خـــــــــلــــدة..!

خاص “المدارنت”..
مجرّد شعور بالوطنية يحثّني على الكتابة عن فوضى، قد تنتج حربًا أهليّة يمنعُها تمامًا هو نفسُه من يساهم بإشعالها. لا أهذي بكلامي هذا، وبطبيعتي الإيجابيّة التّي يؤكّد عليها من يعرفني بشكل شخصي.إنّما أحاول وضع الأفكار التي أنتجها خيالي التحليلي. وأنا لا أدعي التحليل السياسي.
إن مجال عملي التربوي، قد جعلني أضع تصوّرات هي أشبه بمسار تطوّر (سلبًا وإيجابًا) للشخصية الفردية والجماعية. وما أودّ قوله هو تعقيد الشخصية الجماعية من خلال فهمها بمنظار فردي. بمعنى أن نتعاطى مع شخصيّة فرديّة لحزب جماعي. والفترة التي تلزم أي شخص للتمييز بين الهويّة الفردية والهويّة الجماعيّة هي مساحة زمنية قصيرة ليعيث خرابًا..
ثم يُعلن عدم مسؤوليّة شخصيّته الجماعية (كمكوّن وطني لا إجماع عليه)، والفوضى الحاصلة ليست سوى “خربشات” أفراد من أنصاره وهم غير منتمين له. وهنا لا بُدّ من الحديث الفلسفي الذي يتجاهله الفرد كما يتجاهله العقل الجمعي، كتحصيل حاصل إذا ما اعتبرنا بأن العقل الجمعي هذا هو بالأصل ضميرُ فردٍ، تناسلته عقول الأفراد لتولّد عقلاً جماعيًا قد يظلم في أغلب الأحيان.
وأذكر هنا تمامًا فيلم “زوربا” اليوناني، الذي صوّر العقل الجماعي بشكل واقعي وهذا يختص بمجتمعاتنا الشرقيّة، حيث ينظر السكان إلى إمرأة أرملة على أنها عاهرة، فقد إختارت أن تعيش بمفردها وتكمل حياتها حرّة في خيارها من تُحبّ بعد زوجها المُتوفّي.
وفي الواقع المرير، لا يستوعب مُجمل الناس بأن هناك فرق بين العام والخاص، الحياة الشخصية هي مساحة خاصّة، والحياة المُشتركة الجماعية تقع في المساحة العامة. ومشكلتنا في لبنان، وقد يحصل ذلك في مجتمعات شبيهة التكوين، أنّنا نخصّخص العام ونعمّم الخاص. وخصخصة العام تُفضي بالمسؤولين العاملين في الشأن العام إلى الفساد، والهدر والتعامل مع اللإمكانيات المُتوفّرة لديه وكأنها ملكٌ له وليست للناس، وهذه عوامل تُخرّب الوطن.
أمّا الشقّ الثاني، فيعود إلى قلّة وعي أنتجتها موروثات تُطلق أحكامًا مُسبقة على أي انسان (ذكرًا كان أم أنثى)، فتُقيّد بالتعاون مع زميلتها “التعميمات”، حريّة الفرد في حياته الخاصة، والأسوأ من ذلك، في ظل وجود ما يُسمّى بوسائل التواصل الإجتماعي، أن من يعترض على تدخّل العامة بحياته الخاصة، يهزأون به ويتنمّرون عليه، وكأنّه مرتكب الخطيئة التي لا تُغتفر، وفعلاً هي لا تُغتفر من العقل الجمعي.
وقد أنجزتُ بحثًا منذ فترة عن مفهوم الهويّة الشعبية، وكيف تتناقل المعرفة بالتواتر من جيل لآخر، والخلاصة التي أجزم حصولها، أن مصدر المعرفة الوحيد الذي يُعتبر مصدر غذاء الهوية الشعبية الجماعية، هو ألسنة الناس، وهنا يُستحسن بنا استعمال هويّة كُليّة وليست جماعية. فالجماعة يجمعها عدّة روابط (لغة/ حقوق/ واجبات/ هموم مشتركة/ شأن عام..) بينما “الكل” مُصطلح يجمع أفرادًا، ويصهرهم في بوتقة الجماعة من دون الإلتفات إلى الإختلاف المشروع بين بعضهم البعض.
وقد فرحتُ كثيرًا ببداية الثورة (17 تشرين الأول)، فخلال مشاركتي بحلقة نقاش في إحدى الخِيَم، قدّمتُ نفسي كلبناني، وقد يُشاركني الكثير بذلك، وما قلته ليس شعرًا أو إنشاء، بل الواقع: وُلدت في “الدكوانة”، وقضيت طفولتي متنقّلاً قسرًا بين تلّ الزعتر، برج حمّود، ثم صيدا في أكثر من حيّ، ثمّ تزوّجت وقطنت في مدينة صور، وأنتقلّ الآن بحكم عملي بين فرن الشبّاك وبرج الشمالي.. والخبير بالهويّة اللبنانية، يدرك تمامًا رمزيّة المناطق التي ذكرتها، من ناحية الولاء للزعيم الفلاني والحزب الفلاني.
وفي عودة إلى حادثة خلدة، وعلى مضض، يؤسفني بأن مفاتيح عقول الناس المقهورين والمظلومين والجائعين، ما تزال في أيادي زعماء الأحزاب، وقد أعلنت الأبواق الإعلاميّة بأن الأمن والهدوء عادا تمامًا، والفضل للأمير طلال (أرسلان) ووليد بك (جنبلاط) والشيخ سعد (الدين الحريري) والمفتي (عبد اللطيف) دريان…
ما نحتاجه فعلاً، هو العودة إلى الإنسان الحقيقي في داخلنا، فالتابع كالجمر تحت الرماد، يلسع من يحاول إزاحة الرماد، ووطننا لا يُبنى بالرماد بل بالطوب الأصيل.



