مقالات

سيادة العالم بعد وباء كوفيد/ 19..

نبيه العاكوم/ لبنان

خاص “المدارنت”..

الأمر ليس بالبساطة؛ فليس هناك إستلام وتسليم. المسار التاريخي والأحداث العظيمة، ترسم معالم وجود تغيير في ميزان القوى بين الدول، وبالتالي تعتلي أمّة ما أو أكثر زعامة العالم. ومن الأهمية بمكان، الأخذ في الإعتبار معيار القوة، فهو يختلف من زمان إلى آخر.

قبل الحرب العالمية الأولى، كان معيار القوة هو القدرة العسكرية البحرية، وحجم المستعمرات ومواقعها. فكانت بريطانيا تتسيّد العالم بسبب قوتها البحرية، وأهمية وجودها في قناة السويس لموقعها الجغرافي، والهند لأهمية وحجم ثرواتها الطبيعية. كانت المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، بسبب اتساع رقعة مستعمراتها في مختلف أنحاء العالم، وتخوض حروباً متنقلة ضد فرنسا وروسيا ضمن ما يُعرف بـ”اللعبة الكبرى”.

عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت الولايات المتحدة بعيدة عن الصراع المدمر في أوروبا، على الرغم من عدم دخولها الحرب بسبب بعدها الجغرافي، أثبتت علو قدراتها العسكرية، وقدّمت لدول الحلفاء دعماً لوجستياً، ما أعطى لعملتها الدولار قوة وثباتاً أكثر في العالم.

عند انتهاء الحرب العالمية الأولى، واجهت بريطانيا ثورات في مختلف المستعمرات، مصر وبلاد الشام وبلاد الرافدين والهند، وكانت نظرية المؤامرة حاضرة في أذهان المسؤولين البريطانيين، أن ثمة من يريد الإطاحة بهم.

بين الحربين العالميتين، 1918 إلى 1939، عاش العالم مرحلتين، مرحلة “الكساد الكبير”، ومرحلة وصول هتلر لبناء منظومته النازية العسكرية، للإطاحة بمقررات إتفاقية فرساي، وبناء ستالين منظومته الشيوعية. كان العالم يعيش سنوات مضطربة بسبب عدم وجود قوة حقيقية تدير العالم، أو تفرض سطوتها وتدير الأزمات.

خلال الحرب العالمية الثانية، أثبتت الولايات المتحدة قوة عسكرية لا يُستهان بها، وقبل انتهاء الحرب، عقدت مؤتمر بريتون وودز لرسم معالم النظام العالمي الجديد من جهة، وإتفاقية كوينسي مع السعودية بخصوص النفط. خرجت من الحرب قوتين، الشيوعية بإدارة الإتحاد السوفياتي، بقوتها الأيديولوجية، والرأسمالية بإدارة الولايات المتحدة بقوتها الإقتصادية.

عاش العالم بين 1945 و 1991 في نظام القطبية الثنائية، واتخذ الصراع بينهما شكلاً من الحروب الباردة المتنقلة، كان السوفيات فيها الأقوى ميدانياً، لكن الولايات المتحدة بدهاء وخبث، استطاعت عند قُرب انتهاء الحرب الفيتنامية عام 1971، التجرؤ على فك ارتباط الدولار بالذهب (صدمة نيكسون). كما نجحت أيضاً في تحويل كل هزائمها العسكرية إلى نوع من إنتصارات سياسية.

أواخر ثمانينات القرن الماضي، بدأت تظهر بوادر انهيار الإتحاد السوفياتي، الذي فشل في تقديم نموذج حكم ناجح في مختلف الدول التي كانت تنتمي إلى حلف وارسو. وعام 1991 سقط جدار برلين، واستطاعت الولايات المتحدة أن تُظهر للعالم قدرة عسكرية هائلة، ضدّ من يخرج عن نظامها العالمي الجديد، وبدأ العالم يعيش عصر الأحادية القطبية.

المعايير التي ارتكزت عليها الولايات المتحدة في تسيّدها العالم، هي: عنصر الناتج المحلي والقوة الإقتصادية وعنصر القوة العسكرية والتكنولوجيا المتفوقة. وواجهت الولايات المتحدة إستحقاقات كبرى، منها حرب يوغوسلافيا وهجمات 11 سبتمبر والأزمة المالية العالمية وآخرها كورونا.

بدأت منذ عهد أوباما اعتماد استراتيجية “إعادة الإحتواء”، للتركيز على احتواء الصين ونموها الإقتصادي. واليوم، بسبب كارثة فيروس كورونا، نشهد إنزلاق أكثر إلى ساحة الصدام بينهما؛ كيف هو شكله؟ ما هي التوقعات؟ ومن سيتسيد العالم؟

المعيار الذي سيُعتمد لتسيّد العالم ربما يختلف في عصرنا. فهل القوة العسكرية الأميركية التي لا تملكها الصين ستكون لها الكلمة الفصل؟ لا شك أن هذا السيناريو بعيد الإحتمال إلى درجة الإستحالة، لأن الحرب لن تكون محصورة بينهما، فالإصطفافات الدولية ستكون أسرع لتصل إلى حرب عالمية ثالثة مدمرة، لا يريدها الجميع. أما سيناريو الحرب الباردة فهي أيضاً مستحيلة، لأن الصين ليس لها تاريخ أو قدرة على ذلك، أو بالأحرى ليس هذا من أسلوبها.

إذاً يبقى السيناريو الأقرب إلى المنطق، ومن حيث المسار التاريخي، سنشهد مرحلة مضطربة إلى حين تبلور قوة جديدة أو قوتين لتسيّد العالم. وسيكون عنوانها، صراع إقتصادي منضبط أحياناً، ويأخذ أشكال الأزمات أحياناً أخرى، بطريقة “من يتحمل أكثر؟”، وأرجّح تحويل “بحر الصين الجنوبي” إلى بؤرة تنافسية تجارية كبرى. على الّا نتجاهل أن القوة النووية السوفياتية الأكبر في العالم لم تحميها من الإنهيار سابقاً.

من الأهمية بمكان، النظر من زاوية حرب النماذج التي تقدمه الولايات المتحدة من جهة، والصين من جهة أخرى؛ لكن حتى لو سلّمنا جدلاً نجاح النموذج الصيني في احتواء كارثة كورونا، لكن العالم أصبح يرى أن هذا النموذج الإستبدادي والشمولي هو المسؤول عن الكارثة بالدرجة الأولى.

سندخل بعد انتهاء وباء كورونا المستجد (كوفيد- 19) مرحلة التقييم: هل الحد من الحريات والقمع أحياناً، مع النجاح في العمل المؤسساتي والجماعي لمواجهة التحديات الكبرى، أفضل من تقديس الحريات الفردية مع الفشل في مواجهة الأزمات الكبرى؟ ربما ندخل من جديد إلى فضاء الصراع الفكري بين مختلف الأيديولوجيات والنماذج، وما يتسبب من حالات عدم إستقرار واضطرابات في منطقتنا العربية، التي يجب عليها دخول التاريخ من جديد، والإنخراط في هذا الصراع كقوة تراكمية تاريخية، خرجت منه لعدة عقود وربما قرون.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى