غياب شيراك المغربي ـ جاك “العلوي”.. أفتى في الإرث وأقام في “قصر الجنّ”


المغرب ـ “المدارنت”..
خلّف نبأ رحيل الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، حزنا كبيرا في الأوساط العربية. وتلقى قصر الإليزيه في باريس برقيات تعازي حارة من الملوك والأمراء والرؤساء العرب، كلها أشادت بمواقف الراحل تجاه القضايا والبلدان العربية. ولم تتأخر وسائل الإعلام الفرنسية عن التنويه بالعلاقات التي ربطت شيراك بأكثر من بلد عربي.
وتذكّر رواد المواقع الاجتماعية العرب، وبخاصة في الأقطار المغاربية، مواقف جاك شيراك ضد الغزو الأمريكي للعراق، وموقفه المناهض للغطرسة الإسرائيلية. لكن يبقى لبنان وبلدان المغرب العربي من أكثر الأقطار العربية التي اقترب منها الرئيس الفرنسي الراحل. إذ أن صداقته المتينة برفيق الحريري لا يجهلها أحد. وجاك شيراك هو من كان وراء الدعوة إلى المحكمة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال صديقه رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني.
بعد مغادرته السلطة سنة 2007، تم نبش الملفات القديمة لجاك شيراك، وجُرجر الرئيس الفرنسي السابق في ردهات المحاكم، بتهمة تعود إلى فترة رئاسته لبلدية العاصمة باريس، وفحواها استغلال النفوذ والفساد وتبديد المال العام. ونطق القاضي بسنتين سجنا، لكن الحكم لم ينفذ، مراعاة وتقديرا للظروف الصحية التي كان عليها السيد شيراك.
بعد هذه الواقعة مباشرة، ركب شيراك الطائرة متجها إلى المغرب، البلد الذي نسج فيه علاقات وطيدة مع العائلة المالكة، منذ كان عمدة لبلدية باريس، ثم زيرا ورئيسا.

ومن الطرائف المسربة، تلك الوساطة الناجحة التي قام بها الرئيس جاك شيراك لحلّ مشكلة النزاع بين أبناء العاهل المغربي الحسن الثاني حول تقسيم الإرث، إذ تشبثت بنات الملك الراحل بحقّهن في نصيبهنّ الشرعي، لكنهن اصطدمن بتقاليد “المخزن” الموروثة (المؤسسة التقليدية للحكم في المغرب)، التي تقضي ببقاء الإرث الملكي في يد ابنه الذي يخلفه، فلجأت بنات الحسن الثلاث إلى “العم” شيراك، وكان وقتها لا يزال رئيسا للدولة الفرنسية، ليستخدم ديبلوماسيته الخاصة ومكانته داخل القصر المغربي، وهو ما تحقق، حيث تم حل النزاع الطارئ، في حضور الوزير الأول السابق إدريس جطو، الذي سيعين لاحقا رئيسا للمجلس الأعلى للحسابات، وهو المنصب الذي لا يزال يشغله حتى اليوم.
وقد أطلقت الصحافة الساخرة في فرنسا على شيراك حينها، لقب “جاك العلوي” (نسبة إلى السلالة الحاكمة اليوم في المغرب منذ أربعة قرون والمتحدرة من نسل الإمام علي بن أبي طالب)، ورسمته أسبوعية “لوكنار أنشيني” المشهورة، بالجلباب المغربي والطربوش يسبقه أنفه الطويل. العلاقة المتينة التي ربطت شيراك بالحسن الثاني، جعلت العاهل الراحل يقول في خطاب له أمام رئيس بلدية العاصمة الفرنسية السيد جاك شيراك، أنه لو لم يكن ملكا لتمنى أن يكون عمدة لباريس.
وإذا كانت الى الرباط أول زيارة قام بها شيراك عند انتخابه أول مرة رئيسا عام 1995، وآخر سفر له خارج فرنسا كان إلى المغرب. فإن آخر سفر للحسن الثاني خارج بلده كان إلى باريس، حين استضافه الرئيس شيراك ضيفا كبيرا على احتفالات عيد الثورة الفرنسية في الرابع عشر من يوليو، وتابع القائدان معا الاستعراض العسكري الكبير من منصة على جادة الشانزيليزيه، بمشاركة رمزية لكتيبة مغربية.
وبعدها، بأقل من عشرة أيام توفي الحسن الثاني. ولعلها كانت هدية كبيرة حرص جاك شيراك على منحها للعاهل المغربي، إذ أتاح له في نفس الزيارة مخاطبة النواب الفرنسيين، في قصر فيرساي مقر البرلمان الفرنسي.
عرف عن جاك شيراك حبه وشغفه باستقبال الهدايا، وقد استغل بعض الزعماء العرب هذا الضعف لديه، ومن بينهم الملك الحسن الثاني، فأغدق على شيراك كثيرا. ونظرا للحجم الكبير ولأهمية الهدايا التي جمعها، قرّر شيراك في سنواته الأخيرة بالرئاسة الفرنسية (سنة 2000)، بناء متحف يحمل اليوم اسمه، لعرض تلك الهدايا الثمينة على الجمهور.
ولأن شيراك كان معجبا بمنطقة الجنوب المغربية، فقد أنزله الملك محمد السادس، في السنوات الأخيرة، ضيفا دائما على القصر الملكي بمدينة أغادير الساحلية، ذات الطقس المعتدل على مدار العام. وكان الناس يصادفون الرئيس الفرنسي السابق شيراك وزوجته برناديت، وهما جالسان على رصيف مقهى، يتأملان المارة، أو يمشيان حافيين فوق رمل الشاطئ.
ولم يخف “الكوبل” الرئاسي، إعجابه باستقبال أهالي غادير، وتنويهه بالخدمة المميزة لموظفي القصر الملكي القريب من المستشفى العسكري، ذو التجهيزات الطبية الحديثة. وهو نفس القصر الذي شيده الحسن الثاني وسط أغادير، وهجره بدعوى أنه مسكون بالجن.
كما أحب شيراك مدينة مغربية ثانية، لا تبعد عن أغادير، وهي مدينة تارودانت، التي كان يختار الإقامة بأحد مبانيها التاريخية، التي شيدها قديما بارون فرنسي، قبل تحويلها إلى فندق باسم “غزالة الجنوب”، وقد شوهد شيراك بضواحي هذه المدينة الأثرية وهو يتجول بأحد أسواقها، وتم التقاط صورة له بتارودانت وهو يمتطي حمارا.
وفي القصر الملكي بأغادير، قبل حوالي سنتين، سيقع شيراك مغمياً عليه، وشاع خبر موته، لكن الأطباء تدخلوا في الوقت المناسب، وتم إنقاذه، لكنه بقي تحت العناية القصوى، وظلّ يعاني من بعض أعراض أمراض الشيخوخة والتقدم في العمر، ومنها ضعف الذاكرة والنسيان.
وللإشارة، فقد ارتبط جاك شيراك بمصاهرة مع المغرب، إذ كانت إحدى أخواته متزوجة من وزير مغربي، هو الوزير الأول السابق محمد الطيبي بنهيمة، (ما بين 1967 و1969)، والذي سيتولى بعدها أيضا وزارة الداخلية، وأصبح ابنه إدريس بنهيمة وزيرا أيضا في عهد محمد السادس. برحيل جاك شيراك فقد العرب صديقاً كبيراً، كان الأقرب إليهم من قادة الغرب. تمكن من لعب دور “شيخ القبيلة”، يتولى تطييب الخواطر وإصلاح ذات البَيْن بين زعمائهم.



