مقالات

حـقـيـبــة سـفــر.. مـحـطــة رقــم “4”

     أبـو عـبـيــدة

خاص “المدارنت”… وتسألك الناس أنت من؟ ومن أين انت؟ فالمهاجر غريب، دخيل، طامع، ويبقى تحت مجهر الإتهام، الى أن يثبت براءته، أو انتماءه الى مكان أو نوع من البشر.

اعداد الطامعين على ضفاف بحيرة كومو على الحدود مع سويسرا، آخذ في الازدياد، كحال غيوم أيلول الرمادية في خريف ذاك العام، قد يصعب عليك استئصال الرمادي من محيطك في ايامك الأولى كمهاجر، الطرقات رمادية، الوجوه، سطح الماء، ثياب شرطة الحدود ولون أحلامك رمادية.

ضجّت المدينة بحفنة من البائسين، وهي لم تعرف يوماً الغريب إلا عابراً باتجاه الشمال، فإيطاليا، التي ذاقت ويلات خسارة حربين، وانتحبت لهجرة الملايين من رعاياها الى أطراف المعمورة طلباً للرزق، أصبحت بين نهاية صيف وبداية خريف ولأول مرة في تاريخها الحديث، محطة للمهاجرين.

مئات من الأجساد المنهكة، في مجموعات كالطيور المهاجرة وقد اضلت وجهتها، كلٌ مع شبيهه او رفيق دربه، القلق والخوف يلخصان حال أبناء الوطن الواحد. الطوائف المتناحرة على ما بقي من شبه وطن، اجتمعت على اللاشيء في محطات قسرية على ضفاف بحيرة، لم تألف هذا النوع الرديئ من السياح.

أصحاب المنتجعات والمقاهي، ناشدوا رؤساء البلديات ومخاتير المناطق، أن جِدوا حلاً للبؤساء، وكم هو مُحزن أن تكون كبضاعة كاسدة عند مرفأ، فأنت وثيابك، شعرك الأجعد، وبسماتك المجانية للمارة، كلها ألوان شاذة في جمال اللوحة.

كانت عملية فرز الطيور الشاردة الى أسراب، ليسهل تدجينها، وتم توزيعها وفرزها على قرى الضواحي المحاذية للمدينة، الأكثر جمالا في الشمال الإيطالي.

وكان شتاء البؤس، وإعادة تصنيع وتفعيل وطن الطوائف، حتى في أصغر المجموعات، وحالنا، نحن الثمانية عشر، لم يشذُّ عن القاعدة طبعاً، وأثبتنا لأنفسنا قبل الآخرين، بأننا لا نعرف بناء وطن، على الرغم من وحدة الألم والمعاناة. فبعد الله الواحد، كان المجد، كلّ المجد للطائفة، فكان لبناننا مهاجراً معنا، غرف حزينة، كانت جدرانها حدوداً بين طوائف الأمس واليوم.

فأنت حين تمضغ سوء المواطنة، والعيش المشترك في وطنك، ستبكي عين، ولكن أن تعيد الكرّة في غربتك، سيبكي الفؤاد وينتحب الكبد.

تقاسمنا عطف وهبات المحسنين، وتم توزيع الغنائم، وغريب أن يكون للمهزوم غنائم، فنحن وكما كنا، مهزومين أمام الحصصة الطائفية في الوطن البعيد الحاضر دائماً، عدنا وانهزمنا أمام عبوديتنا للطائفة، أيامنا كانت طويلة وليلنا كان أطول، فليل المهاجر يحمل الحنين، ويذكرك بقسوة، بأنك في بلد بعيد غريب، وبين أخوة الأمس، وكم هم غرباء ايضاً، فيصدع صوت مارسيل ويدندن عوده، منقباً في جواز سفر درويش، ليمتص البريق من العيون الدامعة.

الفجر وفيروز يرحلان بك الى الوطن، أو يحملان اليك وطناً منتقصاً من فنجان قهوة الصباح، وأمك منهمكة بين إصلاح منديلها ومداعبة ورداتها.

فالمهاجر وايامه الأولى،ليس أكثر من مشترِ للصور، ليس أكثر من عبد للمقارنة، ليس أكثر من منتظر في محطة، ولا يملك ثمن تذكرة للسفر، ولا يعرف مواعيد القطار.

                                                            

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى