سكانٌ في إدلب السورية يستقبلون الشتاء بموتٍ متعدد الأشكال.. “أينما حلّوا وارتحلوا”..

تتعددٌ أشكال الموت في محافظة إدلب في الشمال الغربي لسوريا، وتلاحق جميع السكان بأصنافهم المختلفة وفئاتهم العمرية المتنوعة.
فما بين موتٍ بالقذائف والقصف في القرى الجنوبية. هناك موتٌ آخر في الشمال مع الحدود الفاصلة مع تركيا بدأت أولى تبعاته بالظهور بعد سقوط أمطارٍ غزيرة في بداية المنخفض الجوي، والتي أدت بدورها إلى فيضانات كبيرة جرفت معها عشرات من خيام النازحين.
ومع ما يشهده جنوب إدلب وشمالها يواجه السكان الذي يفوق عددهم 4 ملايين نسمة فيروس “كورونا المستجد”، والذي يشهد معدل الإصابة به ارتفاعاً كبيراً، مع تخوف من فقدان السيطرة عليه، وخاصةً في المخيمات، التي يبحث ساكنوها الآن عن طرقٍ، من شأنها أن تبعد مياه الأمطار عن خيامهم، وتحمي ما تبقى لهم من أثاثٍ وأدوات منزلية، وهي آخر ما تبقى لهم بعد رحلة نزوحهم الأخير.
من مدينة معرة النعمان في الريف الجنوبي لإدلب نزح “أحمد الحسون” منذ أشهر في أثناء الحملة العسكرية الأخيرة لقوات الأسد وروسيا، واتجه إلى تجمع مخيمات “دير حسان” في ريف إدلب الشمالي، والتي شهدت في الساعات الماضية تضررا كبيرا للمخيمات فيها، بعد تشكل السيول والفيضانات، جراء الأمطار الغزيرة.
يقول “الحسون” في تصريحات لـ “موقع الحرة” إن “المدني القاطن في مدينة إدلب لا يفارق الموت في حلّه وترحاله”، وهنا تتعدد الأشكال باختلاف المناطق سواء القريبة من خط الجبهات أو البعيدة، وما بينهما هناك قاتل آخر ينتشر ببطء وقد تزداد شراسته، في الأيام المقبلة.
ويضيف المدني (37 عاما) أنه كان قد فقد اثنان من عائلته في القصف الأخير، أكتوبر الماضي، الذي تعرضت له مدن وبلدات الريف الجنوبي لإدلب، من جانب قوات الأسد، وهو الآن يواجه مع أفراد عائلته (أمه وأبيه، وزوجته وأبنائه) موتٌ آخر مع دخول فصل الشتاء، وما يرتبط به من كارثة متوقعة لقاطني المخيمات، الذين يتمنون أن يتوقف الزمن في كل عام عند سقوط أولى زخات المطر.
ما تشهده إدلب كانت الأمم المتحدة قد وصفته، مؤخرا بـ “أكبر كارثة في القرن الـ21″، محذرةً من استمرار عمليات القصف من جانب قوات الأسد، والتي قد تجبر مئات النازحين الجدد إلى ترك منازلهم، والتوجه للعيش في المخيمات الحدودية، والتي تعتبر أكثر أمانا قياسا بالمناطق الواقعة في الريفين الجنوبي والشرقي.
لم يتوقف القصف ومازال مستمرا حتى الآن، وكان آخره أمس، حيث استهدفت قوات الأسد مدينة أريحا في الريف الجنوبي بقذائف المدفعية، ما أدى إلى مقتل 4 مدنيين، بينهم عمال إغاثة، وإصابة عشرة آخرين، وحسب ما قال ناشط إعلامي في تصريحات لـ “موقع الحرة” فهناك تخوف كبير ولاسيما في مدن منطقة “جبل الزاوية” الواقعة في جنوبي إدلب من إقدام قوات الأسد على شن عملية عسكرية في المنطقة، وهو أمرٌ تمهد له كما هو متعارف عليه قذائف المدفعية وغارات الطيران الحربي الروسي.
ومع انتشار أخبار القصف في أريحا بالريف الجنوبي وتداول أعداد الضحايا إثر الموت بالقذائف، تواردت أخبارٌ أخرى من الريف الشمالي على الحدود مع تركيا تفيد بغرق عشرات الخيام إثر الفيضانات التي ضربت المنطقة، مع بدء هطول الأمطار الغزيرة.
فريق “منسقو الاستجابة في الشمال”، وهو فريق مختص بتوثيق الأضرار الإنسانية في محافظة إدلب نشر صورا من المخيمات المتضررة، وخاصة تلك المعروفة بـمخيمات “دير حسان”، وقال إن عدد المخيمات المتضررة جراء الفيضانات بلغت حتى الآن 51 مخيما في معظم المناطق الحدودية.
وأضاف الفريق الإنساني أن قاطني المخيمات الحدودية في إدلب يمرون بأوضاع إنسانية سيئة، بالتزامن مع بدء انخفاض درجات الحرارة وبدء الهطولات المطرية، داعيا “المنظمات الإنسانية بشكل عاجل إلى تحمل مسؤوليتها الإنسانية والأخلاقية اتجاه النازحين في مخيمات شمال غرب سوريا، والتي يقطنها أكثر من مليون مدني لمواجهة فصل الشتاء”.
وتزداد المخاوف والتحذيرات الإنسانية الدولية في كل عام، بالوقع المأساوي ذاته الذي تتعرض له المخيمات في أثناء الهطولات المطرية الغزيرة، إلا أنها تعجز عن احتواء أزمةٍ باتت لزاما على النازحين في الجزء الشمالي من سوريا، بعد تسع سنوات، في ظل ضعف التمويل الدولي المخصص للملف السوري.
مع القصف في جنوب المحافظة والفيضانات في شمالها يستمر معدل الإصابة بفيروس “كورونا” بالارتفاع، في إدلب وريف حلب، وسط مخاوف من قبل منظمات طبية بخروجه عن السيطرة، ولاسيما مع دخول فصل الشتاء، والحديث عن بدء الموجة الثانية للإصابات.
وكحصيلة يومية تعمل على تسجيلها “وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة” فقد تجاوز عدد الإصابات بالفيروس في الشمال السوري الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة حتى الآن سبعة آلاف و500 إصابة، ومجموع الوفيات 42.
مدير البرامج المجتمعية في “وزارة الصحة” بـ “الحكومة المؤقتة”، الدكتور رامي كلزي يقول في تصريحات لـ “موقع الحرة” إن “الوضع في المخيمات صعب، لقلة الخدمات والاكتظاظ السكاني، وصعوبة إجراء الحجر الصحي لمصابي كورونا والتباعد الاجتماعي”.
ويضيف كلزي أن ارتفاع عدد الإصابات اليومي بفيروس “كورونا” في الشمال السوري يرتبط بزيادة عدد المسحات التي يتم إجرائها من جهة، وبسبب توسع انتشار الوباء من جهة أخرى، مشيرا “نقوم حاليا بأكثر من 1000 تحليل يومي ونعتمد على 3 مخابر فعّالة، على أن تزيد لتصبح 4 في الأيام المقبلة”.
وفي وقت سابق كانت الأمم المتحدة قد أعربت عن قلقها حيال ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات من جراء انتشار فيروس كورونا، في سوريا، مشيرة على لسان “ستيفان دوجاريك” المتحدث باسم الأمين العام إلى أن “الخطر العام لا يزال مرتفعا جدا، خاصة في المناطق التي يوجد بها عدد كبير من النازحين”.



