مقالات
غربان السياسة والمواطن..!

خاص “المدارنت”..
نعم، 28 أيلول هو بداية العام الدراسي، ولكنها بداية مخيفة بالنسبة للجميع. ليس بسبب كورونا فحسب، بل بسبب الجائحة الاقتصادية التي رمت بالقدرة الشرائية للمواطن اللبناني الى الحضيض.
يبدأ العام الدراسي وفي قلب كل وليّ أمر غصة، وعجز دفين أمام أسعار القرطاسية الخيالية، فكيف يؤمن مستلزمات ولده أو أولاده؟ وان استطاع تجاوز المستحيل نسبة لمردوده، هل سيستطيع تأمين حقيبة مدرسية او عدة حقائب لعدة أولاد؟ وإن تجاوز هذا القطوع، كيف له الخوض في غمار اسعار الكتب في التعليم الخاص؟
ربما، قد يلجأ الى قرار مصيري متعلق بأولاده، وينتقل الى التعليم الرسمي، فهل الوضع سيكون أسهل له؟ نعم، وحتما، ولكنها الهجرة باتجاه آخر معاقل الذات المكافحة، للتأقلم مع هذه الفوضى التي تحاصره من كل الجهات…
ربما قد يصل الى بر أمان مؤقت في هجرته، ولكن، سينتقل الهمّ الى مهاجرين آخرين في قطاع المدارس الخاصة والعاملين فيها، وهو قطاع لا يستهان به، سيخسر جزءا مهما من موارده، وستضطر بعض المدارس للخروج من الميدان التربوي فتقفل أبوابها أمام الصامدين الميسورين من طلابها.
التحدي في الجائحة الاقتصادية لا يمكن تخيله، وليس لدى الجميع القدرة على تجاوز متاهاته. فما بالك بدور النشر واستمرارية هذا القطاع؟
ولو انتقلنا الى خيار التعليم عن بعد! هل سيكون خيارا يطال الجميع في منازلهم؟ وهل منازلهم جميعا مجهزة بالانترنت؟ او لننقل السؤال الى مستوى آخر، هل الانترنت في لبنان بسرعته الحالية التي لا تتجاوز حفنة من “الكيلو او الميغابايت” في احسن الاحوال قادر على مواكبة هكذا تعليم؟
ولنتفرع الى سؤال جديد، هل قدرة أولياء الأمر الشرائية مؤهلة لشراء اجهزة لوحية او لابتوب؟ وهل هناك حلول سريعة للكهرباء أو لتقنين المولدات في ظل تضاؤل الوقود!
انها سلسلة الهموم التي تطال المواطن اللبناني اليوم، الحريص على تعليم أولاده، ولو لتأهيلهم كي يكونوا طيورا مهاجرة، وهو الذي ينظر الى الخراب الذي خلفته غربان السياسة، والى الخواء السرمدي لعقول السياسة العاجزة عن البحث عن حلول، بل القاصرة عن ترقيع جرح الوطن، ونزفه باتجاه حساباتها المصرفية وحساباتها الخارجية! وحده المواطن يواجه اليوم، دمار بيروت، ويفكر بسلته الغذائية بأسعارها الخيالية، ووحده يكفر بجشع التجار، وبلادة تجار الهيكل، ووحده تؤرق ليله تصريحات غير مسؤولة عن رفع الدعم عن المحروقات، والقمح وربما الدواء، ووحده يعاند كل الاحباط لا سيما بعد انفجار بيروت، ويقف عالي الجبين رافضا تسليم المعبد الأخير للغزاة، وحده يعي ماهية الرجال، وينظر باستهزاء الى المطأطئين رؤوس الذل على طاولة الغرباء، ماذا فعلتم لأنفسكم، بعدما فعلتم للشعب ككل! ألم يعد لديكم ذرة احترام وكرامة لذواتكم المتآكلة؟
صحيح، ربما هو لا يفهم بلغة البروتوكولات، ولا التعقيدات الجيو/سياسية وحروب الآخرين على أرضه، ولا ببهرجات وفزلكات التعويض السياسي عن هزائم حقيقية، ولا بلغة الاقتصاد، ولا بقرارات المصارف، ولا يعلم ماهية التحقيق الجنائي المفخخ، ولا يجزم بفائدة السدود، ولا يتكهن بوجود الغاز، ولا يعرف الفارق بين الثلث الضامن ولا الثلث المعطل، ولا يتقن فهم القوانين وزواياها الخفية ولا بتأثير أعداد الوزراء، ولا بالحقائب السيادية وغير السيادية، ولا يفهم بالفرق الغامض، بين اللاجئين والنازحين، ولا يعبأ بالنظام البوليسي ولا بحرية الكلمة، ولم يعد يريد الكهرباء، ويئس ربما من الأنفاق والنفاق، ولم يعد يرغب بقطار ولا حتى ببيئة نظيفة بدون نفايات، ولكنه يحس بحاسته السادسة كمواطن (ة) أن الباحثين له عن حلول هم أشباه رجال، وخيالات باهتة من عالم الحرب الماضية، وهو فاقد الثقة بهم وبكل توباتهم المتكررة، لم يعد يعنيه كل ذلك، ولم تعد تلك البذلات الأنيقة تبهره، ولا الياقات الخطابية الممجوجة برائحة الفشل، لم يعد يعنيه ذلك، فصراخ ولده الجائع يطغى على كل هذه التفاصيل..
======================



