سوريا.. ما الذي كشفته الأحداث الأخيرة؟
“المدارنت”
سجّلت القوات الحكومية السورية تقدّما جديدا على أكثر من جبهة في شمال شرق البلاد، قابلتها انسحابات لـ«قوات سوريا الديمقراطية» وهي قوات كردية وعربية يقودها كرد موالون لـ«حزب العمال الكردستاني» التنظيم المسلّح الذي نشأ في تركيا عام 1978.
يجيء ذلك بعد سيطرة القوات الحكومية على حيّي الأشرفية والشيخ المقصود في مدينة حلب، ثم بلدتي مسكنة ودير حافر القريبتين، لكن العمليات العسكرية الجديدة شكّلت فارقا نوعيّا بالسيطرة على مدينة الطبقة وسد الفرات، غرب النهر، ومناطق في شرق محافظة دير الزور، التي تضم أبرز حقول النفط والغاز.
سبق هذه العمليات إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، مساء الجمعة، إصدار مرسوم خاص يؤكد فيه أن المواطنين السوريين الكرد هم جزء أساسيّ وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، ويحظر المرسوم أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقيّ أو لغوي. هدف هذا المرسوم، قبل العمليات العسكرية، إلى نزع ورقة مطالب القومية الكردية من «قوات سوريا الديمقراطية».
بعد إضعاف السردية القومية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» استهدفت السلطات السورية البنية الاجتماعية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» وذلك عبر مشاركة مقاتلين محليين من أبناء العشائر، بينهم مقاتلون انشقوا عن «قوات سوريا الديمقراطية» وهو ما أظهر التناقض الاجتماعي والسياسي الداخلي في منظومة «قوات سوريا الديمقراطية» التي حملت طابعا قوميّا كرديّا متشددا (مثل إغلاق المدارس العربية والمسيحية في محافظتي الحسكة والقامشلي) في الوقت الذي كانت نسبة كبيرة من مقاتليها عربا.
يظهر حماس السكان في المناطق التي دخلتها تلك السلطات، مثل مدن دير الزور والرقة والطبقة، وما اتهمت «قسد» خلال الانسحابات السريعة لها بفعله، من قبيل تدمير الجسر العتيق في الرقة، وتصفية سجناء في مدينة الطبقة، واستهداف قناصتها للمدنيين في الرقة، هشاشة المشروع السياسيّ لهذه القوات، والطابع الوظيفي والخدميّ لتكوينها، منذ تأسيسها عام 2014، على عجل، لتنفيذ العمليات الميدانية لـ«التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية» الذي أنشئ عام 2013، وللتصرف كـ»مقاول أنفار» أكثر من كونها منظومة عسكرية ذات مشروع سياسي حقيقي للسوريين الذين يقيمون تحت سيطرتها.
تبيّن تصريحات بعض قادة «قسد» التي تطالب الولايات المتحدة الأمريكية بدعمها لصد القوات الحكومية السورية هذا الجانب أيضا، وهو أمر تعرض لانكشاف بائس أيضا عبر مثال انسحاب القوات الأمريكية من حقل كونيكو في ريف دير الزور، والذي تبعته سيطرة قصيرة لـ«قسد» تبعها طردها من قبل الجيش السوري والعشائر ومن ثم السيطرة على باقي الحقول وكامل الريف الشمالي لدير الزور، وهو ما وصفه البعض بأن المشغّل يوقف التوكيل الذي كان ممنوحا لـ«الكردستاني» و«قسد» ونظيراتها بمسميات أخرى.
اختتمت التحرّكات العسكرية، التي بدأت في حلب واتسعت في اتجاه مدن «الجزيرة السورية» بلقاء ضم الرئيس السوري بالمبعوث الأمريكي توم برّاك، وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي، أمس الأحد، أدى إلى توقيع اتفاق جديد.
قضى الاتفاق بوقف كامل لإطلاق النار ودمج جميع مؤسسات «قسد» المدنية والعسكرية ضمن الحكومة السورية، وتضمن تسليم محافظتي دير الزور والرقة، ودمج كل المؤسسات في محافظة الحسكة، واستلام الحكومة للمعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، ودمج عناصر «قسد» العسكرية والأمنية ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية بشكل «فردي».
تطبيق هذا الاتفاق، سيعني، ضمن أشياء عديدة، أن ملف «قوات سوريا الديمقراطية» بتفاصيله الآنفة الشائكة، قارب على إغلاقه، وهو ما سيعني إغلاقا تدريجيا لملفّات معقّدة أخرى، منها ملف تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي ارتبط نشوء «قسد» بنشوئه، كما أنه يعني أن سوريا ستتدرج في اتجاه حالة «الدولة الطبيعية» وليس «الدولة المارقة» التي نسج نظام عائلة الأسد أركانها لأكثر من نصف قرن.



