مقالات

جمال الأتاسي مفكراً.. حوَّل الفكر إلى إرادة للتغيير السياسي

              د. جمال الأتاسي

خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيين”

كتب محمد علي صايغ/ سوريا..

في 30 من آذار/ مارس عام 2000 رحل عنا الدكتور جمال الاتاسي، وبعد أن وري الثرى جسداً.. قلنا وداعاً.. ونحن ندرك في لحظة الوداع تلك، أنه سيبقى فينا فكراً وتجربة، منهجاً ونضالاً.

ولجمال الاتاسي خصوصيته وموقعه في النضال الوطني والقومي، وخصوصية في ميله الطبقي، إذ بالرغم من أنه ينحدر من أسرة شبه أرستقراطية، إلا أنه كان طوال حياته بجانب الطبقات الفقيرة و المسحوقة مناضلاً صلباً من أجلها، ومدافعاً و مؤمناً بنهوضها.

وإذا كان من المألوف عادةً وجود المفكرين في مختلف مجالات الفكر و الثقافة، ومن المألوف أيضاً تنامي السياسيين المشتغلين بالسياسة والعمل السياسي، فإن جمال الأتاسي نموذجاً للمفكر والسياسي معاً.. وبمقدار ما كان مفكراً يحمل مشروعاً مستقبلياً، كان سياسياً مارس العمل السياسي برحلة استغرقت جل حياته، وطوع الفكر وجسّده في حركة عمل وإرادة فعل وتغيير.. وكان مثالاً ”للمثقف العضوي” الملتصق بالجماعة والمعبر عنها، وعن ضميرها ومعاناتها، والفاعل فيها وبقواها الحية، ضارباً المثل في الدفاع عنها.. ذلك المثقف الذي يراه يقرر النهوض بالأمة” من حيث أن النهضة هي رؤيةً وفعل، رؤية مستقبل نُحيله حاضراً إذ نقوله، وفعل يحقق هذه الرؤية.. وهكذا تصبح الثقافة رسالة (وبتعبيرنا نقول سياسة وإرادة تغيير)“.. فالمثقف العضوي كما كان يصفه يندرج في ”تلك الفئة من المثقفين التي تميزت بموقفها المعبر عن ضمير الشعب ومعاناة الأمة، هي التي يمكن أن تشكل النواة الصلبة لعمل وحدوي منتج، لتنتقل بوعي قضية الأمة وأزمتها من شكله المضمر في الوجدان الشعبي إلى الشعور الجمعي، حيث يأخذ شكلاً محدد المعالم.. ولتعطي من جديد مفهومها للأمة ووحدة الأمة، وما تحمله من معان ومعايير ومقومات، ومن أهداف مستقبلية، وتضع الأمة على طريق تجدد حضاري ونهضة.

ولم يكن الفكر والسياسة عند جمال الأتاسي مرحلة بعد أخرى إلا #حركة مراجعة نقدية مستمرة، تغوص في أعماق التجربة وتحللها، ثم تعيد تركيبها وترتيبها واستخلاص النتائج، والبناء عليها، وصولاً إلى رؤية استراتيجية تستشرف آفاق المستقبل.

وعندما نتحدث عن تجربته السياسية واستخلاصاتها، وبعد أن يقوم بالتمهيد لها بمقدمات عن طبيعة العمل الوطني و القومي، والمآلات التي قادت إلى التراجع والانحسار أو الانكسار، ودور النظم الشمولية شبه المملوكية و أجهزتها، والقوى السياسية وانحسار فعلها، والعطالة والتعطيل الذي أصابها، فإنه يستطرد ويقول ”وإذا كان لي أن استخلص من التجربة السياسية بعد ذلك فكرة أقولها، فهي الوقوف عند ما تكشفه مراجعة تلك التجربة من قصورات كانت، فكراّ أو ممارسةً، في البناء الديمقراطي في عملنا السياسي، ولحركاتنا السياسية الوطنية والقومية، ولدورها في التقدم بالمجتمع وتحديثه، وتأسيس الديمقراطية والحريات الديمقراطية في روابطه وعلاقاته وتعبيراته، لتكون السيادة للشعب في مجموعه، وليكون فعلاً لا قولاً هو المعلم والقائد، ولا يقوى على التحكم به حزب واحد، ولا على تسلط فئة عليه.. والدرس الذي يمكن أن تعلمنا إياه التجربة ومسار التاريخ السياسي لقطرنا وأمتنا العربية – منذ خمسين عاماً وحتى اليوم – هو أننا لم نتقدم في أية مرحلة، أو أية خطوة ناجحة على طريق التحرر والتقدم والوحدة، إلا عندما كان هناك نهوض شعبي، وإرادة شعبية جماعية تتحرك وراء مطلب، وتدفع نحو هدف“.

وكان الأتاسي مقتنعاً بما كان يدركه ”غرامشي” في استراتيجية ”حرب المواقع” بالعمل السياسي بالتقدم إلى المواقع المختلفة في الهيمنة السلطوية، تبدأ من حيث أضعف ثم إلى حيث أقوى، إنها خلع للهيمنة باحتلال المواقع واحداً بعد آخر بالتوجه العام أولاً إلى الجماهير، وأن تأخذ القوى السياسية الثورية مواقعها في قلب القوى الاجتماعية وفئات المجتمع المتعددة، وتنهض بها ومن خلالها كل القوى السياسية، وتدخل في توجهات كل وطني وديموقراطي، مقدمة لاستكشاف الطريق إلى حركة الجماهير وتحريضها وبناء تلاحمها الوطني والنهوض بوعيها السياسي، والعودة بها لساحات النضال ككتلة تاريخية فاعلة.

ونعود إلى حديثه عن قضية الفكر والسياسة في حياته، وقد تحدث عنها في مقال تحت عنوان ”حياتي بين الفكر والسياسة” جاء فيه: ”وما كان الفكر في حياتي مجرد تراكمات لمعارف وثقافات أو لقناعات تشكلت وعبرتُ عنها، فأنا ما أنتجت في هذا المجال، ولا كتبت نشرة أو مقالة أو بحثاً ولا ترجمت كتاباً إلا وكان ذلك من خلال موقف أيديولوجي و سياسي، ولإحداث فعل وتأثير هادف في مرحلة معينة من مراحل عملنا الوطني والقومي.. ولا السياسة كانت حرفة لي أو وظيفة أو تطلعاً لموقع أو نفوذ أو سلطة، بل السياسة التي استأثرت بالقسط الأوفر من اهتماماتي كانت ومازالت في حياتي التزاماً بقضية، و إحساساً بمسؤولية، وواجباً وطنياً وقومياً لتغيير واقع، والعمل في إطار جماعة ومجموعة ملتزمة بأهداف النضال القومي، كمشروع للتحرر والنهوض العربي والوحدة.. وبهذا المنحى لا تعود حركة الإنسان السياسية وسعيه للفعل والتأثير في التحرك التاريخي لمجتمعه وأمته، إلا وهي على تلازم عميق مع تقدم حركة وعيه ومعرفته.. ليصبح الفكر دليل الممارسة، ولتصبح الممارسة منظوراً ومنهجاً في التفكير أيضاً.

#تلك محطة من محطات رؤية رجل أمضى حياته باحثاً عن إجابات لواقع الأمة العربية المرير.. ولكنه وبذات الوقت لم يكن منظراً ينتظر من يؤمن بما كتب ودوَّن، ليكون له مريدين و أتباع، وإنما كان يتحرك بالفكر إلى ساحات النضال التزاماً بمشروع مستقبلي لنهوض أمته العربية، وفاعلاً ومتفاعلاً مع الحركة السياسية الوطنية في مختلف أطوارها ومراحلها، ومُسهماً بعزيمة لا تيأس بالحوار المنفتح في بناء تجمعها وتحالفاتها فكراً وعملاً و نضالاً.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى