تعليق على حوارات حول العمل الحزبي في سوريا

خاص “المدارنت”
تتداخل الحوارات الجارية في الفضاء السوري بشأن حرية العمل السياسي، وتكوين الأحزاب، وتتنوع هذه الحوارات بين برامج تلفزيونية ومقالات وسجالات متنوعة، وتتصل جميعها بما ورد في الإعلان الدستوري من جهة وبظهور نشاطات وبيانات صادرة عن أحزاب وهيئات لها وجود واقعي، وإن كان غير قانوني، ممتد منذ زمن طويل.
والحوار، والجدل من مظاهر الصحة، ومما يحتاجه السوريون، ويشكل إحدى أدوات التفاعل السياسي العلني المتاحة.
لكن هناك أخطاء أو عيوب أو قصور تتسلل الى هذه الكتابات، ومع نمطية تكرارها يخيل للمتابع والمهتم أنها تأتي بإلزام مسبق من جهة ما، أو بالتزام ذاتي من الكاتب منبعه” الرقابة الذاتية”، وتقديره للأفق المسموح فيه.
وأكتفي بالإشارة هنا إلى مقالين صدرا مؤخرا، أحدهما بتوقيع السيد أحمد عيشة، عن موقع تلفزيون سوريا بعنوان: “أهمية الأحزاب السياسية في بناء الدولة”، والثاني لعبد الرحمن الحاج في العربي الجديد، تعليقا على بيان صدر عن جماعة “الإخوان المسلمين في سوريا” في أعقاب اجتماع لقيادة الجماعة طرحت فيه رؤيتها ونظرتها للمرحلة التي تمر بها سوريا، ولدور الجماعة فيها.
ولست هنا بصدد مناقشة مضمون النصين، وأنا ممن يقف بقوة وحزم مع ضرورة وجود تعدد حزبي، وعمل ديموقراطي حقيقي يملأ الحياة السياسية في سوريا الراهنة، ليكون بذلك النقيض السياسي الحقيقي للحقبة البعثية / الأسدية.
تعليقي يخص بعض جوانب الخطأ أو “الرقابة الذاتية” التي يبدو أن الكاتب يفرضها على نفسه:
1- في المدخل الذي اختاره “أحمد عيشة” يذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر حل الأحزاب في عهد الوحدة، وأن هذه كانت خطيئة. بعد أن كانت الحياة السياسية القائمة على التعددية الحزبية في سوريا متقدمة.
وهذا عرض غير دقيق من وجهين:
الأول: أن عبد الناصر لم يحل الأحزاب في عهد الوحدة. وإنما قامت الوحدة على قاعدة وجود حركة سياسية شعبية واحدة.
لقد كان حل الأحزاب أحد شرطين وضعهما عبد الناصر لقبول إقامة الوحدة بين مصر وسوريا، ومرجعية هذا الشرط يرجع إلى ضرورة “وحدة العمل السياسي” في شطري الجمهورية الجديدة، إذ كانت الأحزاب قد حلت في مصر قبل أربع سنوات، وبات هناك تنظيم واحد ـ حين مفاوضات الوحدة ـ كان يدعى “الاتحاد القومي”.
هذه حقيقة تاريخية بغض النظر عن تقييمنا لها صائبة أم خاطئة، وسواء اختلفنا أو اتفقنا حول ما إذا كان هناك طريقا آخر لوحدة الحياة السياسية بين إقليمي الجمهورية، أم كان هذا هو السبيل الوحيد. وبذلك يكون فإن عبد الناصر لم يحل الأحزاب السياسية في سوريا في عهد الوحدة، وإنما أقيمت الوحدة على قاعدة حركة سياسية شعبية واحدة في إقليمَيْ الدولة.
الثاني: هو أن الأحزاب السياسية التي كانت في سوريا وافقت على الحل ـ باستثناء الحزب الشيوعي السوري ـ أي قبلت به، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، دون اعتبار أنه يفتح ثغرة في الحياة السياسية السورية، كما ينظر له الآن، بل إن قرار الحل جاء بالنسبة لبعض الأحزاب كطوق نجاة مما كانت تعانيه من تناقضات وصراعات، وقد عبر قادة من حزب البعث عن هذا التقدير في كتابات ومذكرات نشروها لاحقا. لذلك لم تر أي قوة سورية أن طلب حل الأحزاب عائق لإنجاز الوحدة.
وتمثل الشرط الثاني الذي وضعه عبد الناصر بطلب “تحييد الجيش عن العمل السياسي”، وأن على العسكريين العاملين في الحقل السياسي، إما التخلي عن وجودهم العسكري والانتقال الى الحياة المدنية، أو قطع علاقاتهم بالأنشطة السياسية.
مهم وأحدنا يكتب عن تلك المرحلة أن يدرك أن أحدا من قادة العمل السياسي، ومن المهتمين بالعمل السياسي في سوريا، مدنيين أو عسكريين، ما كان متمسكا بوجود تعدد حزبي، وبوجود تنافس حزبي – طبعا فيما عدا الحزب الشيوعي، وموقف الحزب الشيوعي حينها له حيثياته الخاصة التي كشف النقاب عنها في ظروف انشقاقه مطلع السبعينات من القرن المنصرم-.
2- يتكرر الحديث في عن انعدام وجود أحزاب أو حياة حزبية في المرحلة الماضية، خارج ما سمح به حزب البعث ومن ثم المرحلة الأسدية، وهذا خطأ بيٍن، لا يجوز الوقوع به، ولا يقبل تبرير الوقوع به إلى نقص المعلومات، ومثل هذا الطرح يأتي عن عمد، وقصد، وإذا أبعدنا سوء النية، فيمكن إرجاعه لما اعتبرناه ” الرقابة الذاتية” النابعة عن تقدير حدود ما يمكن أن تقبله السلطة الراهنة، وهو اعتبار أو تبرير غير مقبول من وجهتي النظر العلمية البحثية، والأخلاقية أيضا، ذلك أن أحزاب المعارضة السورية كانت موجودة وفاعلة ومؤثرة منذ بدء استئثار البعث في السلطة عقب إفشال جهود الوحدة الثلاثية في تموز 1963، وحتى انتهاء الحقبة الأسدية.
وقد شهدت الحياة السياسية السورية صراعا قويا بين الحركة الناصرية ممثلة بالاتحاد الاشتراكي العربي وبين السلطة البعثية، ولم يهدأ هذا الصراع إلا لفترة قصيرة عقب انقلاب الأسد الأب عام 1970، الذي رفع حينها شعار الانفتاح الداخلي والعربي، ولم يكن هذا موقف الاتحاد الاشتراكي وحده، وإنما كل الأحزاب والشخصيات السورية المعارضة، ولم تتجاوز هذه المرحلة بالنسبة للاتحاد الاشتراكي السنة ونصف السنة، وكانت مليئة بالتوترات.
كما شهدت هذه المرحلة الممتدة لستين عاما تشكيل تجارب نظمت عمل المعارضة، تجاوز عددها خمس تجارب كان أولها عام 1968 باسم “الجبهة الوطنية”، مرورا بالتجمع الوطني الديموقراطي 1979، وإعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي 2005، واختتمت به هيئة التنسيق الوطنية والائتلاف الوطني السوري، وكانت هذه الجبهات تضم أحزابا وشخصيات، وقد جوبهت من السلطة البعثية والأسدية بالقمع الشديد ((السجون، التعذيب، القتل داخل السجن، التغييب القسري))، وكانت هذه النضالات في تصاعد مستمر منذ ١٨ تموز 1963.
خطأ، ومعيب، أن يتجاوز أي باحث، أو كاتب، وهو يتحدث عن مقاومة الشعب السوري للمرحلة البعثية / الأسدية، هذه المسيرة الغنية بالتضحية وبالنشاط الحزبي السياسي والثقافي، وبالتضحيات، وهذه هي التي صنعت الظروف التي أدت إلى انفجار الحراك الثوري السوري عام 2011. ومن ثم إلى تسجيل النصر الناجز على النظام الأسدي في 8 / 12 / 2024.

3- في استعراض بيان الإخوان المسلمين، والتعليق على مدلولاته، يجري التأكيد على أن “الإخوان المسلمين” هو التنظيم الإسلامي الوحيد في سوريا. وتروج أطراف عدة لفكرة أن هذا التنظيم بات مطالبا بحل نفسه لأسباب داخلية ذاتية أو إقليمية.
ولا شك أن تنظيم الإخوان المسلمين تنظيم ذو مكانة، وتاريخ، ووزن، في كل مراحل الحياة السياسية السورية، وأن قرار النظام البائد في تجريم الانتساب لهذا التنظيم سقط يوم أن سقط ذلك النظام، وأن مستقبل التنظيم يقرره أهله، وأن من الخطأ البين محاولة البعض التفكير والتقرير نيابة عنه، أو محاولة صناعة بيئة تحاول دفعه في هذا الاتجاه، فمثل هذه المحاولات لا تعبر عن اتجاه صحي، ولا تثمر خيرا لمجمل العمل السياسي في سوريا.
وما يجب الانتباه إليه كذلك أن حصر “الإسلام السياسي” في سوريا، – قبل المرحلة العسكرية الأخيرة – بتنظيم الإخوان المسلمين خطأ لا يجوز الوقوع فيه، فهناك تنظيمات سياسية إسلامية أخرى متميزة، وتحمل مشروعها الخاص، ولعل أوضح تمثيل لها هو “حزب التحرير”، وكان لهذا التنظيم، ولتنظيمات أخرى تاريخ من الصدام مع النظام البائد.
وأختم بالقول: إن سوريا في هذه المرحلة الانتقالية بحاجة ماسة لحياة سياسية فاعلة، تتمثل في التعدد الحزبي، وفي تعزيز منظمات المجتمع المدني، وفي حرية الصحافة، وفي اعتماد الشفافية، والحق في الوصول إلى المعلومات، وهذه كلها عناوين للعمل السياسي الحقيقي، ولهذه العناوين معان وقوانين وأشكال لا تحتاج إلى كثير نقاش، هي معروفة ومُعَرفة، ويمكن أن يحتويها نظام حزبي تعتمده الجهات المختصة، لتنظيم هذا الجانب من حياة السوريين، لكن يجب أن يكون واضحا أن القانون المطلوب قانون لتنظيم هذا التعددية، وهذه الممارسة، وليس لمنح الحق فيها، فالحق في التعدد الحزبي وممارسة العمل السياسي لا يحتاج إلى قانون يقره، فهو جزء من حقوق الإنسان، وإنما هو يحتاج إلى قانون ينظمه، ويوفر له أعلى أشكال الفاعلية والاستقلالية.
وأشير هنا إلى أن النظام السوري الراهن هو في حقيقته نظام يحكم من خلال “حزب قائم”، تمثله “هيئة تحرير الشام”، لكن دون إعلان، ودون شفافية، ودون وضوح للمسؤوليات، وهذا أمر خاطئ وخطر بآن.



