مقالات

صرخة لبنان الأخيرة..!

عبد الحليم قنديل/ مصر

كتب قنديل في “القدس العربي”… ربما لن يكون تشكيل حكومة حسان دياب، ولا حتى حصولها على ثقة مجلس النواب بأغلبية بسيطة ، نهاية لموجات القلق والغضب، وتضاعف المخاوف من الذهاب إلى إفلاس شامل للدولة والاقتصاد اللبنانى الهش.

فقد بدا تشكيل الحكومة هدفا فى ذاته، بعد نفاد صبر الشارع اللبنانى، وتراكم الضجر من الفراغ الممتد الموحش، وانفلات الأعصاب ، وتزايد وتيرة الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن ، وسقوط عشرات الجرحى ، وتواتر الالتجاء إلى قطع الطرق، والهجوم الخشن على المصارف وفروعها ، وتحطيم واجهات محلات تجارية فى قلب بيروت، وبما أجج المخاوف العامة من انزلاق أمنى خطر ، فى بلد تنوء ذاكرته بحمل أشباح حرب أهلية، انقضت من عقود، وسقط فيها 120 ألف قتيل ، عدا عن الدمار الشامل لصور حياة كانت مزدهرة، وتضعضع الثقة بين طوائف لبنان الصغير الجميل ، مما استلزم عقودا تالية ، من أعمال الترميم ، وحفظ حد مقبول من السلام الداخلى ، وبتكلفة باهظة مؤلمة ، استنزف فيها فساد أمراء الطوائف قسطا هائلا من ثروات لبنان.

وبعد ما يزيد على ثلاثة شهور من سيرة الثورة الأجمل فى حياة العرب الراهنة ، فشل الحراك الشعبى اللبنانى فى الوصول لحلمه العنيد ، وهو ما نبهنا إليه من البداية ، فى مقالنا المعنون (الثورة الأجمل والحلم العنيد) ، صحيح أن ثلث الشعب اللبنانى شارك فى الثورة ، وعلى نحو عظيم التحضر ، يليق ببلد ، توافرت فيه دائما حريات التعبير والتنظيم والتظاهر ، لكن توافر الحريات العامة ، ظل محتجزا فى مكانه ، ولم ينجح أبدا فى إقامة نظام ديمقراطى ، بسبب الحاجز الطائفى المدستر المقنن ، منذ بدأت صيغة لبنان الحالى بعد نهاية الانتداب الفرنسى ، ووضع الميثاق أوائل أربعينيات القرن العشرين ، وابتداعه لصيغة حكم ، يقرر مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ويمتد بالتوزيع الطائفى إلى مناصب الإدارة العليا والوسطى ، ويحول لبنان إلى مزارع نفوذ عائلى وطائفى ، يبرز بصورة محدثة فى صورة أحزاب ، ويبنى ديكورا لنظام حكم ، يأخذ فيه الموارنة دائما منصب رئيس الجمهورية ، ويأخذ المسلمون السنة دائما منصب رئيس الحكومة ، ويأخذ المسلمون الشيعة دائما منصب رئيس البرلمان ، وهو الوضع الذى ظل مثيرا للمتاعب والأزمات ، وإلى أن انفجر فى زمن الحرب الأهلية المتصلة لمدة 15 سنة ، انتهت بتوقيع “اتفاق الطائف” ، الذى حافظ بدوره على صيغة التوزيع الطائفى ، وعلى أنصبة الطوائف الكبرى والصغرى البالغة 18 طائفة رئيسية وفرعية ، وإن انطوى الإتفاق على تغيير جزئى ، زادت فيه سلطات رئيس الحكومة (السنى) ، وتراجعت به سلطات رئيس الجمهورية (المارونى) ، مع وعد باهت بإلغاء النظام الطائفى تدريجيا فى قابل الأيام ، وهو ما لم يتحقق أبدا ، وكان من الدواعى العميقة لثورة الشعب اللبنانى الأخيرة ، وإشهار الرغبة فى التقدم بلبنان من وضع الدولة الطائفية إلى وضع الدولة الوطنية ، وإقامة لبنان جديد على أساس مبدأ المواطنة المتساوية ، والخلاص الكامل من تركة الأنصبة والمحاصصات الطائفية ، وبقدر ما كان الحلم محقا وجميلا ، فقد ثبتت مجددا صعوبة تحقيقه ، وحتى صعوبة تحقق خطوات إصلاحية جزئية ، من نوع إقامة حكومة متخصصين أو تكنوقراط ، برغم مبادرة سعد الحريرى إلى إعلان استقالة حكومته ، بعد وقت قصير نسبيا من بدء انتفاضة لبنان ، وإعلان استعداده لتشكيل حكومة تكنوقراط ، وهو ما عاقبته عليه الطبقة الطائفية المسيطرة ، وحرمته من فرصة الترشح لرئاسة حكومة جديدة ، وبما أيقظ وفاقم مشاعر غضب طائفى فى أوساط السنة ، لم تتردد فى الإعراب عن سخطها من اختيار حسان دياب ، الذى لا يبدو مرضيا عنه من المراجع الدينية والسياسية فى طائفته السنية ، وجاء بترشيح متواطأ عليه من الأكثرية النيابية البسيطة (69 نائبا من مجموع 128) ، ومن كتل مارونية وشيعية بالأساس ، وهو ما صنع ويصنع توترا طائفيا ، يتصادم فى منطقة العام مع غضب الانتفاضة ، وإن التقى الطرفان على خط الامتعاض العام ، خصوصا مع حدوث المزيد من تراجع الأوضاع الاقتصادية ، وتضاعف سعر صرف الدولار الشحيح فى المصارف والأسواق ، ومضاعفة مستويات الإفقار ، وتفشى التضخم الفلكى فى الأسعار ، مع زيادة نسبة البطالة المخيفة أصلا ، وتردى الخدمات الأساسية المنهارة بشدة ، وبلوغ حجم ديون لبنان إلى ما يقارب ضعف الناتج القومى الإجمالى ، وهو ما يزيد من انفلات الأعصاب مع ضيق المعايش ، ويدفع إلى سلوك عنف عشوائى ، ظهرت أضراره سراعا فى الأيام الأخيرة ، قبل أن يتم الإعلان عن سرعة تشكيل الحكومة الجديدة .

ولا يبدو للأسف ، أن إعلان حكومة حسان دياب ، حتى لو جرى اتمام باقى الإجراءات بسلاسة ، لا يبدو أن هذه الحكومة مرشحة لنجاح ملحوظ ، صحيح أنها تستجيب جزئيا لمطلب تشكيل حكومة متخصصين ، تعطى غالب جهدها لمهمة الإنقاذ الاقتصادى العاجل ، لكنها تصادف مآزق مستحكمة ، فهى ليست مبرأة تماما من الهوى الطائفى والحزبى ، وتحافظ على مبدأ المناصفة الطائفية ، ولو على نحو صورى ، يستجلب المتخصصين الذين ترشحهم أحزاب الطوائف المؤيدة ، وتفتقر بالطبيعة إلى دعم أحزاب الطوائف المستبعدة ، خصوصا من الطائفة السنية ، إلى جوار حزب جعجع وحزب “الكتائب” من الطائفة المارونية ، وهو ما يشكل جبهة عداء حريصة على إفشال الحكومة قبل بداية عملها ، وبرغبة أكيدة فى عرقلة مبادراتها إن وجدت ، إضافة لأدوار الخارج الدولى والإقليمى المعيقة ، وهى عظيمة وفادحة التأثير فى بلد بظروف لبنان ، يعتمد أساسا على معونات ونجدات مالية خارجية ، لا يبدو الطريق سالكا للوصول إلى مفاتيحها ، فالبلدان الداعمة إقليميا ، وعلى رأسها المملكة السعودية ، لا تبدو مستعدة لدعم لبنان فى الوقت الراهن ، وأمريكا ودول أوروبا المعنية كفرنسا وإيطاليا وبريطانيا ، لا تبدو مستعدة للوفاء بوعود سبقت ، ولا يخفى السبب شديد الارتباط بوقائع جارية للمواجهة الأمريكية ـ الإيرانية ، فواشنطن لا تريد دورا لحزب الله فى أى حكومة لبنانية ، واختيار حسان دياب جاء بمبادرة من حزب الله ، ورغبة واشنطن فى معاقبة حزب الله الموالى لإيران والمعادى لإسرائيل ، سوف تنتهى بأثر العقاب إلى سلوك “مفرمل” لحكومة دياب ، والسعودية دائما على موقف واشنطن ، وحرية اختيار الدول الأوروبية مقيدة ، وقد لا تبادر غالبا إلى نجدة اقتصادية مؤثرة للحكومة ، خاصة مع غياب سعد الحريرى حليفها المفضل لبنانيا ، ولا فرصة كبيرة للحكومة فى اللجوء لاختيارات تبدو واردة نظريا ، من نوع اللجوء لطلب قروض من صندوق النقد الدولى مثلا ، وبافتراض تساهل أمريكا أو تغاضيها عن إعاقة تلبية الطلب ، فإن شروط قرض من صندوق النقد ، تبدو فوق مقدرة تحمل لبنان فى ظروفه الاقتصادية المنهكة ، وفى أجواء غضب شعبى طافح ، لا فرصة عنده فى تقبل تقشف اقتصادى مضاف ، ولا فى تحمل أعباء إفقار جديد ، قد لا يمكن للحكومة الجديدة حتى أن تفكر فيه ، وهى التى تجئ بوعد الإنقاذ الاقتصادى ، لا بدواعى اتخاذ إجراءات صعبة ، تعرف أنها ستزيد من غضب الناس ، وتلقى بصفائح بنزين على اللهب المشتعل أصلا ، وتهدد ما تبقى من استقرار لبنان ، خاصة مع تواضع فرص مصادرة أموال الناهبين السارقين لثروة لبنان الضائعة ، فبارونات الفساد فى حماية أمراء الطوائف ، والحكومة قامت بالكاد بأغلبية بضعة أصوات فى البرلمان.

وقد يكون صحيحا ، أن لبنان فى أسوأ الأحوال ، قد لا ينزلق مجددا إلى حرب أهلية بالصورة التى سلفت ، ولأسباب متعددة ، بينها بشاعة الذكريات الحاضرة فى الوجدان الجمعى ، وأهمها القوة الراجحة لسلاح حزب الله فى التكوين اللبنانى الراهن ، التى قد تمنع أى طرف آخر من التفكير باللجوء إلى صدام بالسلاح ، يعرف الكل نتائجه سلفا ، ويتخوف من عواقبها ، لكن ذلك كله ، وعلى أهميته المرئية ، لا يعنى أن استقرار لبنان الداخلى ليس مهددا ، وإن بدرجات أخف وطأة من الحرب الأهلية المفتوحة ، فاقتصاد لبنان على حافة إفلاس ، والأوضاع الاجتماعية منذرة بالفوضى ، وهتافات المتظاهرين وأصواتهم المبحوحة فى الشوارع ، وانفلات السلوك فى قلب المدن وعلى الطرقات ، قد تصل بإطراد إلى درجة تفوق طاقة احتمال أجهزة الأمن المتماسكة بصعوبة ، والقصة اللبنانية كلها فى الوضع المثقل بالهواجس ، أشبه بصرخة أخيرة قبل الغرق ، لا تجد للأسف فى عالمنا العربى من ينتبه إليها ، بعيدا عن سياسات المكايدة ، وقبض اليد عن المساعدة العاجلة الممكنة ببساطة ، لإنقاذ بلد عربى فائق الأهمية ، مهدد بالإنزلاق إلى هاوية الدول الفاشلة والأزمات المستحكمة ، التى تنهش خرائطنا فى غيبة الرشد والوعى بالمخاطر المهلكة .

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى