“جمعية دعم المبادرات الإنسانية وتطويرها” نموذجًا لبناء الإنسان من قلب صيدا
صيدا/ خاص “المدارنت”
حين تتقدم المبادرة المحلية
في زمن تعصف الأزمات بلبنان، وتتقلّص الثقة بالمؤسسات، وتغدو التنمية مجرّد شعار في خطابات كبرى، تبرز مبادرات محلية تحاول أن تعيد للكلمة معناها، وللفعل جدواه. من مدينة صيدا، جنوب لبنان، تشقّ “جمعية دعم المبادرات الإنسانية وتطويرها” (HISD)، التي يرأسها المهندس مازن رضا البزري، طريقها بهدوء واحتراف، واضعةً الإنسان في صلب المعادلة، ومؤمنة بأن التنمية لا تُستورد، بل تُبنى من الداخل، حجرًا على حجر، وفكرةً على فكرة.
جمعية بهوية لبنانية ورؤية كونية
تُعتبر الجمعية منظمة لبنانية غير حكومية وغير ربحية، ومنذ حصولها على العلم والخبر رقم:”2021 /1471″، وضع القيمون عليها نصب أعينهم هدفًا مركزيًّا؛ هو تمكين المجتمعات المحلية وتعزيز سبل العيش من خلال الابتكار الإنساني والمعرفة التطبيقية.
لا تعمل الجمعية بمنطق الإغاثة الظرفية وحدها، بل تعتمد مقاربة تنموية قائمة على الأدلة، تجمع بين الخبرة الهندسية، التدريب المهني، والتنمية الاجتماعية، لتقديم برامج فاعلة في مجالات الصحة، والتنمية الاقتصادية، والابتكار المجتمعي. وهي في ذلك تستند إلى دعم تقني ومالي من شركة “International CMCCO”، وهي مجموعة إقليمية متخصصة في إدارة المشاريع والتنمية، توفّر الإشراف الاستشاري وتضمن الالتزام بمعايير الجودة والمساءلة الدولية.
هذا التزاوج بين المبادرة المحلية والخبرة الإقليمية منح الجمعية قدرة نادرة على الجمع بين الحسّ الإنساني والصرامة المؤسسية، بين الحلم والتنفيذ.
صيدا.. الجغرافيا التي تصنع المعنى
اختارت الجمعية أن تتمركز أنشطتها في مدينة صيدا، لا بوصفها موقعًا جغرافيًّا وحسب، بل باعتبارها فضاءً اجتماعيًّا وتاريخيًّا غنيًّا بالتحديات والإمكانات. ومن قلب المدينة، أنشأت ثلاثة مراكز متخصصة؛ تشكّل معًا ما يمكن تسميته: «شبكة صيدا الإنسانية المتكاملة»، حيث يتقاطع الابتكار مع الصحة، والحِرفة مع السوق، والتدريب مع الأمل.

حين يصبح الابتكار لغة الشباب
عند مدخل صيدا البحري، ينتصب مركز “Flow Business Incubator” بوصفه القلب النابض للابتكار الرقمي وريادة الأعمال. مبنى من خمس طبقات، لكنه في الجوهر مساحة للأفكار، وبيئة حاضنة للمشروعات الناشئة التي تلبّي احتياجات المجتمع والبيئة.
يقدّم المركز برامج احتضان، وتمكينًا رقميًّا، ومختبرات ابتكار اجتماعي، إلى جانب فعاليات عامة وشبكات إرشاد تربط الشباب بخبراء وروّاد أعمال. ووفق الخطة الممتدة بين 2025 و2028، يسعى المركز الى:
– إطلاق 9 دفعات احتضان تضم نحو 120 مشروعًا.
– تحقيق 40 إطلاقًا سوقيًّا، وتمويل 15 مشروعًا.
– تدريب 1200 مشارك مع نسبة تشغيل لا تقل عن 60 في المئة خلال ستة أشهر.
– تنظيم 36 مختبرًا ابتكاريًّا، وتطوير 30 نموذجًا أوليًّا.
– بناء 30 شراكة تجارية، وتنظيم 12 فعالية عامة.
– ضمان مشاركة نسائية لا تقل عن 50 في المئة، مع برنامج سنوي خاص بريادة النساء.
هنا، لا يُنظر إلى الشباب بوصفهم مشكلة، بل باعتبارهم حلًّا مؤجّلًا ينتظر من يثق فيه.
الصحة بوصفها حقًّا ومعرفة
في عبرا، يعمل مركز “HIS Healthcare Incubation Society” على خطّ تماس مباشر مع الناس. مركز ميداني يعزّز الوعي الصحي المجتمعي، ويطوّر حلولًا صحية مبتكرة منخفضة الكلفة، انطلاقًا من احتياجات فعلية لا من نماذج مستوردة.
تشمل برامج المركز حملات توعية وقائية، عيادات متنقلة، تدريب متطوعين، واحتضان ابتكارات صحية قابلة للتطبيق. وخلال الفترة 2025–2028، يسهى المركز الى:
– تنفيذ 50 حملة صحية.
– الوصول إلى 5000 مستفيد.
– تدريب 150 متطوعًا.
– تطوير 10 نماذج ابتكار صحي، يُعتمد منها محليًّا خمسة في الأقل.
في هذا المركز، تتحوّل الصحة من خدمة إلى ثقافة، ومن استجابة إلى وقاية.
إحياء الحرفة بلغة العصر
وفي شرحبيل/ صيدا، ينبض مركز “CDC Craftsman Development Society” بروح الحرفة والعمل اليدوي، لكن بعقلية السوق الحديثة. يوفّر المركز تدريبًا مهنيًّا عمليًّا، مكتبة أدوات، ودعمًا مباشرًا للمشاريع الصغيرة، رابطًا الحرف التقليدية بالأسواق المعاصرة واقتصاد إعادة التدوير.
وتسعى ادارة المركز خلال الفترة 2025–2028 إلى:
– تدريب 1000 متدرّب.
– دعم 200 مشروع صغير.
– تطوير 250 منتجًا تجاريًّا.
– توقيع 50 عقد توريد.
– تسجيل 1500 يوم استخدام سنوي لمكتبة الأدوات.
هنا، لا تُستحضر الحرفة بوصفها ماضيًا، بل مستقبلًا ممكنًا لاقتصاد محلي أكثر عدالة واستدامة.
رؤية ورسالة تتجاوز العناوين
تنطلق “HISD” من رؤية واضحة: مجتمع مرن وشامل، تقوده مبادرات إنسانية وتنموية محلية قائمة على المعرفة والاستدامة. أما رسالتها، فتتمثّل في تصميم وتوسيع مبادرات تعزّز سبل العيش والصحة والتماسك الاجتماعي، من خلال الابتكار، التدريب، والشراكات الاستراتيجية.
وتترجم هذه الرؤية عبر أهداف استراتيجية تشمل الابتكار الإنساني، بناء القدرات، خلق سبل العيش، الصحة والرفاه، والحوكمة الرشيدة

حوكمة وشراكات.. شرط الاستدامة
تخضع الجمعية لإشراف مجلس إدارة يتركها المهندس مازن البزري، وفريق تنفيذي متخصّص، تتوزّع أعمالها على أقسام البرامج والمشاريع، التدريب، البحث والتطوير، الشراكات والتمويل، والمالية والامتثال والمتابعة والتقويم (MEL). وتُجرى عمليات تدقيق خارجية دورية، لتأكيد الشفافية والمساءلة.
وتعمل “HISD” بالشراكة مع نقابة المهندسين، الجامعات اللبنانية، البلديات والسلطات المحلية في جنوب لبنان، والقطاع الخاص، مع خطط لتوسيع التعاون مع وكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة الدولية.
أرقام تتكلّم ومستقبل يُبنى
في حلول عام 2028، تسعى الجمعية إلى تحقيق:
أكثر من 120 مشروعًا محتضنًا، آلاف المستفيدين، مشاركة نسائية تفوق 50 في المئة، نظام متابعة وتقويم موحّد، واسترداد 40 في المئة من التكاليف التشغيلية، وصولًا إلى الحصول على شهادة ISO في الحلول المؤسسية.
حين يصبح المحلي جوابًا كونيًّا
في بلد يرزح تحت الأزمات، تبدو تجربة “جمعية دعم المبادرات الإنسانية وتطويرها” (HISD) بمثابة رهان عقلاني على الإنسان. وهي ليست جمعية تبحث عن الضوء، بل مشروع يزرع النور حيث يلزم. ومن صيدا، تقول: “إن التنمية تبدأ حين نثق في الناس، ونمنحهم الأدوات، ونترك لهم مساحة الحلم والعمل”.






