مقالات

تشوّهات الوعي السياسي العربي وضياعه بين التخلف والاختلاف!

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص “المدارنت”
بلا مواربة ولا تورية، إن مشكلة تخلف مجتمعاتنا العربية وتشوهات وعيها، إنما تكمن في ذوات أهلها، أي نحن أبناؤها، افرادا وجماعات، مؤسسات وحكومات، مدنية أو دينية، والمشكلة ليست في ما يطلق عليها من مصطلحات ليست بغريبة عن قاموسنا اللغوي أو الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي.. الخ، ليست المشكلة في آلة الخليوي، وليست في ما تنتجه مراكز العلوم والبحوث الغربية أو الشرقية، إنما المشكلة في ما يُزرع ، في نفوسنا، من انكشاف روحي وانكسار وجداني، حيث تتجذر البغضاء والاحقاد فيها من دون إدراك ووعي لما سنحصده. فإذا تمعٌنا في ذواتنا لوجدنا ثراء فارغا من الفضيلة والقيم الأخلاقية، وهذا الأمر لهو إدراك حقيقي، مؤلم موجع، ولكنه حق.

ينطلق الوعي السياسي الاجتماعي لدى شعوبنا العربية من نقطة تفكيك كليتها الموروثة، فكرا، ثقافة، وعادات، وهذا لا يعني تحرر فكري مستقل فحسب، إنما يفتح باب عراك عميق ثم يدخل معركة تنقية الشوائب الدخيلة، ويندفع في صراع بين ما وعاه وبين ما فُرِض عليه. في هذه الحال، يتطلب الأمر إلى إعمال العقل مع معطيات المرحلة والواقع، وبجدية كبرى، للتأقلم مع ذلك، فيعمل على نزع ما يحمله الماضي من توتر وتعصب وتصلب، كي يستطيع صُنع نفسه وذاته من جديد، على قاعدة نمطية متوازنة، للانطلاق في عالم وُجِد كي يرسم خطوط ابداعاته الفكرية والعلمية والإنسانية، مدركا لمنهج مفهوم أن الإنسان عليه إلا يضيع بين ازدواجيته، بين الماضي والجديد، بين ما ينقله الموروث القديم، وبين ما يقدمه واقعه الجديد، هذا الواقع الذي يستند إلى علوم حديثة متطورة، وعلى تقنية عالية الجودة. هذا الجديد ،يفرض وبالضرورة، إعادة تشكيل وعي حضاري منفتح لشعوبنا العربية.

من هنا وجب التفكك الكلي، وبوعي منفتح متوازن، لأنه يمثل الخطوة المثالية نحو التشافي من ذلك الصراع، من ذلك الفراغ، من ذلك التخبط الفكري، من كل جمود قاتل. ويعتبر ايضا، الخطوة الثابتة نحو التعايش الذاتي السلمي السليم، نحو التحرر من موروث، مثقل مشوٌه، من دون إنكار لجذور الماضي الأصيلة وومن دون استسلام لبعض قيوده المخدٍرة.

إن إعادة تشكيل الماضي، لا يعني نسيانه ولا في اجتراره ومجِّه، إنما وعيه كما يرى العقل الناضج، من دون قداسة ومن دون قطيعة، حيث يًسمح للعقل العمل بسلام وامان، وتنبعث الروح في بنائها الجديد، فنحيا الحاضر من دون موت الماضي.
لم يصنع، التقدم العلمي العالمي، تغييرا في مجتمعاتنا العربية، إنما كشف ما نحمله من نقص وعلل وانفصام، وأخرج ذلك إلى العلن، فاظهرنا، دولا وشعوبا، على اننا مسؤولون غافلون فاشلون، نبيع ونشتري، متجاوزون، العقائد والمبادئ والأصول، من دون وجل أو حياء أو تردد، متسترون بنظرية المؤامرة والعالم ضدنا، بينما يظهر الواقع، اننا نحن ضد انفسنا، وأننا، دول وشعوب، تلاحق بعضها البعض، بالتآمر وبخ سموم الفرقة والتمذهب، والتعصب الأعمى، والكل يدّعي الشرف ستارا لأعماله الدنيءة.

وهنا وجب القول: الم يحن الوقت كي نتصالح مع أنفسنا وذواتنا، ونواجهها بكل جرأة وشجاعة، ثم نخلع عنا ذلك القناع المسموم ونقف وقفة تفكر وتعقل، قبل أن نلعن الدهر ونشتم الآخرين؟!
اننا كمجتمعات عربية، نتسابق من أجل إنزال مشكلاتنا عن اكتافنا، التي ننسبها إلى ما يحصل من تقدم “تكنولوجي” عالمي، من تقنية النت والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى اننا نتكاشف ونتصارح بذلك، والسبب في أن نخفي عوراتنا وعيوبنا وتقصيرنا، فالمشكلة يا سادة.. إنما تكمن في ما تحمله صدورنا من غل واكاذيب ونفاق، نصفّق للتفاهة ونقدّس الجهل، نحارب المختلف عنّا، عقيدة، ثقافة، نظرية سياسية، واقعا اجتماعيا، فنتبسم له تارة وطورًا نطعن به، اننا مجتمعات تعيش على أوهام الأخلاق، والحقيقة اننا منغمسون في عمق الرذيلة، نعلن الشرف والفضيلة، ونمارس الغدر والخيانة، غير ابهين لقوله تعالى:
{كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف: 3).

أن التقدم العلمي العالمي، فضح واقعنا العربي المزري، فسلط على خرابنا النفسى، وعلى ما نحمل من علل الموروث المسموم، فقد كشف مزاعمنا الباطلة، فضلا عن قصورنا الفكري والعلمي والثقافي، مظهرا اوهامنا “الدونكيشوتية”، وهوس بطولاتنا المزعومة، وزيف رجولتنا المريضة. وعلى هذا المنوال تَنشأ الأجيال وتستمر، مسلوبة الإرادة والرأي، مُهمشة عن دور اليقظة والنهوض، متهالكة بالضعف والأمراض، مثقلة بالذل والهوان. وبالمختصر المفيد، اننا نحيا قمة الحرمان.

اننا مجتمعات مفخخة بالالغام المتفجرة القاتلة، مجتمعات تمارس الرجولة بالصراخ من على المنابر، من خلف مكبرات الصوت، متجاهلون متغابون، عن أنها أصوات فارغة، وأدعية جوفاء ،لا تسمن ولا تغني من جوع، شتائم تنهال على العدو، من كل حدب وصوب، إلى جانبها شعارات واهية هزيلة.

دول وشعوب، منظومات سياسية، فاسدة ومفسدة، مدنية أو دينية على حد سواء، دفعت إلى عملية اغتيالات، اغتيال القيم والأخلاق والفضيلة، تحت غطاء وعنوان، المصلحة الوطنية العامة، والتي تصب مصب التعصب الطائفي والمذهبي، وبذلك تم التعطيل العام، تعطيل كل عمل وطني هادف سليم، باسم الميثاقية الوطنية، هذه التي لم تستطع ستر ما يُسمّى: تبعية وعمالة وخيانة، وكله باسم الدين الذي خاطوه بمسلاتهم العصبية، والبسوه، كل جماعته.
لقد اضفت شعوبنا العربية على حكامها، هالة ما فوق التقديس، وهذا قمة التخلف، وحولتهم من موظفين عاديين إلى قديسين مطلقين أو أولياء مُخَلّصين، وما هم إلا موظفين مؤقتين يؤدون مهامهم ويذهبون.

ولكن، (هذه الكلمة لها مكانتها الرفيعة لدى شعوبنا)، نحن العرب جعلناهم رموزا مقدسة ومحصّنة بالمعصومية، يحكمون طوال حياتهم ثم يورثون أبناءهم. والحقيقة اننا كشعوب نحن من صنع تلك الأصنام الزائفة، سواء كانوا رجال حكم أو رجال دين، وبهذا الرضى قيدنا أنفسنا بقيود حديدية، توارثناها عبر الأجيال المتتالية.

يبدأ التخلف واسبابه، من انعدام قدرة النهوض، فكريا واجتماعيا، وتظهر الحقيقة الموصوعية، ذلك التخلف، من خلال مناهج تربية أجيالنا عليه، وهنا مكمن المشكلة الكبرى، حيث نستنبت الجهل بدل الوعي، فنفسد الفطرة النفعية لدى أطفالنا. فتتكاثر الممارسات السلبية، في ما يتعلق بالهدم الاجتماعي والتخريب النفسي، والتي في مجموعها ممارسات عنصرية أحادية زرعناها في بيوتنا، سواء بقصد أو بغير قصد.

وعلى الرغم من اننا نعلم أن الإنسان يولد على الفطرة، أي يولد مجرد من الكراهية والبغضاء والحقد، كما أن العنصرية لا تولد من لون بشرة، ولا من طائفة معينة، إنما تتفجر من خلال نظرتنا نحن للاخر، وايضا من عملية المقارنة بين فئات المجتمع، بين الأطفال، فالمقارنة تقتل الطموح وتزرع بذور الكراهية للاخر، سواء كان قريبا أو بعيدا، وزيادة على ذلك، فإنه ينتج عنها فكرة المختلف، ثم يوضع موضع المرفوض المنبوذ، لا يستحق الثقة ولا التواصل ولا التعاون. وبهذه الأفكار الصدءة تحولنا إلى مجتمعات نكره نجاح الآخر ونخاف الضوء. وكأن التعصب والكراهية أصبح عادة اجتماعية، آخذين بمقولة من ليس معنا فهو ضدنا.

أليس من المؤسف المؤلم أن نرى مجتمعاتنا العربية تمارس العنصرية فيما بينها أكثر مما يمارسه الغرب الاستعماري الذي نلومه ونحمله مسؤولية تخلفنا. لكن الحقيقة اننا نحن من يصنع الفوارق العنصرية، ونورثها عللا فكرية قاتلة. وهنا وجب لفت النظر إلى:
1/ اذا اردنا أوطانا قوية متماسكة، علينا تحرير عقولنا كي نستطيع تحرير مؤسساتنا، المدنية والدينية.
2/ لما كانت المسؤولية تبدأ بالمواطن وتنتهي عند الحاكم، فواجبنا يفرض التعامل مع الحاكم كموظف مسؤول وليس كالاه يُعبد.
اكتب لاوعي لا لانتقد، فأقول: دعونا نربي أطفالنا على أن الاختلاف، جمال روحي، وثراء فكري، نتواصل وتتلاقى لنرتقي ونترفع ونتماسك، فكرا وقيما ووجدانا، إذ بها تتقدم الأوطان، وعليها تبني الامة امجادها.
ما أجمل النهوض بعد السقوط، أنها وقفة وعي ناضج منفتح، انها الانطلاق من الظلام إلى النور، نور الإدراك الواعي والمسرب من اعماق الروح ،إذ به يعيد ترتيب ما هو جوهر انساني مؤمن صادق. واجبنا التحرك كي نتغير، كما هو الكون الذي ننتمي إلى مجراته، فلا ثبات لديه ولا سكون، ولننطلق في حركة ارادية واعية، نتمايل مع حركة الريح العاصف، نتشبث بالحق، وباياد متشابكة، نترفع عن سفاسف الأمور، متحدون متعاهدون على ألّا نسقط..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى