جامعة بلا ثقافة فلسفية

خاص “المدارنت”..
في عام 2007 م. حضرت اجتماعًا في قسم أصول التربية في جامعة دمشق، وكان من عادة رئيس القسم في تلك الفترة ألا يُخبر أحدًا من أعضاء هيئة التدريس في القسم عن جدول الاعمال قبل الاجتماع.
بدأ الاجتماع بكلمة ترحيب، ثم طرح الموضوعات التي سنقوم بمناقشتها، وكان من بين الموضوعات الغاء مقرر “الثقافة الفلسفية” من الخطة الدراسية، وكان هذا الأمر بالنسبة لي أمرًا غريبًا ومدهشًا، لأنه كان من بين المقررات التي أقوم بتدريسها، فسألته:
ما مبررات الغاء المقرر؟ فأجاب متلعثمًا أن هناك توجيهًا من عميد الكلية بضرورة تطوير مقررات القسم، فسألته مرة ثانية:
وهل تطوير مقررات القسم يعني حذف مقرر يُعدّ من أهم المقررات التي تُحفز الطلبة على التفكير النقدي، وتُعزيز السلوك العقلاني؟ بعد ذلك تطور الموقف كثيرًا حتى وصل الأمر إلى رئاسة جامعة دمشق التي أوقفت تلك المهزلة، ووجهت إلى عدم حذف المقرر تحت أي مبرر، غير أن القسم بعد سنوات عاد وطرح موضوع حذف المقرر، وقد تم حذفه فعلًا.
الغريب في الأمر، أنه بعد أن كانت جامعة دمشق منارة للعلم والعلماء، ومنتجة للقيم الإنسانية الحضارية، وخزان معرفي ينهل منه المثقفين والمفكرين والشعراء والطلبة، لم يعدّ يُذكر اسمها في تقارير التنافسية الدولية، لا على صعيد جودة التعليم العالي، ولا على صعيد جودة تدريس الرياضيات، ولا يوجد لها أي تصنيف في جودة المراكز البحثية، ولا في مجال القابلية والابتكار، وفوق ذلك أصبح في فضاءاتها من يتجرأ على حذف مقرر يُعدّ من أهم المقررات التي تزيد من قدرة الطلبة على الفهم والاستدلال الصحيح، في كلية يُفترض أنها تعدّ معلمين للمستقبل. فهل ما قام به قسم أصول التربية، مرورًا بعمادة الكلية، وصولًا إلى الجامعة صحيحًا ويتسق مع تطوير الخطة الدراسية؟!
قبل الإجابة عن هذا السؤال وغيره من أسئلة، أتذكر أنه في أول زيارة لي الى مدينة باريس، بقصد التعرف على أهم معالمها، زرت جامعة السوربون وجامعة ديكارت، ومما لفت انتباهي في الجامعتين هو النصب التذكاري للفيلسوف الفرنسي “أوغست كونت”، “الأب الشرعي للفلسفة الوضعية”، الموجود أمام أحد أبواب جامعة السوربون، وكذلك النصب التذكاري للفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت”، “أبو الفلسفة الحديثة، وصاحب كتاب: تأملات في الفلسفة الأولى”، الموجود في المدخل الرئيس لجامعة ديكارت.
وبعد مشاهدتي لنُصب هؤلاء الفلاسفة، لم يذهب تفكيري إلا إلى تقرير أن وجود مثل هذه النُصب التذكارية أمام جامعات عريقة، يتجاوز مسألة تقدير هؤلاء الفلاسفة وتخليد ذكراهم، إلى ما قدموه للمجتمع الفرنسي من معارف فلسفية، دفعت بهذه المجتمع نحو التقدم والازدهار.
وقد تعززت هذه النظرة بعد قراءة كتاب الفيلسوف الألماني “كانط”، الموسوم بـ (صراع الكليات الجامعية)، مما أثار لدي أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الفلسفة والجامعة منها:
كيف نصل إلى جامعة تنبض بالحياة، وتعمل على تجاوز نظام يعتمد على التلقي السلبي، وتتحول من منطق التدريس والتلقين إلى منطق التكوين والبحث العلمي؟ وهل هذا يقتضي تدريس الفلسفة في البرامج الجامعية كافة؟ كيف نستطيع استثمار الفلسفة في الفضاء الجامعي للقضاء على ظواهر التطرف الفكري، والتعصب الأعمى؟
لا شك أن الإجابة عن هذه الأسئلة، تقودنا إلى ما تُعانيه الجامعات العربية عمومًا من أزمات، هي في صميمها نتاج لأزمة تربوية كبرى، وهذا ما يؤكده المفكر التربوي السوري “علي وطفة” بقوله: “إن الجامعة بوصفها حرم الحرية والضمير قد تحولت في مجتمعاتنا إلى فضاء للتلقين والتجهيل، حيث يكون العلم حفظًا، والمعرفة طاعة، والمنهج مذكرات، والنتيجة أمية ثقافية تطبق على العقل والقلب، ويتضاءل معها الضمير والوجدان” (وطفة، 2021، 152).
والمستقرئ لواقع الجامعات يلحظ بسهولة تراجع دورها في التنمية الاجتماعية عبر إقامة علاقات تبادلية وتكاملية مع محيطها الاقتصادي، ومع مختلف المؤسسات والقطاعات الإنتاجية والاجتماعية بشكل عام، فضلاً عن عدم قدرتها على تشكيل فضاء للتفكير الحر، والبحث العلمي، والمواطنة المستنيرة، وتكوين علاقات إنسانية قائمة على احترام الرأي والرأي الآخر، وتحويل التراكم المعرفي والقيمي إلى منتوج ثقافي واجتماعي، يُسهم في تغيير الواقع، وصناعة الإنسان الذي نريد.
والحقيقة أن هذا ما دعا “كانط”، قبل مئتي عام إلى التأكيد على حضور الفلسفة المؤسسي في سياق كتابه “صراع الكليات الجامعية”، الذي نقد فيه نظام المعرفة الأكاديمي الذي تنتجه المؤسسة الجامعية الخاضعة لرقابة سياسية صارمة تحدّ من استقلاليتها، وحريتها الأكاديمية، التي تُعدّ الشرط اللازم لديمقراطية الحياة الجامعية من ناحية، وللإبداع الفكري من ناحية ثانية، ولهذا لا بد أن تتمتع الجامعة باستقلالية تامة عن أية سلطة، باستثناء سلطة منطق المعرفة، لأن أية سلطة أخرى تُمارس القسر والإكراه داخل الفضاء الجامعي، سوف يُحول الجامعة إلى فضاء يُدار بعقلية بيروقراطية لا تعمل لمصلحة المجتمع، ولا لمصلحة الجامعة نفسها، ومن ثَّم لن تُنتج لنا مثل هذه الجامعات سوى مخرجات تحمل شهادات جامعية، ولكنها فاقدة لأبسط المهارات التي تؤهلها للمشاركة في عملية التنمية الشاملة.
وعليه، فإنه يجب أن تترسخ لدينا فكرة مفادها: أن تدريس الفلسفة داخل أسوار الجامعة هو في جوهره عمل تربوي هادف يرفض الترويض الأيديولوجي، والاستغلال السياسي، ويقطع مع الشعارات الزائفة. عمل يقتضي الحرية الفكرية بالنسبة للطالب، والأستاذ، والمؤسسة الجامعية على حد سواء.
مع ملحوظة أنه عندما يؤكد “كانط” على ضرورة احتضان الجامعة للفلسفة، فهذا يعني تأكيده على أن الفلسفة وحدها القادرة على علاج العقل الأكاديمي المأزوم، والمنتج لثقافة جامعية مأزومة بدورها، ومكرسة للحرفية والمهنية، فضلاً عن أن احتضان الجامعة للفلسفة، يعني احتضان الجامعة لمهارات التفكير الناقد، ومهارات الاستدلال والاستنتاج، وتقييم الحجج والتساؤل والمناقشة النقدية، وهي كلها ضرورية لطلبة الجامعة، وأساسية في تكوين الفكر النقدي، الذي يتطلب رؤية تربوية تسعى إلى تمكين الطلبة من مهارات الحوار وآلياته.
ومن ثَّم، فإنه إذا أرادت الجامعة أن تكون فضاء متميزاً لاشتغال العقل، واحتكاك الأدمغة، ومؤسسة للبحث العلمي، والتكوين الجيد، فإن ذلك يفرض عليها أن تتبنى تدريس الفلسفة في كلياتها كافة، حتى تكون بحق مؤسسة للنشاط الفكري، وحرية التفكير، وللتساؤل والتحليل والتواجه المعرفي، وتأهيل الموارد البشرية بجودة عالية. وإذا ما استطاعت الجهات المسؤولة تمكين الجامعة من أن تكون الفلسفة إحدى مدخلاتها الرئيسة، فسوف تُمثل المؤسسة الجامعية استثماراً ثقافياً وعلمياً وتنموياً حقيقياً، وضرورياً للمجتمع من أجل أن يدعم حصانته الداخلية عبر جودة معرفته الجامعية، وثقافتها العلمية (عمار، 1996).
ولأن الأمر كذلك، أقترح على الجهات المسؤولة في الجامعات العربية إدراج مادة للفلسفة (كمتطلب جامعي) تكون دراستها إجبارية من قبل طلاب الجامعة كافة، وليكن عنوانها (الثقافة الفلسفية)، انطلاقاً من رؤية جامعية تُعزز الدرس الفلسفي، وتوجه إلى بناء منهجيات التفكير الناقد لدى الطلبة، وذلك من أجل خلق جيل قادر على مواجهة تحديات العصر بروح نقدية هادفة، وبعقلانية التنوير، التي أسسها فلاسفة كبار أمثال: روسو ومنتسكيو وفولتير..
إن مثل هذا الاقتراح لا يأت من فراغ، لأننا اليوم بحاجة ماسة إلى ممارسة التفلسف تجاه المشكلات التي تجتاح عالمنا العربي، للقيام بتحليلها منطقياً، ومعالجتها ووضع الحلول لها على أساس النقد البنّاء للمواقف والآراء، والرغبة في المعرفة والبحث عنها باستمرار، فضلاً عن أن التفلسف نمط متميّز من التفكير ينّصب على المنتوج الثقافي ليدرسه ويحلله وينقده لأجل تطويره.
ومن ثم، فإنه من دون حضور نقد الفلسفة سينتهي الأمر بالمؤسسة الجامعية إلى الجمود الفكري، والتعصب الأعمى لما تُقرره وتفعله. من هنا تتأكد أهمية تدريس الفلسفة في البرامج الجامعية كافة، والقطع مع النظرة الضيقة التي ترى وجود الفلسفة داخل رحاب الجامعة خطراً داهماً يهدد كيان المجتمع، مما يعني أن تقوم جامعة دمشق بإعادة النظر في مقرر الثقافة الفلسفية الذي دُبر له في ليل من قبل مجموعة لا تعرف أبسط مقومات التفكير الفلسفي.
خلاصة القول: إنه إذا حضرت الثقافة الفلسفية غاب التطرف، لأن الفلسفة تعني إعمال العقل وحرية الأفكار وطرح الأسئلة والمعرفة الأخلاقية والجمالية، وكل هذا يعمل على تنمية فكر الإنسان، لكن على ما يبدو أن جماعة قسم أصول التربية الظلامية، ومن ساعدها على حذف مقرر الثقافة الفلسفية لا تريد لهذا أن يحدث، بل تعمل على أن يبقى الطلبة في الجامعة يرتعون في مستنقعات العنف والجهل والتكفير.
مراجع المقالة:
– عمار، حامد (1996) الجامعة بين الرسالة والمؤسسة، القاهرة، مكتبة الدار العربية للكتاب.
– وطفة، علي (2021) الأمية الأكاديمية في الفضاء الجامعي العربي، الكويت، مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية.



