على المقلب الآخر (5) مبدعون في المهاجر
عـبــد النـاصــر طـه
خاص “المدارنت”… والآن، وبعد مرور أكثر من قرن ونصف على بداية الهجرة العربية إلى اميركا اللاتينية، فلا توجد منطقة تخلو من وجود عربي، أو متحدر من أصل عربي، في المدن والقرى على حدّ سواء، منهم من يعمل في الزراعة، ومنهم من يشيّد المصانع، وآخرون يساهمون في تحديث العلوم، وعلى أعلى المستويات؛ منهم الشاعر والفيلسوف والكاتب والفنان والديبلوماسي والسياسي والعالم والقائد العسكري والقاضي؛ أبدع الأوائل في ميادين التجارة والنجاحات الإقتصادية الموصوفة، وقذفوا بأبنائهم في ساحات العلم التي حرم معظمهم منها، فظهر من الأبناء أطباء ومحامون ومهندسون، ودخل بعضهم معترك الحياة السياسية، ووصلوا إلى أعلى المراتب والمواقع.
في مجال السياسة، برع أبناء المغتربين ممن أنهوا دراسات عليا في مجالات متعددة، وساهموا في بناء الأحزاب السياسية، كما ساهموا في نهضة بلدان أميركا اللاتينية، ثقافيا وعمرانيا واقتصاديا، ووصل بعضهم إلى موقع الرئاسة الأولى في أكثر من بلد؛ ففي دولة الإكوادور وحدها شغل كرسي الرئاسة ثلاثة رؤساء من أصول لبنانية وهم: خوليو تيودور سالم، رئيس مؤقت العام ١٩٤٤، وعبد الله بو كرم ١٩٩٦-١٩٩٧، وجميل معوض ١٩٩٨-٢٠٠٠؛ وفي كولومبيا كان لعائلة “طربيه” دورا مهما في عالم السياسة وذالصحافة، وشغل أحد أفرادها: خوليو سيزر طربيه، اللبناني الاصل، كرسي الرئاسة الكولومبية ١٩٧٨-١٩٨٢؛ بينما شغل لبناني آخر هو “ميشال تامر” رئاسة البرازيل، أكبر دول أميركا اللاتينية ٢٠١٦-٢٠١٩؛ وعلى حدود البرازيل، وفي الباراغواي استلم “ماريو عبده بينيتيز” سدّة الرئاسة حديثا، ١٥ آب عام ٢٠١٨، وهو من أصول لبنانية أيضا.
وشغل “كارلوس منعم”، السوري الأصل رئاسة الأرجنتين مدة عشرة أعوام ١٩٨٩-١٩٩٩؛ بينما نافس مرشحون من أصول فلسطينية على رئاسة بعض دول أميركا الوسطى، حتى أن التنافس على موقع الرئاسة أحيانا كان، بين مرشحين فلسطينيين، ووصل منهم إلى رئاسة دولة هندوراس، “كارلوس فلوريس فقوسة” ،الفترة ١٩٩٨-٢٠٠٢.
اما في السلفادور، فقد كانت مساهمة أبناء المغتربين الفلسطينيين في العمل السياسي لافتة ومميزة، وتأكيدا لحضورهم السياسي والحزبي الفعال، فكان منهم الرئيس “انطونيو سقا” ٢٠٠٤-٢٠٠٩، والرئيس الحالي نجيب بو كيلي.
أما عن الجانب الثقافي في حياة عرب اميركا اللاتينية؛ فالمعلومات والدراسات تؤكد ارتباط كثير من المهاجرين ببلدهم الأم، وسجلت نسبة مثقفين جيدة في اوساط الشباب المهاجر، حيث حمل العديد منهم، وهو في طريقه إلى بلاد الأحلام الموعودة، حقيبة تحتوي على لوازمه الشخصية، وعلى كتب للقراءة ايضا؛ وفي قلبه حمل بقايا أحاسيس شعرية منكسرة، واستعارات أدبية متشوّقة لرؤية النور.
أنشأ هؤلاء فيما بعد، حركة أدبية عربية، ذات خصوصيات مميزة على مستوى النهج والأسلوب، واعتبرت ثورة أدبية، كان لها أبلغ الأثر في الأدب العربي الحديث، فيما أطلق عليه لاحقا اسم: الأدب المهجري.
وامتاز هذا الأدب بمواضيع جديدة، كالحنين، وتذكرّ الوطن والأهل والأقارب والجيران، وملاعب الصبا والشباب، والتعلق بالشعور الوطني والقومي، والاهتمام بالقضية الفلسطينية وسائر القضايا الوطنية.
وتوزع أقطاب المدرسة الأدبية المهجرية بين دول الأمريكيتين، وسجلت هجرة مجموعة من الشعراء الى البرازيل، بينهم الياس فرحات (1910)، ورشيد سليم الخوري “الشاعر القروي” (1913)، بينما قصد جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة الولايات المتحدة الأمريكية.
وبوصول آخرين من الشعراء الى اميركا اللاتينية، تمّ تأسيس نواد وروابط أدبية، كان من اهمها: العصبة الأندلسية في ساوباولو البرازيل، عام 1933، وندوة الأدب العربي في بيونس آيرس الأرجنتين، عام ١٩٤٨، والندوة الأدبية في سانتياغو تشيلي، عام 1955.
كذلك أنشأ المهاجرون صحفا أدبية واجتماعية، كانت في بداياتها تهتم بأمور الوطن والأحداث الكبرى، التي كانت تعصف في بلاد الشام، ثم تهتم بأمور الأدب والشعر؛ ولكنها بداأت بالانقراض والاختفاء عن الساحة الصحافية، في العقد الأخير من القرن الماضي، وبدأت المشاركات الصحفية للمهاجرين في الصحافة المحلية وباللغات البرتغالية والإسبانية.
ولعل أبرز من اشتهر بين شعراء اميركا اللاتينية المتحدرين من أصل عربي، الأسماء التالية: اندريس سابلا، ومحفوظ مسيس، وماتياس رفيدي، ونعيم نومز، شعراء وكتاب من تشيلي؛ الأولان من أصول فلسطينية والآخران من أصول لبنانية.
خوان ياسر، وكارلوس دغيش من الأرجنتين، الأول شاعر ومؤلف، من اصل فلسطيني؛ والثاني شاعر ومحلل سياسي من أصل لبناني.
وفي المكسيك، برز غابرييل سعيد، شاعر مشهور وعضو الأكاديمية المكسيكية للغة،، وفياض خميس، شاعر مكسيكي قضى معظم حياته في كوبا، وهما من أصول فلسطينية، بينما ورد اسم: هايمي سابينس، كأحد أكبر شعراء المكسيك، ويرجع اصله الى أسرة لبنانية.
ونقرأ كذلك عن شعراء وأدباء آخرين من كولومبيا، مثل: جيوفاني كساب، ومن بوليفيا مثل: أدوار متري قنواتي، و أخيرا وليس آخرا، من جمهورية الدومينيكان: طوني رفول، كاتب مقال ومحلل سياسي،من أصل لبناني.
ولا تزال جرّة المعلومات باحثة عمّن يملؤها او يملأ بعض فراغها، انصافا للذين دمجوا الليل بالنهار تعبا وشقاء، أولئك المهاجرون العرب الأوائل، الذين علموا ابناءهم من عرق الغربة، ووضعوهم في صفوف المجتمع الأولى في تلك البلاد.
الحلقة القادمة (6): الهجرة الفلسطينية.



