مقالات

حسن عبد العظيم المعارض لكل حقب “البعث”!

أحمد مظهر سعدو/ سوريا

“المدارنت”
في حيوات السوريين؛ الكثير من الشخصيات الوطنية التي آثرت تحمل العسف الاستبدادي ومن ثم الدخول في ظلمات السجون والمعتقلات للمستبدين، عن الصمت أو المداهنة، أو الاشتغال مع أنظمة القهر الأسدي، وقبلها من نظام وحقب البعث الاستبدادي المتتابعة. ولعل منهم هذا الرجل والقامة الوطنية السورية الذي رحل الشهر الفائت في دمشق، إنه المعارض السوري العتيق المحامي حسن عبد العظيم، فقد غادرنا إلى ديار الحق عن عمر يناهز 94 عاماً.

قضى أعوامه في مقارعة الاستبداد المشرقي، ومواجهة السلطات الطغيانية التي حكمت سورية منذ استلام حزب البعث الحكم صبيحة 8 آذار 1963. لقد تعرض حسن عبد العظيم، عبر تاريخه الطويل من الاشتغال في السياسة إلى العديد من أنواع الاعتقال والقمع لدى السلطات المستبدة، حيث وقف يعارضها بجرأة وعقلانية سياسية في نفس الآن. كان (أبو ممدوح) قد انضوى في بداية اشتغاله بالسياسة في صفوف (حركة الوحدويين الاشتراكيين) بعد انفصال 28 أيلول 1961 الذي أطاح بدولة الوحدة بين مصر وسوريا.

عمل حسن عبد العظيم، مع رفاقه من أجل عودة الوحدة الاندماجية تلك، التي دامت ثلاث سنوات ونصف. لكنه سرعان ما اكتشف بعد حركة 8 آذار 1963 تغوّل “حزب البعث السوري” على الحريات والمشاركة السياسية، من دون النظر إلى باقي ألوان المجتمع السوري من قوميين غير بعثيين، أو إسلاميين أو ماركسيين أو ليبراليين، فوقف (أبو ممدوح) معارضاً ونداً للسلطة.

وقد اسهم أيضاً في توحيد صفوف القوميين الناصريّين، ودخل حينها في صفوف “الاتحاد الاشتراكي العربي”. وواجه الظلم والاعتقال، وكان محامياً وطنياً سورياً وعروبياً، وماهراً مهنياً قل مثيله في صنعة الحقوق والمحاماة. وله الدور الأبرز ضمن الحركة الوطنية السورية، فكان مكتبه ومنزله أيضاً موئلاً وملجأً للاجتماعات واللقاءات، لكل أطراف وألوان المعارضة السورية، وكان داخل صفوف “حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي” الرجل الثاني كموقع تنظيمي، بينما كان الدكتور جمال الأتاسي الرجل الأول.

عندما قام حافظ الأسد، بحركته التي أسماها (تصحيحية)، وبعد انفتاح الأسد الظاهري على المعارضة السورية، قبل حسن عبد العظيم مع حزبه الدخول فيما سُمّي (الجبهة الوطنية التقدمية) لشهور معدودات، ودخل أبواب البرلمان السوري الأول، بعد انقلاب حافظ الأسد في بداية السبعينيات، والذي جاء تعييناً وليس انتخاباً. لكن سرعان ما اكتشف جمال الأتاسي وحسن عبد العظيم وكل “حزب الاتحاد”، كذب ولعب وادعاء حافظ الأسد، وإصراره على أن يضع داخل الدستور السوري المادة رقم 8 التي تؤكد وتصر على سيطرة حزب البعث على (الدولة والمجتمع).

الأمر الذي أدى إلى خروج الحزب، ومنه حسن عبد العظيم من كل الجبهة تلك، معلنين المعارضة الوطنية الديموقراطية، التي تحركت أواخر السبعينيات لتشكل ما سمي (التجمع الوطني الديموقراطي)، الذي ضم العديد من الأحزاب الوطنية، ومنها الحزب الذي كان فيه حسن عبد العظيم، بالإضافة إلى شخصيات وطنية مرموقة ومشهود لها، مثل رياض الترك، وميشيل كيلو، وطارق أبو الحسن، وآخرين.

القيادي الناصري الراحل حسن عبد العظيم

في العمل الوطني السوري، عُرف (أبو ممدوح) بسعة الصدر والديبلوماسية والحنكة في القيادة، وإصراره على عدم قطع شعرة معاوية، لكن كل هذه الصفات السلسة والمرنة لم تشفع له أمام سطوة القهر والقمع الأسديين، ليزج في السجن العديد من المرات، وهو الذي كان من الشخصيات البارزة التي تعرف بالرجالات المعارضة على طول المدى، وعدم القبول بأي تراجع عن مبدئيته في الوطنية السورية المنتمي إليها.

إبان رحيل الدكتور جمال الأتاسي، في 30 آذار عام 2000، صعد نجم حسن عبد العظيم، ليكون الأمين العام لـ”حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي”، باعتباره الأمين العام المساعد، قبل رحيل الأمين العام جمال الأتاسي. ثم جاءت عملية إطلاق المنتديات السياسية، في دمشق وحلب، فيما سمي بربيع دمشق، أي بعد موت حافظ الأسد في 10 حزيران 2000 وبعد تسليم السلطة من بعده لابنه بشار الأسد.

حيث كان حسن عبد العظيم، من الشخصيات الأساسية التي أسهمت في تشكيل “منتدى جمال الأتاسي للحوار الديموقراطي”، الذي تم إغلاقه بعد ذلك من قبل سلطات بشار الأسد، أي بعد سنوات قليلة، بعد أن ضاق صدرها، بسقف الحرية، الذي أعطاه المنتدى لنفسه، مع المنتديات الأخرى المعارضة.

أسهم حسن عبد العظيم في الحوارات الطويلة التي أدت إلى تشكيل ما سمي (إعلان دمشق)، لكنه ونتيجة الخلافات الكثيرة بينه وبين رياض الترك على الزعامة وأشياء أخرى، أدت إلى أن جمد حسن عبد العظيم وحزبه نفسه ونشاطه داخل إعلان دمشق، إبان انتخابات وُسمت بالتآمر على حسن عبد العظيم، وبعض قيادات حزبه، وأدت من ثم إلى فشلهم في تحصيل الفوز الانتخابي في قيادة الإعلان، وهو ما أسهم في تفكيك المعارضة والتجميد لنشاط الحزب داخل حراك إعلان دمشق.

جاءت ثورة الحرية والكرامة في أواسط آذار 2011، حيث شارك “حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي”، وأحزاب “التجمع الوطني الديموقراطي” فيها سلمياً، لكن ديبلوماسيته ومستوى الخطاب الذي قيل عنه أنه لم يكن يرتقي إلى مستوى الدم السوري، كل ذلك أدى إلى تشكيل معارضة في الخارج سُمّيت (المجلس الوطني) ومعارضة في الداخل، سُمّيت (هيئة التنسيق)، ولا يخرج أو يبتعد عن هذا الافتراق، سوى الخلافات البينية بين كل من حسن عبد العظيم ورياض الترك.

وبعدها، تغيرت معارضة الخارج، لتصبح في “هيكلية الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، وبقيت “هيئة التنسيق” بعيدة عن ذلك، عدا بعض حالات التنسيق بينهما، ليقود هيئة التنسيق في الداخل المحامي حسن عبد العظيم حتى رحيله بتاريخ 25 نيسان 2026. ووري جثمان (أبو ممدوح) الثرى يوم 26 نيسان في مقبرة بلدته (حلبون) بالقرب من مدينة دمشق ضمن محافظة ريف دمشق.

وقد شاركت حشود كبيرة من السوريين والفلسطينيين واللبنانيين في التشييع ومجالس العزاء، حيث حضرتها شخصيات وطنية مهمة منها الدكتور حسين الشرع، والد السيد الرئيس (السوري) أحمد الشرع، والكثير من أقطاب المعارضة السورية لنظام الأسد البائد.
ويبقى أنه لا بد من القول إن حسن عبد العظيم، كان شخصية وطنية سورية يحسب لها كل الحساب، فاعلة ومؤثرة، ساهم في كل التحركات الوطنية للمعارضة السورية على مدى عمر الحركة الوطنية السورية منذ ستينيات القرن الفائت وحتى رحيله.

رحم الله حسن العظيم، المحامي ورئيس “هيئة التنسيق الوطني”، والشخصية القومية العربية الناصرية، التي لم تقبل التعامل مع أنظمة الاستبداد البعثية، ووقفت في مواجهة كل أنواع الاستبداد على مدى عقود متتابعة حتى رحيله.

المصدر: “الثورة” السورية
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى