مقالات

صفحات مشرقة من المسيرة الإنسانية للدكتور عبد المجيد الرافعي

الراحل د. عبد المجيد الرافعي

خاص “المدارنت”..

يُجمِع كل كتاب السِيَر الذاتية للقادة الراحلين أن كل من اختلف الخصوم معهم ولم يختلفوا عليهم، هم أولئك القادة الكبار الذين نادرًا ما يتكرَّرُون، والدكتور عبد المجيد الرافعي ــ رحمه الله ــ هو أحد هؤلاء الكبار الذين تركوا لذكراهم أن تترسَّخ في وجدان كل من عاصرهم، وخاصةً الذين كانوا على تماسٍ مباشر مع هذه القامة النضالية الكبيرة، التي تخطّت مسيرتها مدينة طرابلس التي عاش وترعرع في حاراتها، ودساكرها الشعبية، ليُحلّق في سماء الوطن العربي الكبير، حاملًا معه « لبنانيته »، رسولًا للقِيَم الإنسانية، مُبشِّرًا بها، وداعيًا لها منذ نُعومة أظفاره، وقد تفتحت عيناه على الحياة في البيت الرافعي الأصيل الذي اقترن بـ«الطيّب”، وتلك «الطيبة»، أولى الصفات التي حافظ عليها حتى الرَّمَق الأخير، ليبقى والده الشيخ محمد، رمزاً للبيت الطيِّب الذي حمل الفتى عبد المجيد أمانة عِطْرِ الياسمين التي تكتنف جُدرانه العتيقة حتى يومنا هذا، إلى أمانة القِيَم التي زرعها الوالد فحملها هذا « الفتى » عبد المجيد، طالبًا على مقاعد الدراسة، وجامعيًا وطبيبًا ومناضلًا وقائدًا تخطَّى حُدود الوطن الصغير إلى رحاب الوطن الأكبر والعالم…

لقد كنت واحداً من آلاف «الصِبْيَة» من أبناء المدينة الذين تفتح وعْيُهُم على الصِيت العطر للطبيب الطيّب، الذي كان يُعالج مرضاه بالمجان، فكانت الأمهات وجارات الحيِّ يتناقلن على مسامع البعض أخبار مرؤة وشهامة هذا الحكيم الشاب الجديد، الذي جاء ليقارع الإقطاع السياسي في عقر داره، مُتَسلِّحًا بلباسه الأبيض، وسمّاعته الطبية، فيصعد السلالم، والطوابق العالية، لِمُعايَنةِ الفُقراء العاجِزين عن شِراء حَبَّة الدَّواء، عَجزَهُم عن الوُصول إليه بِسيَّارة الأجرة. ولَكَم شاهدت بِأُمِّ العَيْن كيف كان حريصًا ـــ رحمه الله ـــ على زيارة هؤلاء المرضى الذين أصبحوا من ضمن همومه، حتى في عزِّ زعامته، وذلك بعدما دخل الندوة البرلمانية، في العام 1973، وكم من مرة انتظرناه، أنا والرفاق، حتى مُنْتصفِ الليل على قارعة الطريق، بعد قيامه بواجباته النيابية في بيروت، لمُرافَقته وهو يَفي بوعده لمن عليه زيارتهم الطبية في بيوتهم، من دون السؤال عن عدد الطوابق التي عليه أن يصعدها، ولم تنعم بالمصاعد الكهربائية، فيُهَرْول أمامنا مسرعًا إليهم، وكأنه لم يزل في بداية النهار…

تلك هي المَشْهَديَّة التي لم تكن لِتُفارق مَسيرة الحكيم حبيب الشعب، ولم تكن لتغادر ذاكِرَة كل من عايشه عن قُرْب، ولا عجب أن تُشكِّلَ شخصيته وحركته اليومية في خدمة الناس، واحدةً من أهم عوامل الاستقطاب للشباب الطرابلسي من أبناء جيلنا، الذين وجدوا فيه القُدْوَة لِلعَطاء دون حدود، وهو الذي بفضل «إنسانيته»، لم يكن يُمَيِّز بين الصديق والخصم، فكلاهما لديه سواءُ عندما يقصُدانِه للطِّبابَة، أو للمشورة الصحية، وحتى لو كانوا من ألدّ من خاصمه يومًا، ورمى بأصابع الديناميت على باب عيادته، مدفوعًا بسبب خصومة سياسية (منتصف ستينيات القرن الماضي)، وحتى هذا لم يتردد الحكيم يوما عن زيارة أهله عندما وَرَدَهُ خبر يفيد أن والده بحالةٍ صحية مَيْؤُوس منها، لِيتوجه إلى منزله مُباشرةً، ويَنْقُله على عاتقه وكتفه إلى إحدى مستشفيات المدينة، ويسهر على علاجه، وتأمين ادويته لِعِدَّة أسابيع، لم يُفكِّر خلالها إلا بما يمليه عليه ضميره، ومسؤوليته تجاه إنسان وفرد من أبناء مدينته، التي قابلت العطاء بالوفاء، وهي تُطْلق عليه ومنذ زمن ليس بالقريب، لقب « حكيم المدينة، وضمير طرابلس، ورفيق الشعب في معاركه »، محافظةً على هذا الحبل السرّي الذي لم ينقطع يوما، وتلك المعادلة الصعبة، التي وفرّت للدكتور الرافعي حُبًّا من الناس لا يقدر بثمن، ولم يَسْبقه عليه أحد، ولَعَمْري إنَّ في ذلك ما كان يَغْمُرُ قلب الراحل وفاءً وحُبًّا مُتبادلا، مُجَسِّدًا ذلك في لقائه الشعبي المفتوح، طوال يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وذلك في سنواته الأخيرة التي امتدت مُنْذُ عودته إلى لبنان في العام 2003 إلى رحيله في العام 2017، بعد أن حالت الظروف الأمنية زيارة الأحباء في بيوتهم، كان خلالها ـــ رحمه الله ـــ يستمع للصغير والكبير، ويسأل عن هذا وذاك، مُطْمئِنًّا ومُسْتَفْسِرًا عن أحوال الجميع، غير مُتَأفِّفٍ من خِدْمة من يَقْصده طوال أيام الأسبوع، وساعات الليل والنهار في بيته المفتوح للجميع…

كان في أيامه الأخيرة بعدما تغلغل السرطان في جسده، وقد بلغ التسعين من سنوات العمر المديد، بقي ـــ رحمه الله ـــ مُحْتفظًا بكل ما يملك الفارس من شجاعة ورباطة جأش، يُحدِّثُ زُوَّاره عن مراحل انتشار المرض، وكيف ينتقل في أعضاء الجسم، بكل شفافيةٍ وصراحة، مُوقنًا بإرادة الخالق عزَّ وجلّ، ومُتابِعًا هُموم الناس، وكأنه في مقتبل العمر، وفي كامل صحته وعافيته، بينما كان قليل من الحُضور والمُقرَّبين منه فقط، يُدْرِكون مدى الأوجاع التي يُعاني منها، ويأبى أن يُحمِّلَ الآخرين آلامه وأوجاعه وهمومه. ومع ذلك، كان يأتيه أحيانا زائرٌ ويطلب خدمةً ما، فينكبُّ على الهاتف يراجع، ويُخاطب، ويسأل… إلى أن يَصِل طالب الخدمة إلى مُبْتَغاه، ولا يغادره خائباً.

كان ـــ رحمه الله ـــ متواضعا إلى أبعد الحدود، ويأنف ويأبى بأن يُوصَف بالسياسي، ويرد على الفور: نحن وُجِدنا لخدمة الناس، ولذلك لا يصح الوصف باستبدال السياسة بالعمل العام، الذي يرى مصالح الناس والبلد، فوق المصالح الشخصية، ومن يفكر بالصالح العام، لا يهمه سوى رضا الله، ثم رضا الناس واضعًا نفسه أمام أي نقد ونصيحة ومشاورة من الناس…

وهذا ما دأب عليه في الأشهر الأولى على انتخابه نائباً عن مدينة طرابلس في العام 1972، يومها شكَّل البرلمان الشعبي، المُمثل لكل شرائح المدينة وفعالياتها، والذي كان يجتمع بهم كل ثلاثة أشهر، ليراجع وإياهم:

أين هم من الوعود التي تم تقديمها للناس، ومدى إمكانية تحقيقها، وماذا يتطلّب من جهد وعمل لكي يتم تحقيق النجاح معاً… مرددا: أنا لوحدي لا استطيع أن أعمل كل شيء، ولا بدونكم ومن دون مشورتكم ومؤازرتكم…

ولقد أثمر هذا التعاون سلسلة من المُنْجزات، التي لم تكن لتتحقق لولا تلك الكيمياء الإيجابية الحاصلة بين المسؤول والشعب، ونخص هنا ابرز ما حققته من معادلات:

  • التوصل الى حلٍ نهائي مع شركة كهرباء قاديشا، انتصارًا لطرابلس في المعركة التي خيضت ضد الشركة على مدى يزيد عن الأربع سنين، رضخت الشركة في النهاية لمطالب اللجان الشعبية، على صعيد تسعير الكيلو وات أمبير، وتقديم كامل الطاقة الكهربائية للمُشْتركين، وإيقاف الملاحقات القضائية بحق الذين أقامت الشركة عليهم الدعاوى. وكانت هذه المعركة من أهم معارك النضال الشعبي في المدينة، الذي خاضته اللجان الشعبية في طرابلس والميناء، بتوجيه ودعم الحزب والدكتور عبد المجيد الرافعي مباشرةً.

وكم تألم الراحل بعد عودته إلى مدينته في عام 2003، عندما لاحظ مدى التراخي واللامبالاة في مواجهة أزمة الكهرباء المتجددة، واتكال المواطنين على بدعة ما يسمى «الاشتراكات في المولدات الكهربائية»، وما أسفرت عنه من إفراغ لجيوب المواطنين من أموال باتوا عاجزين عن دفعها بعد أن تفاقمت…

2 – إقرار إنشاء كلية الهندسة في الشمال كفرع أول وأساسي، وفَّر المشقات الكبيرة، على أبناء طرابلس والشمال من الذهاب إلى العاصمة بيروت يوميًا، أو السكن فيها وتكبُد مصاريف كل ذلك…

3 – القيام بحملة تأمين الكتاب المدرسي للطلبة المُحتاجين الذين تجاوز عددهم الآلاف، وكانت تتم هذه العملية بإشراف مباشر من اللجان الشعبية، بالاشتراك مع مدراء المدارس والثانويات، من خلال إعدادهم لقوائم الطلبة الأكثر فقرًا وحاجة…

4 – التوسع في إنشاء المُسْتوصفات الشعبية، التي بلغ عددها سبعة مستوصفات، موزعة على مناطق التبانة، القبة، الزاهرية، الميناء، أبي سمراء، ومخيمي البداوي والبارد. فضلاً عن عيادة الدكتور عبد المجيد نفسها في شارع الراهبات، والعيادة الأخرى التي استحدثها في الطابق الأرضي لدارته، والتي خصصها للحالات الطارئة والليلية.

5 – تخصيص المبالغ المعطاة من الدولة لكل نائب من أجل الطرقات في مدينته، والتوسع في تعبيد وتزفيت الطرق، خاصةً في المناطق الشعبية، واللجوء أحيانًا كثيرة إلى العمل الشعبي التطوعي برعايته، وتقديم كافة المستلزمات المطلوبة، وإشراك الأهالي في تزفيت أحيائهم عندما كانت المعاملات الإدارية البيروقراطية، تحول دون الإسراع فيها…

6 – وإن تنسى المدينة يوما، فلا ولن تنسى يوم استقدم الرافعي وقيادة الحزب، طاقماً طبياً كاملاً من الاختصاصيين والجراحين من العراق، في عز حرب السنتين، مما ساهم في سد العجز الفادح الذي عانته المدينة حينها…

كما لن تنسى أيضا يوم استُقدِمت إليها شاحنات الطحين والتمر والمواد الغذائية من العراق، لكي يتم توزيعها على الناس بالمجان، بعدما منعت الحواجز الطائفية إيصال حصة المدينة من الطحين المخزن في أهراءات مرفأ بيروت. وتم حينها توفير الطحين للأفران وخبزه وتوزيعه بالمجان تخفيفاً لمعاناة الناس…

6 – تقديم المنح الدراسية في جامعات ومعاهد العراق، على مدى عشرات السنين، وفي مختلف التخصصات العلمية والهندسية والطبية وغيرها… لأبناء مدينة طرابلس وكل لبنان، دون تمييز بين لبناني وآخر. وقد تجاوزت الآلاف، وجلّ الخريجين يتوزعون اليوم على عدد لا يستهان به من الوظائف والمرافق العامة والخاصة…

8 – تسهيل تصدير المنتجات الزراعية للعراق الشقيق، والتي تولاها أسطولُ كبير من شاحنات النقل الخارجي.

9 – تخصيص المصانع اللبنانية بحصة مهمة من قانون النفط مقابل الغذاء، الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق، بقرار أممي جائر.

10-  ومن ضمن القانون الجائر أعلاه، كان السعي الحثيث لاعتماد مرفأ طرابلس كمرفأ أساسي لاستيراد المواد المُشْتراة لدولة العراق، واستعداد الحكم الوطني العراقي، إلى إصلاح وتأهيل مصفاتي طرابلس والزهراني، وإنشاء مصافي تكرير أخرى، وإصلاح أنبوب النفط الذي يصل كركوك بطرابلس، وذلك من أجل تزويد لبنان بحاجته من النفط وبالأسعار التشجيعية، إلى جانب التكرير والتصدير، وكان من شأن ذلك إدرار المليارات من العملة الصعبة على الخزينة اللبنانية لولا « الفيتو »، اللبناني الرسمي على تلك العروض وإجهاضها، وقد أجهضوا معها كل مشاريع التطوير والتنمية، وأوصلوا الوطن إلى ما هو عليه اليوم من فقر وإفلاس وعجز غير مسبوق في تاريخ الدول.. .

ولا بد من الإشارة كذلك إلى أمرين اثنين، شكلا مرارةً داخلية رافقتا الدكتور الرافعي ـــ رحمه الله ـــ حتى اللحظات الأخيرة التي سبقت رحيله:

الأول: وتمثل في بُعْده القسري عن مدينته لعقدين كاملين من الزمن (1983 ـــ 2003)، فرضتها الظروف الأمنية والسياسة التي تعرض لها الحزب ومكوناته في لبنان، وسحب ترخيصه القانوني، وملاحقة عناصره، واعتقال المئات من أعضائه، وتصفية العشرات منهم، ومصادرة الممتلكات والمقرات…

وهذا ما ابعد الحزب عن جماهيره طوال تلك السنوات، ليستعيض عنها بالعمل السري وتحت الأرض مما خلق فجوةً كبيرة في التواصل بين الأجيال، ولدى عودة الحكيم إلى بلده في العام 2003، كان لا يُخْفي الشوق لمدينته وأبناءها، وكان حريصاً على رد الزيارة لكل الوفود الشعبية والشخصيات التي زارته في منزله للتهنئة بعودته، حرصه على التواصل مع الناس في أحيائهم ومتاجرهم والبيوت والمقاهي… وكأنه يريد ان يُشبِع هذا الشوق بالمزيد من اللقاءات والندوات الشعبية…

الثاني: مرارة النكبة التي حلّت بالعراق ورفاق دربه، وعلى رأسهم الشهيد صدام حسين، والزلزال الكبير الذي حلَّ بالأمة من جرّاء ذلك. وقد خسرت أهم معين لها في أزماتها، ولا سيّما لبنان وشعبه، الذي خصته القيادة العراقية، والرئيس الشهيد بكل دعم ومساندة، وحُنوّ الشقيق على الشقيق. وكم هو لبنان وشعبه بحاجةٍ اليوم إلى من ينتشلهم من أزماتهم الوجودية التي طالت كل مقوّمات العيش الآدمي الكريم.

في أوج ما كنا نحتاجه بيننا، غادرنا الحكيم الإنسان وقد تفاقمت الرزايا في جسد الوطن والأمة، ولم يبق سوى الوصية التي لخصّها بكلمتين تجسدان سر صمود هذا القائد في مسيرة نضال جاوزت ثلاثة أرباع القرن من الزمن، لتكون دليل حياة لكل المناضلين الشرفاء والعاملين في الشأن العام: إياكم واليأس… إياكم واليأس… إياكم واليأس…

رحم الله رحمة واسعة الصديق الطبيب المناضل الإنسان الذي نفتقده بيننا وتفتقده مدينته والوطن…

نبيل الزعبي/ لبنان
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى