مقالات

حــروب تــرامـــب الأخــيــــرة..!

عبد الحليم قنديل/ مصر
“المدارنت”..
بعد شهر من اليوم، تجرى انتخابات الرئاسة الأمريكية فى الثالث من نوفمبر المقبل، ومن دون مقدرة على الجزم بتكهن نهائى، صحيح أن غالب استطلاعات الرأى الأمريكية تشير إلى توقع بعينه، وتعطى جو بايدن الديمقراطى أرجحية على دونالد ترامب الجمهورى، وبفوارق تصل أحيانا إلى عشرة نقاط، لكن هزيمة ترامب مع ذلك لا تبدو مؤكدة ، ربما الجديد، أن ترامب نفسه ، صار يتحدث عن احتمال هزيمته، بل ويهدد بعدم تسليم الرئاسة إذا خسر فرصة تجديدها ، وهذه سابقة مثيرة للسخرية فى تاريخ انتخابات أمريكا.
وقد خاض المرشحان قبل أيام مناظرة رئاسية أولى، أدارها كريس والاس مذيع “فوكس نيوز”، الذى لم يستطع السيطرة على النقاش الساخن، ولا وقف المقاطعات العشوائية من ترامب، ولا الحد من سيل السباب والشتائم الشخصية المباشرة، التى تورط فيها بايدن الأكثر تهذيبا، ووصف ترامب بأنه “جرو” الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، بينما ردد ترامب شتائمه المعتادة لبايدن، والإهانات الشهيرة بالغباء وتآكل الذاكرة، وهو ما تجاهله بايدن غالبا، ونجح فى جر المنافسة الكلامية إلى مضامين أكثر جدية، بدت فيها حيويته وحضوره الذهنى، وكلامه المحسوب بدقة تليق بقائد رئاسى، فيما بدا ترامب منتفخ الوجه كتلميذ بليد مشاغب، يستفز حتى مدير الحوار ، ويكاد يبحث عن كرسى ليحطم به رأس غريمه، ويعجز عن تكوين جمل مفيدة فى الوقت المخصص له، ويتحاشى الجواب عن الأسئلة الصعبة والمحرجة، وبرغم ما بدا من تفوق ظاهر لبايدن، فلا تزال فى الجدول مناظرات مقبلة، قد لا تقلب الموازين الانتخابية بالضرورة.
وقد لا يهم ترامب أن يتعجب منه الناس، فهو صاحب أرقام قياسية فى شذوذ السلوك، وهو مقاول كذب بامتياز، ولا تعنيه قواعد السياسة ولا اعتبارات العلم، ويفتخر غالبا بجهله، وعلى طريقة نصحه لمواطنيه مرة بحقن “الكلور” للوقاية من الإصابة بعدوى كورونا، ولو فعلها حاكم فى جمهورية موز، لصار سخرية للعالمين، لكن رئيس دولة عظمى يفلت دائما بأكاذيبه، بل ويسخر من اتهامات موثقة بالتهرب من الضرائب، وبتزوير أوراق رسمية، ويجد على الدوام من يصدقه من الأمريكيين، الذين لا يبالون بالتفلت من القوانين، ولا بتهم العدوان والتحرش الجنسى الذى احترفه ترامب، وقد كان شئ منها كافيا فيما سبق للإطاحة بحظوظ مرشح رئاسى، وعلى نحو ما جرى مع “جارى هارت”، وكان مرشحا واعدا، توقعوا له أن يهزم الجمهورى جورج بوش الإبن، لكن خبرا صغيرا عن علاقته بفتاة فى حملته الانتخابية، أطاح مبكرا بحظوظه فى السباق داخل الحزب الديمقراطى، ودفعه للانسحاب فورا، بينما يستطيع ترامب أن يواصل تبجحه، برغم ركام الاتهامات المشينة، وأن يجد كتلة صلبة من خلفه، تؤيده فى مطلق الأحوال، مادام يبدى فظاظة أكبر، ويظهر عنصرية أوضح، ويدعم نزعة تفوق العرق الأبيض، ويبدى احتقارا للمهاجرين والأقليات، ويشكل هؤلاء العنصريون نحو نصف البيض فى أمريكا الراهنة ، أى نحو ثلث إجمالى الناخبين، وقد قاده هؤلاء من قبل إلى كرسى الرئاسة ، وهزم بهم هيلارى كليبتون، التى حصلت على مليون صوت أكثر من ترامب فى التصويت الشعبى، بينما حصل ترامب على عدد أكبر من مندوبى الولايات، وهو عوار مستقر فى النظام الانتخابى الأمريكى العتيق، لايرغب أحد فى إصلاحه.
“ما علينا”، المهم أن ترامب دخل حربه الأخيرة، ويريد كسب الرئاسة الثانية، ولا يكتفى بالأولى، التى دمرت أو كادت معنى امتياز أمريكا، ولا مانع عند ترامب من الخروج عن أى نص، فهو يصف جوبايدن بأنه “جو النعسان”، برغم أن كليهما فى ذات العمر المتقدم، كلاهما يقارب الثمانين من العمر، وهو نفس عمر “بيرنى ساندرز” ممثل الجناح اليسارى فى الحزب الديمقراطى، الذى انتهى إلى دعم بايدن، وهو ما يبرز شيخوخة آلت إليها الديمقراطية الأمريكية، ويشجع ترامب على المزيد من انتهاكها، وتحويلها إلى وضع شبه ملكى، فقد أشار مرة إلى ما أسماه رغبة الأمريكيين فى انتخاب إبنته “إيفانكا” من بعد نهاية رئاسته، وهو يحذر طوال أسابيع من احتمال تزوير الانتخابات، وأنه لن يسلم السلطة طوعا إذا حدث ما يصفه بالتزوير، ويستعين بالمحكمة العليا، التى صارت له الأغلبية بين قضاتها ، واستبدل قاضية موالية لسياسته بقاضية ليبرالية متوفاة مؤخرا، ولم ينتظر حتى تنتهى الانتخابات، كما تقضى أبسط اعتبارات النزاهة، فهو لا يبالى أبدا بتقاليد حرية الإعلام ولا باستقلال القضاء، ويخوض حربا شخصية تماما، وبدعوى أن التصويت عبر البريد كارثة، برغم استقرار العمل به تاريخيا، وبرغم ازدياد الحاجة إليه، مع مضاعفات تفشى جائحة كورونا، التى افترست الأمريكيين أكثر من غيرهم فى أربع جهات الدنيا، وأسقطت منهم ما يزيد على ثلث ضحايا العالم كله، وبما يجعل التصويت بالبريد اختيارا أكثر أمنا من الذهاب إلى زحام المراكز الانتخابية، والتقاط عدوى كورونا، بما يثير قلق ترامب، فأنصار منافسه الديمقراطى يبدون أكثر احترازا، وتصويتهم الكثيف عبر البريد، قد يدمر فرص إعادة انتخاب ترامب، الذى أكد رفضه التسليم بالنتائج ، لو لم تأت على هواه، وانتظار فرز يدوى، تجريه المحكمة العليا، قد يلغى حالات التصويت بالبريد بعضها أو كلها.
بالطبع، قد لا يستفيد ترامب من محاولات الاحتيال، وقد يخسر حربه الأخيرة، فما تبقى صلبا من المؤسسة الأمريكية يعارض شطحاته، وكلنا يذكر معارضة الجيش الأمريكى والبنتاجون لأوامر ترامب، حين طلب نزول العسكر لإخماد مظاهرات رفض العنصرية وقتل السود بالمجان، وبما اضطر ترامب لابتلاع الإهانة مؤقتا، خصوصا أن ريح التطورات جاءت بما لا يشتهى، وعصفت جائحة كورونا بإنجازاته الاقتصادية التى كان يفاخر بها، وأفقدت الاقتصاد الأمريكى نحو ربع ناتجه القومى الإجمالى، ثم جاءت مقتلة الأسود “جورج فلويد” الشنيعة، وأثارت ضده الشارع الأمريكى، ولم تفلح إيحاءاته بالتوصل إلى لقاح ضد كورونا قبل إجراء الانتخابات، ولا تبدو محاولاته لتحسين خطوط دفاعه مؤكدة النفع، فقد صرف غاية جهده لكسب جمهوره المتعصب عرقيا ودينيا، وحشد اليمين المسيحى معه، خصوصا من جمهور الإنجيليين المحرفين، أو ما يعرف عندنا اصطلاحا باسم “المسيحية الصهيونية”، استنادا لكون نائبه “مايك بنس” من رموزها الأصولية، ثم زاد ترامب من وتيرة خدماته المتلاحقة لإسرائيل، ولجماعات الضغط اليهودى الأمريكية، وعلى أمل كسب نفوذها المالى والدعائى، وقاد ترامب أتباعه العرب بالتوازى إلى اتمام اتفاقات الهرولة للتطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلى، وقد يكون لذلك كله أثر انتخابى ما، لكنه لا يبدو حاسما عند عامة الناخبين الأمريكيين، الذين يهتمون عادة بأوضاع الاقتصاد المتردى أكثر من أى شئ آخر، ثم بفرص الخلاص من جائحة كورونا، التى هددت بابتلاع ما تبقى من الحلم الأمريكى، ومن شعار ترامب الدعائى “أمريكا عظيمة مجددا”.
وقد يؤدى شعور ترامب بالخطر المتزايد على مصيره الشخصى، إلى الاتجاه لقلب الطاولة، وإشعال حروب جديدة، ليس داخل أمريكا وحدها، بل على اتساع المعمورة، وفى ضربات متناثرة، قد يرى ترامب أنها تجلب له تأييدا يحتاجه بشدة، وقد بدا لوقت، أن حروبه التجارية مع التنين الصينى قد تفيده ، لكنها لم تؤت الأثر المطلوب، وهو لا يملك بالطبع فرصة إشعال حرب عسكرية ضد الصين، ولا ضد جوارها فى كوريا الشمالية، التى أفشلت مساعيه فى دفعها لتوقيع اتفاقية التخلى عن الأسلحة النووية، فكوريا الشمالية تحتمى بالمظلة الصينية، وبدعم روسيا، وهو ما قد يدفع ترامب إلى تجريب حظه فى صحراء الربع الخالى، أى فى المنطقة العربية وجوارها الإيرانى بالذات، وهو ما يفسر تحركات ترامب الأخيرة فى العراق، وتهديدات وزير خارجيته مايك بومبيو، والتجهيز لقرارات غلق أو نقل سفارة أمريكا بالعراق من بغداد إلى المنطقة الكردية الآمنة نسبيا فى “أربيل”، وإفساح المجال لضربات أمريكية نوعية، تريد بها اصطياد قادة المليليشيات التابعة لإيران فى العراق، وعلى نحو يتواقت مع تهديدات إسرائيلية معلنة باغتيال حسن نصر الله زعيم “حزب الله” اللبنانى، والمعنى ببساطة، أن ترامب يريد نصرا عسكريا بأقل تكلفة، قد يفيده انتخابيا عند الجمهور الأمريكى، بعد أن بهتت ذكريات عملية اغتيال القائد الإيرانى قاسم سليمانى فى بداية العام الجارى، وقد يفعلها ترامب مجددا، وعلى طريقة شمشون، وبهدف كسب الفرصة الانتخابية على جثث أعدائه.
المصدر: القدس العربي
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى