مقالات

صفقة القرن الأميركية.. ترامب وإسرائيل

د. مخلص الصيادي/ الشارقة

“المدارنت”..
قد يظن البعض أن صفقة القرن التي صاغتها الإدارة الأميركية، يراد منها تقديم حل للقضية الفلسطينية، وبالتالي، فإن دافع الإدارة الأميركية لطرحها هو “وجود المشكلة الفلسطينية”، وما تعكسه من مشكلات على المستوى الأمني والإنساني والتنموي.

ولا شك، أن مثل هذا الدافع لم يخطر ببال هذه الإدارة الأميركية على الإطلاق، وأن ما كان في تفكير ووجدان البيت الأبيض، وهو يصوغ هذه الصفقة بجوانبها السياسية والاقتصادية والأمنية هو “الكيان الصهيوني”، “إسرائيل”، وترى إدارة الرئيس دونالد ترامب أن إخراج اسرائيل مما هي فيه، واجب ديني وسياسي وأمني للقيادة الأميركية، وللولايات المتحدة، بل وللعرق الأبيض الذي بنى هذه الدولة العظمى، واستطاع أن يبسط سيطرته على العالم.

والقضية التي فهمها ترامب بشكل جيد، أن كل المعاهدات التي عملت الإدارات الأميركية المتعاقبة على صوغها مع هذا النظام العربي أو ذاك، لم تستطع أن تقدم للكيان ما يريده فعلا، أو ما وجد أصلا من أجله.

منذ كامب ديفيد واتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية وكل الاتفاقيات الأخرى وعلى مدى أربعة عقود، بقيت إسرائيل في المحيط العربي الكيانَ المنبوذ، حتى حينما يحقق اختراقا هنا أو هناك، يبقى أقرب إلى الاختراق القهري، الذي تحقق نتيجة ظرف محدد، والذي لا يستطيع أن يثبت أمام أي تغييرات محتملة.

صفقة القرن تريد أن تخرج الكيان الصهيوني من مثل هذه الحالة ، وتريد أن تحقق أهدافا محددة، ودفعة واحدة:

** تريد أن تقول إن الملف الفلسطيني قد أقفل على مستوى فلسطين، وعلى المستوى الإقليمي العربي والإسلامي، وعلى المستوى الدولي، ويعني هذا رفع هذا الملف من كل البرامج والخطط والاجتماعات والالتزامات في هذه المستويات كلها.

** لا تعود هناك مقاومة فلسطينية، ولا لاجئون، ولا أونروا، ولا حق عودة، ولا وجود لمفهوم الجهاد لاستعادة فلسطين المقدسة، ولا لكل ما يخص هذه القضية من مفاهيم عقدية دينية … الخ كل هذا يكون قد أقفل وأصبح جزءا من الماضي.

** ولا يعود هناك حديث عن قضية قومية اسمها فلسطين، ولا عن قضية مقدسة اسمها “القدس الشريف”، ولا عن مقاطعة عربية أو غير عربية، ولا عن تطبيع يجب العمل على كسره وتجاوزه، ولا عن ملاحقته أمام المحاكم الدولية لجرائم الصهاينة في فلسطين.

** ولا يعود هناك حديث عن أمن قومي عربي، ولا عن مصالح لأمة عربية موجودة سواء من خلال وجود موضوعي، أو من خلال وجود مؤسسات لها كالجامعة العربية، أو مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الحديث سيكون عن أمن إقليمي تكون اسرائيل قائدة له وفي المقدمة منه، ويكون مرتبطا بالأمن القومي الأمريكي تحديدا.

** ولا يعود هناك حديث عن مشروع لنهضة عربية، أو تطلع لمثل هذا المشروع، أو عمل شعبي أو رسمي يتغيا هذا الهدف، فكل دولة في المنطقة قائمة بذاتها، تهتم بنفسها، وتقيم تحالفاتها في إطار هذا الاهتمام، وفي إطار البحث عن استقرار أنظمتها، وبقدر ما يوفره الحليف الأمريكي.

** ويكون مطلوبا من الدول العربية متفرقة ومجتمعة أن تقيم برامجها وخططها ومشاريعها بما يوفر للكيان الصهيوني الاطمئنان بأن قادم الأيام لن يحمل أي انتكاسة، وأن محاولة الارتداد عما تم الالتزام به في صفقة القرن يعني دمار هذه النظم وخراب هذه البلدان.
المشاريع الاقتصادية المطروحة والتي اعتبرت مشاريع استراتيجية في هذه الصفقة كلها دون استثناء تريد تحقيق ما سبق، وتريد أن تجعل اليد الاسرائيلية هي العليا في كل شيء، وهي الحاكمة في المنطقة.

وباختصار، الصفقة تريد أن تحول إسرائيل إلى “دولة عظمى في المنطقة والإقليم”، وأن تحول دول المنطقة إلى”دول الطوائف” التي تدور في فلك تلك الدولة العظمى إلى حين أن تتفتت وتزول.

والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد: هل يملك الفلسطينيون والعرب شيئا تجاه هذه الصفقة؟!.

السؤال هو أول ما يطرح في البحث عن “الموقف”.

لكن السؤال على هذا النحو فيه إما جهالة لا يجوز القبول بها، أو خبث لا يجوز أن يمر علينا.
وحتى يكون الأمر واضحا في تلمس الجواب فإننا يجب أن ننظر إلى الأمر من زاويتين اثنتين:
الزاوية الأولى : أن فلسطين، وقضية فلسطين، والوجود العربي، ليست قضية مرحلية، وليست مسألة قابلة للطي، والتجاوز، أو قابلة للمقايضة والتنازل، وليست رهن إرادة هذا الجيل أو ذلك، أو هذا النظام أو ذاك، هذه تجليات لأمة تولدت على تتابع تاريخي طويل الأمد، بل هو الأطول قياسا لكل الكيانات والهيئات والتشكيلات التي أوجدها التطور التاريخي في كل مناطق العالم، وهي الأكثر رسوخا وثباتا.

فلسطين والأمة العربية محفوظتان بحفظ القرآن الكريم لهما، وبحفظ الدين الإسلامي لهما، وبحفظ الإنتماء المسيحي العربي لهما.

مسألة فلسطين والأمة العربية ليست خيارا، أوحالة طارئة، ولا توازن قوى، ولا إرادة إقليمية أو دولية، المسألة أكبر من ذلك بكثير وأعمق، ولا يستطيع أن يستشعر عمقها إلى من انتمى لهذه الأمة، ولهذا المنطقة سواء كان مسلما أو كان مسيحيا.

نحن هنا أمة، في قلبها فلسطين، ولسنا مجموعة دول وشعوب متجاورة وعلى جانب منها صراع في إقليم اسمه فلسطين.

إدارة مثل الادراة الأمريكية، ورجل مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يملك الأهلية، ولا القدرة على تفهم هذا الوضع، هو يظنها مشروعا عقاريا يريد أن ينجزه ” بصفقة “، يستخدم فيها الغش، او الغواية، أو الرهاب.

وهو يظن أن في مقدور القائمين في هذه المرحلة على هذا “الوضع” ، والممسكين بزمام الأمر، يملكون أن يتموا الصفقة، وأن يوقعوا عليها، فتمضي في سبيلها لا يعترضها معترض، وفي خلد هذا الرئيس الأمريكي الذي تربى في أحضان الصفقات وخبرها وخبر أهلها، أن فلسطين ودول هذا الوطن العربي ملك حقيقي شرعي لمن يسيطر عليها ويتحكم بأمرها، وهم يستطيعون إذا قروا أن ينفذوا قرارهم.

المسألة الثانية: تتضح في تفكيك كلمة العرب والفلسطينيين في السؤال المطروح عن الخيارات الممكنة، والحق أننا أمام “صفقة العصر”، ـ وغير صفقة العصرـ ، نحن أمام نوعين من العرب والفلسطينيين، أمام فسطاطين لابد من إدراك الفارق بينهما إدراكا حقيقيا:

نحن أمام سلطات قائمة، وأمام شعوب محكومة، وفي الغالب الأعم فإن هذه السلطات لم تنبثق عن إرادة حرة لهذه الشعوب، ولا هي شعرت يوما ما أنها ملتزمة تجاه شعوبها، ولا تجاه قضايا هذه الشعوب، وقد أثبتت الأحداث المتتابعة على غير صعيد، أو معظم هذه النظم بلغت في استهتارها بأقدار شعوبها مبلغا لم يسبقها به أحد.

قد يستطيع ترامب أن يحصل على موافقة هذا النظام أو ذاك على صفقته التي يدعو إليها، وهو يدَعي أنه استحصل على موافقة الكثير من النظم العربية عليها، لكنه عاجز عن تحقيق القبول الفلسطيني والعربي والاسلامي، بل والقبول الانساني بها.

من المؤكد أن النظام الفلسطيني والنظام الأردني لن يستطيعا قبول مثل هذه الصفقة، أو تحمل تبعات قبولها، فقبولها يمثل انتحارا، ولن يكونا لوحدهما في رفضها.

ومن المؤكد أن قوى المقاومة الفلسطينية ستقف ضد هذه الصفقة، وستكون هذه القوى مدعومة من الشعوب العربية، والإسلامية، ومن أحرار العالم، فقضية فلسطين ليست فقط قضية الشعب الفلسطيني، ولا قضية العرب والمسلمين، وإنما هي أحد جوانبها قضية إنسانية، قضية تحرر إنساني، وقد التزمت شعوبنا، واختزنت عقول أبنائها وقلوبهم قيم مقاومة العنصرية البيضاء في القارة الأفريقية، من زاوية هذا الموقف الانساني تجاه الحركات العنصرية، ولا شك أن جبهة واسعة عالميا تقف ضد الصهيونية والكيان الصهيوني باعتبارهما حركة وكيانا عنصريا.

ستتعرض حركة المقاومة الفلسطينية، والحركات الشعبية الرافضة بالطبيعة لمثل هذه الصفقة إلى ضغط شديد: ضغط من الولايات المتحدة، ومن الدول والأنظمة الخاضعة لها، للخضوع لموجبات صفقة القرن، ولوقف كل نشاط ضد الكيان الصهيوني، لكن ذلك لن يفلح، تاريخ الصراع، وتاريخ الحراك الشعبي هو ما يؤكد ذلك.

وهذا التاريخ يخبرنا بأن القدرة على المقاومة، مقاومة كل الضغوط والمشاريع مختزنة في ضمير هذه الأمة ، وأنها تتوفر لدى النظم السياسية القائمة بمقدار ما تتحقق في هذه النظم ديموقراطية حقيقية يكون مرجع السلطة فيها ،ونظرها وهدفها، مرتبط بإرادة الناس، بإرادة الشعب، وإذا تحقق ذلك، فهذه الإرادة أهلٌ للوثوق بها، لأنها تختزن في عمقها: التاريخ، والدين، والمصالح الحقيقية، وتعرف تماما مقدساتها وكيف تدافع عنها.. وتختزن وجدانها: قيم الجهاد والعدل والتقدم والحرية.

صفقة القرن مرحلة من مراحل الصراع مع هذا الكيان، ومع الإدارة الأمريكية، ومع العقل العنصري في العالم، وتجاوزها يحتاج إلى الكثير من التضحية، وإلى ابتداع طرق جديد إضافية من المقاومة، وسيكون الثمن مرتفعا، لكن هذه المقاومة ستثمر في النهاية ، ولن تكون صفقة القرن في النهاية إلا محاولة فاشلة من إدارة أمريكية مفتونة بنفسها، ولن تتمكن من إيقاف حركة التاريخ عند هذه المحطة، حيث بات التماثل فيها بين ترامب، والصهيونية العالمية غير مسبوق.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى