خضر بريطانيا.. صهيونية عنصرية في فلسطين التاريخية!
“المدارنت”
ليس تطوراً مألوفاً أن يرتقي الخطّ السياسي والإيديولوجي لحزب رئيسي في بريطانيا، ممثل في مجلس العموم، وينتسب إليه قرابة ربع مليون ناخب، إلى درجة اعتبار الصهيونية «شكلاً من أشكال العنصرية»، فيصوت خلال مؤتمره السنوي العام على معاملة الفكر الصهيوني «كأي شكل آخر من أشكال العنصرية»، ويذهب أبعد فيطالب بإقامة «دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على كامل فلسطين التاريخية».
وفي بلد كان حاضنة وعد بلفور المشؤوم لسنة 2017، الذي «نظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، والتزم ببذل «أقصى الجهود لتحقيق تلك الغاية»، ليس خياراً عادياً أن يؤكد قرار مؤتمر الخضر على دعم تحرير فلسطين، وضمان حق الفلسطينيين في العودة، وتأييد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على دولة الاحتلال، والدعوة إلى حظر شامل على تصدير الأسلحة إليها، فضلاً عن تشديد بالغ الدلالة على عدم مساواة مناهضة الصهيونية بالعداء للسامية.
وليس من دون مغزى خاص أن القرار شهد الكثير من الشد والجذب داخل المؤتمر وخارجه على صعيد الحزب نفسه، ثم المشهد السياسي والحزبي والجماهيري العريض في بريطانيا، فتمّ إقراره بتأييد 1022 عضواً ومعارضة 813، وكان في صفوف المعترضين عليه ممثلو الحزب الخمسة في مجلس العموم. وأما رئيسه زاك بولانسكي فقد تغيّب عن جلسة التصويت، ولكن يُحسب له استخدام مفردة الإبادة الجماعية في توصيف جرائم الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة.
وقد يساجل البعض بأن للقرار قيمة معنوية ورمزية، وقد لا يخدم القضية الفلسطينية إلا في مستوى العلاقات العامة واستنهاض التضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني، وهذا افتراض صحيح بالطبع، ما خلا أن للقرار مفاعيل أخرى ليست أقل أهمية وحيوية وضرورة. ذلك لأنه يسجل اختراقاً نوعياً وحاسماً لحال من التردد أو الوسطية أو حتى التخاذل تجاه حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة ضد قطاع غزة، عمّت صفوف أحزاب أخرى تمثل تيارات الخضر في أوروبا، وقد تكون خيارات حزب الخضر في ألمانيا هي النموذج الأبرز المعبّر عن تلك الحال.

جانب آخر لقيمة هذا القرار أنه يضع حزب «العمال» البريطاني الحاكم في حرج مزدوج، سياسي وإيديولوجي، أمام ناخبيه وأنصاره من المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، فإما أن يطور أكثر فأكثر خط التصحيح للسياسات المشينة التي اعتمدها الحزب والحكومة خلال ولاية كير ستارمر، أو المراوحة في المكان وإفساح المجال أمام الخضر كي يستقطبوا إلى صفوفهم المزيد من أعضاء «العمال» غير الراضين عن أداء حكومة آندي بيرنام في ما يتصل بالقضية الفلسطينية عموماً وحرب الإبادة في قطاع غزة خصوصاً.
وللوقوف على قيمة قرار حزب الخضر البريطاني، يكفي استعراض ردود الفعل الهستيرية التي صدرت عن الساسة الإسرائيليين، ابتداء من وزير الخارجية الذي رفع فزاعة العداء للسامية المألوفة فوصم بها الحزب وحظر على رئيسه اليهودي دخول دولة الاحتلال، وليس انتهاء بزعيم ما يُسمى «المعارضة» يائير لبيد الذي أدان القرار ونزّه الصهيونية عن العنصرية ووصم بها الخضر أنفسهم.



