فضائح قضائية وسياسية بالجملة.. البرازيل الى أين؟

د. بلال رامز بكري / ساو باولو / البرازيل
//خاص المدارنت//... عندما تقول شخصية بارزة بحجم نعوم تشومسكي، الفيلسوف والمفكّر الأميركي المرموق والمعروف: إن الرئيس البرازيلي الأسبق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (المعروف اختصارا بـ”لولا”)، هو أبرز سجين سياسي في عالمنا اليوم، وأن محاكمته وإدانته لم تتما إلاّ لقطع الطريق عليه لخوض الانتخابات الرئاسية، التي كان من المرجّح فوزه الكبير فيها حسب استطلاعات الرأي، بصرف النظر عن هويات منافسيه”. وعندما نسمع هذا القول من مثقف عالمي كبير بحجم تشومسكي، فإننا على الأقل يجب أن نتوقف قليلًا لنسمع ونحاول فهم ما يقوله هذا الرجل. وعندما نرى هذا الرجل يترجم قوله إلى فعل، عبر قيامه بزيارة “لولا” في زنزانته الإنفرادية في مدينة “كوريتيبا” في جنوب البرازيل، فإننا نتأثر أكثر بما يقوله هذا الرجل، حتى وإن لم نوافقه.
ولكن تشومسكي، لم يبنِ رأيه على لا شيء، فلقد ثبت في الأمس، بالأدلّة الدامغة وبالجرم المشهود، العَوَارُ القضائي والتهافت الدستوري، في القضية التي حوكِمَ وأُدين فيها الرئيس الأسبق “لولا”. لقد ظهر الآن بالدليل القاطع صواب رأينا، عندما وصمنا محاكمة الرئيس الأسبق “لولا” بالمهزلة والفضيحة، والذي أثبتناه في مقال سابق لنا على “مدونات الجزيرة” يعود إلى نيسان/أبريل من العام المنصرم تحت عنوان: “مهزلة قضائية في البرازيل”. قمنا بكتابة ذلك المقال إثر السجن التعسّفي والظالم الذي وقع ضحيته “لولا”.
لقد قامت جهات لم يعلن عنها حتى الآن، بتسريب محادثات محادثات القاضي مورو والمدَّعي العام دلانيول على الملأ، والتي يظهر فيها الإثنان حرصهما على إدانة “لولا” قبل الانتخابات، لقطع الطريق عليه للمنافسة. وقد اعترف الاثنان، في حواراتهما الحميمة، أن لا دلائل قاطعة تدين “لولا”، وأن الزعيم اليساري سوف يدان بناءً على ظنون وتخمينات. ليست الفضيحة في إدانة متهم بحجم “لولا”، بناء على ظنون وتخمينات وأوهام وحسب، وإنما في ظهور الانحياز السياسي للقاضي الموكل في البت في القضية، وفي التنسيق بين قاضٍ ومدّعٍ عام.
والجدير بالذكر أن القاضي “مورو”، الذي حكم على لولا بالسجن لمدة تسع سنوات، كوفئ من قبل “بولسونارو على خدماته العظيمة، التي لا تقدَّر بثمن، بتعيينه وزيرًا للعدل في الحكومة البرازيلية الحالية. ولم يجد القاضي الذي استقال من القضاء ليتولى منصب الوزارة، أي حرج من استلام حقيبة العدل، في وزارة أكبر المستفيدين من إبعاد لولا عن المشهد السياسي، في خطوة أقل ما يقال فيها أنها مريبة.
ولستُ ادري ما أصاب الشعب البرازيلي في تمييزه، حتى أوصل إلى سدّة الرئاسة مَنْ أَوصل. ولم تنفع كل التحذيرات والتنبيهات، والمحظور وقع بانتخاب بولسونارو، الذي لا يخجل منذ سنوات من المجاهرة بآرائه العنصرية والفاشية والمعادية للديموقراطية، وهو الذي يتبوأ كرسي الحكم في أكبر بلدان امريكا اللاتينية. فبعد فضائح القضاء والاغتيالات الغامضة، جاءت فضيحة أخرى لتبرز الصورة المروّعة للفريق الحاكم. لقد عُثِرَ في إشبيلية بإسبانيا، في إحدى طائرات الرئاسة المتوجهة الى اليابان لقمة العشرين الأخيرة، على ٣٩ كيلوغراما من الكوكايين، بحوزة رقيب من سلاح الجو البرازيلي، وقد ألقت السلطات الإسبانية القبض على هذا العسكري، الذي ليس إلا الجزء الصغير الظاهر من جبل الجليد، ووراءه من وراءه من الرؤوس الكبيرة (مخدرات في طائرة الرئاسة؟ بالتأكيد لها غطاء كبير).
وهناك جزءًا لا يستهان به من الشعب البرازيلي، لا يزال يؤيد “بولسونارو” ووزيره “مورو”، على الرغم من فضائح تسريبات المحادثات بين الادعاء والقاضي، في قضية كان الحُكم فيها جاهزا قبل أي محاكمة رسمية. ويتركز مؤيدو بولسونارو في الطبقة والوسطى والغنية في جنوب وجنوب الشرق ووسط البلاد. ولكن شعبية الحكومة الحالية قد بدأت بالانخفاض، كما أن جزءًا لا يستهان به من السياسيين (بالأخصّ في ولايات شمال شرق البلاد) والهيئات والنقابات (من بينها نقابة المحامين) والناشطين، قد بدأت بالتحرك لمساءلة “مورو”، والأصوات التي تطالب بإقالته أو حتى سجنه ليست قليلة.
وهذا الأمر يأخذنا بعيدًا من الصراع السياسي على السلطة في البرازيل. ويمكن لنا أن نفهم ما يحصل في أكبر بلدان أميركا الجنوبية، في نطاق الحقد الطبقي الذي تغذّيه الطبقتان العليا والوسطى، ضد الفقراء والمساكين والمستورين. لم يبقَ هناك أي شكّ بعد الفضائح الرئاسية، أن الطبقتين العليا والوسطى، لم يحقدا على “لولا” وحزب العمال بسبب أي فساد مزعوم. هذا الحقد لم يأتِ إلا نتيجة لتحسين ظروف الفقراء والمحتاجين في عهد “لولا” و”ديلما”.
وها هي الطبقة الوسطى تجتهد في تقديم التبريرات والمسوّغات لهذا الكم الهائل من الفضائح، خلال ستة شهور من حكم “بولسونارو”، فاقت بكثير جدا أي فضيحة في عهود حكم حزب العمال، التي دامت ١٤ عاما (لولا وخليفته ديلما). لم تحرّك هذه الفضائح وآخرها تجارة المخدرات الرئاسية الدولية، اي نخوة او مروءة لدى الاثرياء ومتوسطي الحال. في حين انهم طالبوا بسجن لولا وطاقمه الحاكم جميعه، بسبب اتهامات بلا أدلة، وفي دعاوى تلطخت بانحياز القضاء وبلغت حد التآمر الفاضح والدنيء.
الطبقتان العليا والوسطى مفلستان أخلاقيا. والطبقة الوسطى ترتضي بدور الذيل والتابع الحقير للطبقة العليا، وتصب حقدها على المهمّشين والمسحوقين. لا ابالغ إن قلت أن ٩٠% من الاطباء (مثال عن الطبقة الوسطى)، يؤيدون بولسونارو، ويغضّون الطرف عن فضائحه المزلزلة. لقد سقطت أقنعتهم وظهر هزالهم وبان إفلاسهم الاخلاقي.
ويبقى السؤال الذي طرحناه في عنوان مقالتنا هذه: البرازيل إلى أين؟ ولا ندّعي أننا نمتلك إجابة شافية، ولكن “بولسونارو” و”مورو” وحلفاؤهما لم يكونوا يتوقعون، وحتى في أسوأ تقديراتهم، أن يفتضحوا على الملأ، في العالم أجمع، قبل مرور ستة شهور على استلامهم الحكم. وهذا الأمر، مع ما ذكرنا في هذا المقال، وبالإضافة إلى أمور لم نذكرها، أمور تفتح مستقبل البرازيل على مصاريعه، وتجعل من مهمة التكهّن بالآتي من الصعوبة، وحتى الإستحالة، بمكان.



