مقالات

دور المسيحي العربي.. إميل البستاني نموذجاً*

محمد السمّاك/ لبنان
“المدارنت”..
ليست صناعة التاريخ ككتابته
الذين يصنعون التاريخ يكونون جزءاً منه، منغمسين في أحداثه ووقائعه. أما الذين يكتبونه فغالباً ما يأتون لاحقاً تفصلهم عن الحدث أزمان وأحقاب. ولكن هناك حالة ثالثة، وإن كانت نادرة جداً، وهي أن يكون صانع التاريخ كاتبه في الوقت ذاته.
في عام 1943 عندما دخلت الحرب العالمية الثانية مرحلتها الأخيرة، قال الرئيس البريطاني ونستون تشرشل للرئيس الأميركي ثيودور روزفلت وللرئيس السوفياتي جوزف ستالين: “إن التاريخ سوف يصدر حكمه لمصلحتنا.. لأنني أنا من سيكتب التاريخ”.
وبالفعل في صيف 1945 بعد أن وضعت الحرب أوزارها انسحب تشرشل من الحياة السياسية وانكب على كتابة مذكراته عن الحرب. وتقع هذه المذكرات في ستة أجزاء، صيغت بالأسلوب الأدبي الراقي الذي عُرف عن تشرشل، الأمر الذي مكنّه من الحصول على جائزة نوبل للآداب في عام 1953.
لقد صنع تشرشل من نفسه أسطورة. ولا تزال هذه الأسطورة حيّة حتى اليوم. وجعل من معارضيه الذين كانوا يطرحون فكرة الحوار والمفاوضات مع النازية إما خونة أو قصيري النظر لا يصلحون لقيادة الدولة. وجعل من روزفلت وستالين، بطلين وشريكين له في الانتصار على النازية.
توج تشرشل صناعة التاريخ بالانتصار في الحرب. وتوج كتابة التاريخ بجائزة نوبل للآداب. عمل مؤرخون كثيرون على كتابة تاريخ الحرب العالمية الثانية، ولكن لم يخرج أي منهم أو لم يتمكن من الخروج – عن الدائرة العامة التي رسمها تشرشل في مذكراته، وهي الدائرة التي تجعل منه محور الحرب في مواجهة هتلر، وتجعل من حليفيه روزفلت وستالين شركاء في ملحمة الانتصار.
أنصف التاريخ أيضاً الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ليس لأنه تولى كتابته بنفسه كما فعل تشرشل، بل لأن أحد أقرب معاونيه وأوفى مستشاريه الأستاذ محمد حسنين هيكل، تولى هذه المهمة السياسية الأدبية.
اميل البستاني لم يكن تشرشل ليكتب الدور الذي قام به في التاريخ العربي الحديث. ولم يهيئ الله له كاتباً من معاونيه ومستشاريه ليقوم بدور مماثل للدور الذي قام به الأستاذ هيكل.
ولذلك فإننا لا نستغرب إذا وجدنا الكثيرين من العرب اليوم لا يعرفون عن اميل البستاني سوى أنه كان رجل أعمال ومشاريع وإنشاءات كبيرة وطموحة، وأن كثيرين من اللبنانيين اليوم ربما لا يذكرون عنه سوى حادثة وفاته المفجعة.
لست مؤرخاً لأروي قصة اميل البستاني ودوره كمسيحي لبناني في أهم قضية عربية حديثة. ولكنني كصحافي كنتُ مقرباً منه، عرفت شيئاً وغابت عني أشياء.
ففي عام 1956 تعرضت مصر لعدوان عسكري ثلاثي بريطاني فرنسي إسرائيلي رداً على تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس. احتلت فرنسا وبريطانيا مدن القناة واحتلت إسرائيل صحراء سيناء حتى الضفة الشرقية للقناة. ومع هذا الاحتلال بدا وكأن شوكة العرب قد كُسرت، وأن ذراع نهضتهم القومية الاستقلالية قد لويت.
كان هناك ردا فعل. تمثل ردّ الفعل الأول في نشر ثقافة معاداة الاستعمار (بتشديد الراء) لرفع المعنويات واستنهاض الهمم حتى أصبح كل ما هو أجنبي استعماري. بل حتى أصبح كل من لا يجاهر بعدائه للاستعمار (وبتشديد الراء) عميلاً له ومعادياً للقضية العربية.
أما رد الفعل الثاني فقد كان عقلانياً، إذ توجه نحو البحث عن وسيلة عملية وفعالة لإلغاء مفاعيل الاحتلال ولإزالة آثاره. وكان هذا يتطلب، أولاً معرفة بكيفية صناعة القرار السياسي في دولة كبرى مثل بريطانيا أو فرنسا. وكان يتطلب ثانياً وجود علاقات شخصية مباشرة مع صنّاع القرار.
كان اميل البستاني من الشخصيات القليلة في عالمنا العربي الذي امتلك مفتاحين معاً. مفتاح المعرفة ومفتاح العلاقات. وكان في الوقت ذاته يمتلك مفتاحاً ثالثاً هو ثقة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
ولعل مصدر هذه الثقة هو أن مشاريع اميل البستاني في أفريقيا التي كانت تنفذها شركته (الكات)، كانت تشكل أول إطلالة عربية إنمائية في القارة السمراء. وكان عبد الناصر رئيس أكبر دولة أفريقية عربية معنياً بحركة التحرر الأفريقية وبالعلاقات العربية الأفريقية. ولذلك كان يرى في دور اميل البستاني في أفريقيا دوراً وطنياً وليس اقتصادياً فقط. فالمشاركة العربية في التنمية الأفريقية تعزز العلاقات العربية الأفريقية وتتصدى في الوقت ذاته لمحاولات إسرائيل وراثة الاستعمار الغربي للقارة السمراء. ولقد قام اميل البستاني بهذا الدور على أحسن وجه. وكان رائداً في ذلك.
لم تبرز شخصية عامة في الوطن العربي من المسلمين أو المسيحيين تجرؤ على التباهي، ولو داخل الدوائر السياسية العربية المغلقة، بأن لها علاقات مع أي من دول العدوان الثلاثي على مصر. فبعد انتشار ثقافة معاداة الاستعمار، كان يكفي مجرد الظن بوجود مثل هذه العلاقة مع أي شخصية عربية حتى يتحول الاتهام محرقة لها، معنوياً وشخصياً أيضاً. وذلك رغم أن الوطن العربي كله وليست مصر وحدها كان بحاجة الى مثل هذه الشخصية.
وفي الواقع، كانت هناك شخصيات عربية تتمتع بعلاقات وطيدة مع شخصيات فاعلة ومؤثرة في صناعة القرار في كل من لندن وباريس. ولكن لم تبادر أي منها الى الإعلان عن نفسها والمغامرة بركوب هذا المركب الخشن، ليس خشية على نفسها وعلى مصالحها فقط، ولكن إدراكاً منها بأن اللعبة السياسية، وبخاصة بعد أن اتخذت بُعداً عسكرياً، أصبحت أشد تعقيداً واستعصاءً .
غير أن اميل البستاني كان شخصية مختلفة. كان محباً للمغامرة، باحثاً عنها ومقتحماً لها. وكان واثقاً من نفسه ومن متانة علاقاته. فقد رأى مثل كثيرين غيره أن التغيرات السياسية والعسكرية أغلقت كل الأبواب أمام أي إمكانية للالتفاف على الأزمة باستثناء باب واحد يمكن الدخول منه هو باب العلاقات الشخصية. وكان اميل البستاني يتمتع بثروة من هذه العلاقات مع شخصيات فاعلة ومؤثرة في عملية صنع القرار البريطاني. وكان يعرف، وهو الملم بمداخل ومخارج الدوائر البريطانية الثلاث : 10 داوننغ ستريت ومجلس العموم وفليت ستريت (شارع الصحافة)، كان يعرف الجامع المشترك بينها وأين يؤثر أحدها على الآخر وكيف… وبالنتيجة كان يعرف قواعد عملية اتخاذ القرار.
إلا أن هناك جانباً آخر من شخصية اميل البستاني ابن قرية مسيحية صغيرة (الدبية) في جبل الشوف. فقد كان محباً للإعلام. ليس كمتابع للحدث فقط، ولكن كصانع له. إن اليوم الذي كان يمر من دون حديث معه، أو حديث عنه، كان بالنسبة اليه كيوم لم تطلع عليه الشمس. ولأنه كان يعرف أن من المهمات ما يتطلب من السرية إنكار الذات، لم يتردد في إنكار نفسه وإخفاء دوره حتى بعد سقوط حكومة أنطوني ايدن إثر الحملة التي تعرضت لها على خلفية العدوان على مصر. لم تصدر في الصحافة البريطانية أي إشارة عن اميل البستاني أو الى الدور الذي قام به والذي أدى (مع أدوار أخرى وعلى رأسها صمود الشعب المصري وصمود قيادته)، الى تلك النتيجة التاريخية. فالسقوط السياسي لحكومة إيدن أسقط الانتصار العسكري الثلاثي في السويس. ذلك أن ذلك الانتصار العسكري كان في أساسه انتصاراً وهمياً. والانتصار الوهمي هو أسوأ أنواع الهزيمة. تصوروا رجلاً محباً للإعلام ساهم في هذا الإنجاز التاريخي، يتصرف مع الإعلاميين وكأنه لا علاقة له بكل ما حدث.
انسحبت قوات الاحتلال بعد الموقف المبدئي الذي اتخذه الرئيس الأميركي الجنرال ايزنهاور واستعادت مصر سيادتها على قناتها ومضت قدماً في بناء السد العالي بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي. وفر هذا الانتصار المعنوي قوة دفع جديدة لثقافة معاداة الاستعمار في الإذاعات والصحف (أحمد سعيد)، كما شجعت تلك الثقافة المستمرة حتى اليوم- على توجيه الاتهام الى كل شخصية عربية لها مصالح أو علاقات مع فرنسا أو بريطانيا بالعمالة للاستعمار. ولم ينجُ اميل البستاني نفسه أحياناً من هذه التهمة. مع ذلك فقد أخفى عن أصدقائه الإعلاميين، وهو المحب للإعلام، الدور الذي قام به. وفي الوقت ذاته استمر يستقبل في بيروت ضيوفه من سياسيين وإعلاميين بريطانيين من الذين تعاونوا معه، وتعاون معهم، ليس وفاءً لدورهم فقط، ولكن تعزيزاً لقوة الاحتياط لديه من الأصدقاء. حتى إذا ما احتاجت اليه أمته للقيام بمهمة أخرى، يكون متمكناً ومستعداً. غير أن الذين لم يكونوا على بيّنة من هذا الأمر، كانوا يوجهون اليه الاتهام بأنه صديق للاستعمار (وبتشديد الراء). والدليل على ذلك هو تدفق هؤلاء “العملاء”!!.
نجح اميل البستاني، رجل السياسة ورجل الأعمال اللبناني المسيحي، في أن يسوّق قضيته العربية على أنها قضية عادلة وعلى أنها في عدالتها لا تتناقض مع المصلحة البريطانية، ونجح في إقناع الذين تعاونوا معه من السياسيين والإعلاميين البريطانيين أنهم بذلك يخدمون دولتهم ومصالحها أيضاً. لم يشترِ ذمماً ولم يحول شخصيات بريطانية سياسية أو إعلامية الى عملاء له. هذا كلام ساذج وسخيف. ولكنه أقنع هذه الشخصيات بأن مصالح بريطانيا في ومع العالم العربي، تتطلب موقفاً ضد الاحتلال ويحترم الحقوق الوطنية للشعب المصري.
كيف فعل ذلك؟ كيف نجح في توظيف الإعلام والأعمال والعلاقات الخاصة في اقتحام معقل صناعة القرار في دولة كبرى؟. إنه سر اميل البستاني، لم يكتبه بقلمه ولا كُتب بقلم غيره. لقد ذهب، وسرّه ذهب معه.
* نشرت في 23/أيلول/2013
=========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى