مقالات
عامٌ على الثورة.. فهل من مُدَّكِر؟

خاص “المدارنت”..
تعاقبت الأيام وتتالت مسرعةً ومثقلةً بالهموم والمشكلات التي انصبت صبّاً على رؤوس الشعب اللبناني، منذ السابع عشر من تشرين الأول من العام الماضي، وانطلقت عجلة الثورة إثر القرار الصادر عن الحكومة بزيادة (دولارية) طفيفة على خدمة (الواتس آب)، فألهبت الشعب الغافل وربما كانت الشرارة التي أحرقت القلوب قبل الجيوب.
ولكن الناظر إلى ما قبل الثورة وحتى خلال أيامها وشهورها الأولى، يتمنى لو أن الزيادة كانت وما كان ما كان، وهذا استقراء خاطئ، لأن الزيادة المقترحة كانت الواجهة الخطيرة للإفلاس الخفي المخيف، لخزانة الدولة القائمة على أموال الشعب المسكين، فإن سياسة التركيع، والقيام بالتجويع للشعب الأعزل أصلاً والمجرد من كل مقومات الحياة، إلا ما قدّره الله له من تحمل وصبر لا متناهيان، وعزة نفس وعزيمة متشابكتان، وربما هذا ما تبقّى له من وليمة السياسيين الحاكمين الكبرى.
فالثورة، وعلى امتدادها وتشابكها من البقاع الى الجنوب ومن الشمال الى الجبل، مروراً وتموضعاً في أم الشرائع بيروت، قد دفعت تلك المناطق الى العزم على التغيير، واجتثاث الطبقة السياسية الحاكمة والمستبدة.
إن الثورة، جمعت إلى حدٍّ كبير شرائح المجتمع اللبناني، وعبرت المناطق وتخطت الطوائف ووحدت الصفوف وجمعت الكلمات، وتعرضت لأقسى مشاهد الوحشية من جحافل مغولية تابعة، وما هي إلا فئة باغية مفلسة، تتغذى على لعق أحذية زعمائها، فعاثت فساداً وانهالت على تجمعات الثوار في المناطق، وما راعت الحرمات، فكسّرت، ونهبت، وأحرقت، ودمرّت، وانتقمت، كأنها تجتاح أراضٍ مغتصبة وتقاتل عدو محترف، فأقضّت مضاجع الوطن وسلبت الأمن من عينيه، تحت مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية والعسكرية للأسف، وكل ما كان المراد من أولئك التتار، قمع الثورة وإخمادها وإسكات نداء الحق…
ولكن، وعلى الرغم من كل الجراح، وبعد استنزاف واستباحة الدماء، أبى أبناء الثورة الحقيقيون إلا المضي قُدُماً على الرغم من الوباء المنتشر، والحظ المتعثر، والنظام المتجبر، والوضع المالي والاقتصادي المدّمر، مصرّين على التغيير، وإحداث فجوة في هيكل النظام المتسمّر على الكراسي العفنة، والمترهل، والفارغ من أيّ حلول للمآزق التي أحدثها في الوطن من خلال بقعة ضوء وشعلة أمل.
ولكن، في المقابل، على الثوار العمل على تصحيح المسار وتقرير المصير، عبر الإستفادة من الأخطاء، وأخذ الدروس والعِبَر من الخلل الذي طرأ، عبر دخلاء ومندسين لإضعاف القوة الشعبية، والضغط الهائل للأصوات التي هتفت للحرية والكرامة، وتجديد الثورة برص الصفوف وتوحيد الكلمة، وإحداث خريطة جديدة للحراك، ووضع دراسة شاملة للخطوات المقبلة.
للثورة عمر طويل، كعمر الأرز الذي يرمز الى القوة والصبر، ومشوارها طويل، وطويل جداً، ولا بد من تضحيات، بالنفس والمال والوقت، حتى يصبح الحلم حقيقة، وتشرق شمساً زاهيةً بهيةً في سماء الوطن الجريح وتزدهي الحبيبة بيروت مجدداً، وترتدي الأبيض ثوب الفرح الأبدي…
=======================



