في نفسه: الجاه والمال لا ينقصهما إلا السلطان.
آنذاك، قرر الانتقال إلى قصر يتناسب مع ثروته المتنامية، بعد أن استطاع الانتقال من صف تجار الجملة، إلى الأول في قائمة المستوردين والمصدرين في المملكة؛ وكان له ما أراد، إذ استطاع المهندسون بناء قصر عائلي منيف جمع بين جوانبه عائلات أبنائه الذين زوّجهم من بنات أهم الأمراء والوزراء وأصحاب النفوذ والثراء.
ثم بدأ يبحث عن لقب يليق به، وصفة تناسب وضعه الجديد، فلم يجد أفضل من مسوح ديني يغطي كل حركته، فأعلن قراره السفر إلى الديار المقدسة للقيام بفريضة الحج، ويعود بعدها مزدانا بلقب “الحاج أبو أحمد”، يتقبل التهاني والتبريكات، ويوزع الهدايا على معارفه وأصحابه، ويقدم الأعطيات لأصحاب الحاجات.
حينها، كان حلم السلطة يراوده بين الحين والآخر، وها هي الأبواب مفتوحة له، فماذا ينتظر؟ والسلطة بابٌ من أبواب الثراء والجاه، تغني وتحمي! لذلك دعا الملك والأمراء والوزراء إلى مأدبة عظيمة ذبح فيها عشرات الخراف وجمع معهم في باحة قصره قاضي القضاة وشيخ المشايخ، ووجهاء الطوائف والعشائر، وجماعات العشرين بالمائة، في احتفال بهيج على أنغام وأصوات أشهر المغنيين في المملكة؛ وهناك اقترب من الملك وأسرّ له برغبته، ونيّته الصادقة خوض غمار الخدمة العامة، فنادى الملك رئيس وزرائه، يعلمه بقرار ملكي يسند فيه وزارة الاقتصاد إلى المواطن الصالح الحاج عبد الجبار (أبو أحمد).



