مقالات

ترتيب الأعداء أم ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط؟

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”

عندما يُقال إن النظام الإيراني عدو للعرب، يهبّ من يردّ فورًا: “إسرائيل هي العدو”. وكأن الأمر خلافٌ عقائدي يحتاج إلى حسم جديد، أو أن الاعتراف بعدو آخر يعني بالضرورة نفيًا للأول. لكن الحقيقة أن جوهر الإشكالية ليس في وجود عدو أو غيابه، بل في صراع على ترتيب الأولويات واختلاف تقدير طبيعة التهديدات.

فالوعي السياسي العربي تشكّل تاريخيًا على وقع الصراع مع إسرائيل باعتباره الصراع المؤسس في المنطقة: احتلال قائم، قضية فلسطينية مفتوحة، وحروب متكررة رسمت جزءًا كبيرًا من تاريخ الشرق الأوسط الحديث. لذلك يبدو للبعض أن أي حديث عن عدو آخر هو محاولة لتغيير بوصلة الصراع أو إزاحة القضية الفلسطينية عن مركزها.

في المقابل، يرى آخرون أن التهديد الأكثر إلحاحًا اليوم يتمثل في التمدد الإيراني داخل الجغرافيا العربية. يتم ذلك عبر النفوذ السياسي والعسكري، ودعم قوى مسلحة خارج إطار الدولة، وما يترتب على ذلك من انعكاسات خطيرة على السيادة الوطنية والتوازن الإقليمي. من هذا المنظور، فإن تجاهل هذا الواقع يعد إنكارًا واقعيًا للتحديات المباشرة التي تواجه عددًا من الدول العربية.

لا يقتصر الدور الإيراني على النفوذ السياسي أو الخطاب الأيديولوجي، بل يمتد إلى حضور عسكري وأمني ملموس في عدة بلدان عربية، وتأثير مباشر في مسارات أزماتها الداخلية وتوازناتها. والأكثر دلالةً ما كشفته الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. إنها حرب انتقلت إلى مستوى المواجهة المفتوحة، حيث باتت بعض الدول العربية في مرمى النيران أو في نطاق التهديد المباشر، سواء بحكم الجغرافيا أو المصالح أو الارتباطات الأمنية والاقتصادية.

من هذا المنظور، يرى هذا الاتجاه أن تجاهل هذه التطورات أو التقليل من شأنها لا يخدم قراءة واقعية لمشهد إقليمي شديد السيولة، بل إنه يعمّق الفجوة بين الخطاب السياسي والوقائع المتغيرة على الأرض. في المقابل، يبقى التخوّف المشروع لدى تيار واسع: هل يؤدي تضخيم هذا التهديد إلى إزاحة القضية الفلسطينية عن موقعها المركزي في الوعي العربي؟

وهنا يتحول النقاش إلى معادلة زائفة: إما إيران عدو أو إسرائيل عدو. غير أن العلاقات الدولية لا تعمل بمنطق الثنائيات الحادة؛ فالدول قد تواجه أكثر من خصم في آن واحد، وتختلف أولويات التهديد تبعًا للزمان والمكان والظروف السياسية.

إن ما يبدو خلافًا جذريًا هو في جوهره اختلاف في ترتيب المخاطر: بين صراع تاريخي طويل مرتبط بالاحتلال والقضية الفلسطينية، وصراع نفوذ إقليمي معاصر مرتبط بالسيادة العربية وتوازنات القوة. وحين يُفهم الأمر على هذا النحو، يتضح أن الجدل الدائر ليس حول الوقائع بقدر ما هو صراع على تحديد أيّ التهديدين يتقدم في سلّم الأولويات.

خلاصة توجيهية: العاقل من يدير عداواته بذكاء، لا من ينكر إحداها خوفًا من الاعتراف بالأخرى. المطلوب ليس اختزال التهديدات، بل وعي متعدد الأبعاد يجمع الثبات على الحق الفلسطيني مع حماية السيادة العربية من أي مشروع توسعي، أيا كان مصدره.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى