مقالات

سُوريا تطوي صفحة َ«قانون قيصر»!

“المدارنت”
غيّر فريد ندى المذهان، الرئيس السابق لقلم الأدلة في الشرطة العسكرية في دمشق، تاريخ سوريا حين قرّر عام 2014، أن يخاطر بحياته، ويهرب إلى خارج البلاد حاملاً قرابة 45 ألف صورة التُقطت بين الأعوام 2011- 2013 لجثامين وفيّات، ماتَ أغلبهم تحت التعذيب في سجون نظام بشار الأسد، وهو ما صار الملفّ الأكثر شمولاً ودقةً للجرائم المهولة التي ارتكبها نظام بشار الأسد ضد السوريين الذين ثاروا ضد نظامه عام 2011.

تحت الاسم المستعار، قيصر، تواصلَ المساعد أول السابق في الجيش، مع معارضين سوريين ساهموا في تخفّيه، وفي دراسة وتصنيف وتحليل الصُور في مختبرات مؤسسات قانونية ومحاكم، فتمكن الآلاف من معرفة مصيرِ أقاربهم المعتقلين أو المختطفين قسراً، واستفادت منظماتُ حقوق الإنسان العالمية من هذه الوثائق في إعداد تقارير بشأن ظروف الاحتجاز في سوريا قُدّمت في محاكم لسوريين كانوا يعملون في أجهزة النظام السابق، واعتُقلوا بتهم التعذيب والخطف والقتل.
كلّفت قطر شركة محاماة في بريطانيا بتعيين مدّعين دوليين سابقين وخبراء في الأنثروبولوجيا الطبية نشروا تقريراً أكد في العام 2014 صحة الصور التي التقطها قيصر، وحسب تصريح أحدهم، البروفسور ديفيد، «تثبت هذه الصور وجود صناعة قتل لم نشهدها منذ الهولوكوست».
عُرض الملف، عام 2014، خَلف أبواب مغلقة أمام 11 وزير خارجية، وفتح المدعي العام في باريس بعدها تحقيقاً في جرائم الحرب التي مارسها نظام الأسد، ونجحت الجهات التي حافظت على سرّية «قيصر» في إيصال الملفّات إلى الكونغرس الأمريكي الذي أقرّ في عام 2016 «قانون قيصر لحماية المدنيين» الذي فَرض عقوبات على الكيانات التي تتعامل مع حكومة الأسد وأجهزتها العسكرية والاستخبارات، وتضمّن القانونُ عقوبات على النفط ومصادر الطاقة، وإعادة الإعمار.

أصبح القانون جزءًا من «قانون إقرار الدفاع الوطني» للسنة المالية 2020، وتم إلغاؤه في مجلس النواب أيضاً أول أمس الأربعاء، ضمن حزمة مشاريع القانون نفسه، وبعد إقرار مجلس الشيوخ والرئيس الأمريكي، المتوقعان خلال فترة قريبة، ستتحرر سوريا من أكبر قيدٍ على اقتصادها وعمرانها واجتماعها منذ بداية تاريخها كدولة حديثة.
شكّلت مخاطرة قيصر إنجازاً كبيراً أدى في النهاية لنشر الوعي العالمي حول الفظاعات التي تعرّض لها الشعب السوري، وكان إقرار قانون قيصر، في أمريكا، ذروةً لكفاح كبير شاركت فيه شخصيات وجهات ودول عربية وغربية، ويتوّج إلغاءُ مجلس النواب الأمريكي لهذا القانون، بدوره، ذروةً للملحمة السورية الطويلة التي انطلقت عام 2011، وسجّلت انتصارا هائلاً بإسقاط النظام في 8 كانون اول/ ديسمبر 2024، وها هي تعطي معنى سورياً وعربياً وعالمياً لهذه الملحمة الشعبية الكبيرة.
كَسرُ هذا القيد الكبير، هو مكافأة للسوريين على نضالهم الطويل، وهو ما سينعكس بالتأكيد على البلدان العربية المجاورة، والمحيط الإقليمي، الذي عانى، بسبب نظام الأسد، من استعصاء سياسي واقتصادي وتاريخي هائل. كان لافتاً، في هذا السياق، تعليق المذهان (قيصر) نفسه على الحدث، بقوله: «ها نحن اليوم، بفضل الله، نخطو نحو انفراج طال انتظارُه، وتُطوى صفحاتٌ مريرة أثقلت كاهل الجميع».

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى