ثورَة عبد الناصر .. و ثرَوات الناصريّين!

خاص “المدارنت”..
رحل جمال عبد الناصر، تاركاً إرثًا نضاليًّا غنِيًّا للعرب، كلِّهِم، ولاحرار العالم الذين ينشدون الانعتاق من الاستعمار والاستغلال والتبعيّة. رحل، فانبرى كثيرون من المناضلين والسياسيّين الطامحين المستغلّين – على حدٍّ سواء – يرفع شعارات الزعيم، ويتغنّى بانجازاتهِ المحلية والاقليميّة والعالمية ،مصحوبة بصُوَرِه وخُطَبِهِ التي ماتزال تلهِب مشاعر وعقول الجماهير العربيّة، وتستقطِب كلَّ من يحلم بوحدة العرب، وبتحقيق العدالة الاجتماعية وتحرير فلسطين.
كان ذلك الارث هو عدّة الشُغل الحديثة والعصريّة، لِكَمٍّ هائل من “المُشتغلين” بالوطنيّة والسياسة والحزبية والوحدة وفلسطين، وكان الحكّامُ ينظرون الى كلّ هؤلاء كادوات لكسب التأييد او الرضا او القبول الجماهيري – لانّ أحدًا منهم لم يكن، في تلك الظروف، ليتجرّأ على معارضة امواج بشريّة ما تزال تحمل المشروع الذي جسّده جمال عبد الناصر، وسعى الى تحقيقه بكلّ ما اوتيَ من قوّةٍ وعزيمة وصبر وثبات.
كانت الحركة الناصرية في حياة عبد الناصر، تيّارًا شعبيًّا جارفًا، واستمرت كذلك، لبضع سنين بعد غيابه، الى أن نشأت في البداية، قِوى وتشكيلات وتجمُّعات وهيكليّات كثيرة، تحت مظلة “الناصرية”؛ ثمّ تحولت إلى مئات المجموعات، التي تشبِه التنظيمات والأحزاب في بُناها واساليب عملها وتواجُدِها بين الناس، وفي النوادي السياسية والنضاليّة الني تسعى الى تحقيق احلامها الخاصّة، على حساب الحلم “الناصريّ” العظيم.
هذه القوى، التي أطلقت على نفسها صفة الناصريّة، لم ترقَ، من حيث النهج والممارسة – ولو للحظة واحدة – الى سُمُوِّ صاحِب المشروع، ولا الى صعوبة وحساسية اللحظة التاريخيّة التي انتقل اليها المشروع القوميّ العربيّ، فور غياب رائدهِ وزعيمه ومؤسِّسِ قواعدِهِ الشعبية والرسمية العريضة.
قام هؤلاء، كلُّهُم، الّا من رحم ربّي، بالتهافت على اقتسام الوهج الناصريّ، الذي بقيَ مُشِعًّا لسنوات عديدة، لكي يراكموا الثروات الشعبية والتنظيمية والحزبية والسياسيّة والأمنية والمالية. فقد كان اسم جمال عبد الناصر مُربِحًا، على كلّ الصُعُد التي تجعل من الطامحين يتسابقون على رفع صورة الزعيم وشعاراته، ونبرة صوته المُجلجِل في الخُطَب والمهرجانات.
كان هناك العديد من حكّام العرب و”ابَوات” الثورة الفلسطينية مستعدّين لإغداق الاموال على هؤلاء “القادة الجُدُد” – بخاصةً في مصر واليمن ولبنان – لكسب ولاءاتِهِم، وبالتالي ولاءات القواعد الشعبيّة التي استقطبوها، برفع صورة جمال عبدالناصر ومشروعه – الذي هو، في الاصل، مشروع الامّة.
.. وهكذا كان؛ فقد اضحت “حالة الحركات الناصريّة” برُمّتِها، في خلال سنوات، تابعة لهذا الحاكم العربيّ او ذاك، او لهذا “الأبو” الفلسطينيّ او ذاك – وكلّ شيء بثمن.
امام ذلك الواقع المرير، الذي لم تلبث الجماهير العربيّة، بحِسّها الصادق دائمًا، ان بدأت تتخلّى وتنكفئ شيئًا فشيئًا، حتّى تحوّلَ جمال عبد الناصر ومشروعُهُ الى مجرد ذكرى، تحتفل بها “الأحزاب الناصريّة” بمهرجان او ببيان – حيث تدعو الحاجة.
هذا بايجاز، ما وصلت اليه “الحركات الناصريّة، و ما الَت اليه حال المشروع القوميّ العربيّ، في الفضاء النضاليّ المحدود لهؤلاء جميعهم.
امّا جمال عبد الناصر، فما انفَكّ يملأ الدنيا حضورًا، ويُشغِل الناسَ حنينًا، و أملًا في أمّة ولّادة، لن تبخل في إعادة الكرّة، ولو خُذِلَت في اليوم ألف مرّة…
========================



