مقالات

تحوّلات الاستراتيجية الأميركية تجاه طهران وإعادة تقييم جدوى المقاومة المنظمة!

د. مصطفى عبد القادر/ سوريا

خاص “المدارنت”
مراجعة نقدية للسياسات الراهنة
شهد السادس عشر من يونيو عام 2026، انعطافة لافتة في أدبيات السياسة الخارجية الأمريكية، تمثلت في صدور بيان وقعه ائتلاف عريض يضم أكثر من 30 مسؤولاً سابقاً في الأمن القومي والديبلوماسية والعسكرية الأمريكية.

هذا التحرك، الذي يدعو إلى كسر المقاطعة الديبلوماسية المفروضة منذ عقود على “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية”، يضع واشنطن أمام استحقاق استراتيجي جديد؛ فالمطالبة بفتح حوار مباشر مع المقاومة الإيرانية المنظمة لا تُعد مجرد دعوة سياسية عابرة، بل هي قراءة براغماتية متجددة لموازين القوى داخل الداخل الإيراني، وتقدير متأخر لإخفاق سياسات الاسترضاء التي سادت لسنوات طويلة.

تفكيك معضلة الاسترضاء
تجادل النخبة الموقعة على البيان بأن السياسة الغربية، التي اعتمدت على تجنب التواصل مع أطراف المعارضة الإيرانية تحت ذريعة عدم استفزاز النظام في طهران، كانت خطأً استراتيجياً فادحاً. وفقاً للرؤية التحليلية لهذه النخبة، فإن النظام الإيراني قد نجح في تحويل هذه المخاوف الغربية إلى أداة ابتزاز ديبلوماسي، مقايضاً “السلوك الإقليمي” بملفات حيوية كالأمن النووي وإطلاق سراح الرهائن. ومن منظور جيو/ سياسي، يُنظر إلى هذا التوجه الغربي السابق كحالة من “الارتهان للمطالب”، حيث نجحت الماكينة الدعائية لطهران في شيطنة المقاومة المنظمة، وتصويرها ككيان خارج عن الإجماع الشعبي، وهو ما يدحضه الواقع الميداني الذي يشير إلى تنامي النشاط الاحتجاجي وتجذره في عمق الجغرافيا الإيرانية.

بين الإرث الدعائي والواقع السياسي
لطالما واجهت المقاومة الإيرانية، بقيادة السيدة مريم رجوي، حملات تشويه ممنهجة تهدف إلى ربطها بصدامات تاريخية تعود لنصف قرن مضى. إلا أن التحليل الموضوعي يشير إلى أن مراكز الأبحاث المستقلة والتقارير الدولية؛ قد بدأت في تجاوز هذه الأرشيفات الدعائية. إن بروز خطة النقاط العشر التي تطرحها رجوي كبديل للحكم الحالي، قد حظي باهتمام دولي يتجاوز الخطاب العاطفي، متمثلاً في دعم أغلبية برلمانية في دول عديدة ودوائر أكاديمية وحقوقية عالمية. هذا الدعم لا ينبع من تقاطع أيديولوجي، بل من الحاجة إلى بديل مؤسسي يمتلك رؤية واضحة للفصل بين الدين والدولة، ويؤمن بالمساواة بين الجنسين في سياق جمهوري غير نووي.

إدارة التوقعات والضرورة الاستراتيجية
إن التقييم الميداني للوضع في إيران يشير إلى أن الانتفاضات التي تندلع دورياً، كحراك يناير المنصرم، ليست مجرد اضطرابات عابرة، بل هي انعكاس لبنية اقتصادية واجتماعية منهكة تحت وطأة القمع وانسداد الأفق السياسي. إن دعوة المسؤولين الأمريكيين تأتي في لحظة دقيقة تدرك فيها واشنطن أن النظام القائم يعطي أولوية مطلقة للبقاء على حساب الاستقرار الداخلي والمصالح الوطنية الإيرانية. لذا، فإن الحوار مع المعارضة ليس ترفاً سياسياً، بل هو ضرورة لفهم ديناميكيات التغيير التي ستفرض نفسها حتماً بمجرد أن تتهيأ الظروف الميدانية لانفجار غضب شعبي جديد.

مستقبل التوازنات الإقليمية
إن التوجه نحو الاعتراف بفاعلية “المقاومة الإيرانية” كطرف محاور لا يعني تبني نهج مغامر، بل يعني تبني مقاربة الواقعية السياسية التي تعترف بأن أي عملية استقرار إقليمي في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار سياسة العزل المتبادل. إن المراهنة على استقرار النظام القائم أثبتت عدم جدواها في كبح جماح التهديدات السيبرانية، وبرامج التسلح، والتدخلات الإقليمية. وبناءً عليه، فإن التحول في الموقف الأمريكي يمثل محاولة لإعادة تموضع استراتيجي، يهدف إلى مد جسور مع قوى منظمة تتبنى خطاباً مدنياً، مما يضع طهران أمام واقع جديد تضطر فيه لمواجهة حقيقة أن سياسة “احتواء المعارضة” قد فقدت بريقها وقوتها التأثيرية لدى صناع القرار في الغرب.

خاتمة التحليل
إن التحدي القادم أمام واشنطن والحكومات الحليفة؛ ليس في كيفية التعامل مع النظام، بل في مدى قدرتها على قراءة التحولات البنيوية للمجتمع الإيراني، والتعامل مع المقاومة المنظمة كشريك محتمل لبناء استقرار مستدام ينهي عقوداً من التوتر، ويؤسس لمرحلة حكم رشيد بعيداً عن أزمات الولي الفقيه.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى