مقالات

حـقـيـبــة سـفــر.. مـحـطــة رقــم “3”

أبـو عـبـيــدة 

خاص “المدارنت”... من خريف إلى خريف، ليس أكثر من عام في حساب الناس. أما في زمن المهاجر فهو، كخمسين سنة حمل وأنت تنتظر المخاض، تلفحك ريح لم تألفها بشرتك السمراء، وتتآخى عظامك ورخام المقاعد في محطات القطار، وترى الشرطة أينما حاولت الفرار وفي كل الوجوه، تتعلم لغة الصمّ قبل لغة البلاد والبشر، وتزعجك بسمات الآخرين بعد كل كلمة تنطقها وقد تعلمتها سمعا، وأنت إلى البارحة فقط، كانت كل الأصوات تصلك بلغة أمك، وعصافير أبت أن تهاجر معك.

في القطار الأحمر السريع من روما إلى الشمال الإيطالي على الحدود السويسرية. الرحلة بين عصر وليل، والمهاجر يصبح عبداً للمقارنة في كل شيء ومن أول لحظة في رحلة الأمل.

زجاج النافذة السميك كأنه شاشة تلفاز كبير، يبث مشهداً صامتاً، لإعصار من الألوان، يسرع في السهول والهضاب والبيوت والناس، وأنت حديث العشق للمكان، فلا تجد أغنية او موسيقى تلائم الحدث وصمت الحنين.

في الشمال لا ينتظرك أحد، أما في وطنك، فأينما سافرت او قصدت سيكون بانتظارك، صديق عزيز، قريب، مشتاق، شارع تعرفه او مدينة تسرقك.

كان يتمايل في معطفه الأسود، وهو يردد أغنيته الأكثر شهرة ذاك العام، عرفت كلماتها بعد شهور من مضغي للغة الإيطالية، زوكّيرو فورناشاري، المغني الإيطالي من تلفاز في زاوية مقهى محطة القطار في كومو، كان يردد ويردد (أشعل الشيطان الموجود داخلي). وانا أعود وأردد طلبي للجابي فنجان اكسبرس آخر، هرباً من برد ليل أيلول، والصقيع المرسوم على الوجوه الغريبة التي تنتظر موعدها مع قطارات الليل، للعودة إلى بيوتها او ملاجئها، أما نحن الثلاثة، فكانت المحطة حبسنا الاختياري لعدة ايام، فبيوتنا أصبحت بعيدة، وانت بعيد عن سريرك، او سعال والدك او دعاء امك في أعماق الليل، قد يطول ليلك، وتشتاق للفجر راجياً ان يكون في شمسه طرف من رائحة الشرق.

حقيبة الكتف لا تغادرك أبدا، وكأنها حقيبة الساحر الغيور على اسراره، وتتحسّس جواز سفرك حتى يتأفف، وتعيد عدّ نقودك القليلة مئة مرة، وترسم خططاً للتقشف، وجبة واحدة قد تسدّ الجوع، ولفافة تبغ على مراحل، مع ثلاثة او اربعة فناجين من الاكسبرس، فالليل طويل.

وهي سياسات الدول وتلاعبها بحياة البائسين، تدرس اقتصادها واحتياجات أسواق العمل، لتدرك حاجتها لعمال من دون خبرة تصلح للاعمال الوضيعة، واللاجىء البائس، يبيع كل خبراته إن كان يمكلها أصلاَ في سبيل لقمة العيش، فكان طريق الأمل بين ايطاليا والشمال الأوروبي مزدهراً، ولكن ربما فقط لشهر او شهرين قبل وصولنا روما.

الشرطة السويسرية، كانت قد أحكمت خناقها على رقاب الحالمين، وجعلت من حدودها درعا يحمي رعاياها من الطامعين، أيها المهاجر المسكين، إن ثيابك المتعبة من رياح السفر، أحلامك الهاربة من جنون الحرب، نظراتك التائهة في الوجوه، تبحث عبثاً عن إجابة أمل، بأنك في المكان الصحيح، لن تكون بعد اليوم إلا البائس الطامع في خير الآخرين.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى