مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”49″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثالث من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

3-5- الدعوة إلى الفصل بين السماء والأرض: ان ما تكتمل به صرخة الإسلام ويتم له به تحرّره هو الفصل بين السماء والأرض أو وجوب الذهاب إلى عدم الخلط أو الجمع بين “الألوهية الكاملة الشاملة المطلقة”، و”الإنسانية النسبية الجزئية المحدودة”، علمًا بأن هذا  الخلط أو الجمع بينهما لا أساس له من الصحّة أو الحقيقة؛ إنما هو توهّم أو عبث بشري ليس إلاّ، لأنه لا يعقل أن يكون الله والإنسان “شريكين” في  ما يقوم به الأخير من عمل أو فعل أو أي نشاط آخر، ظاهريًّا، بينما يقوم الله بذلك بعلمه وإرادته وقدرته إلى جانب هذا الإنسان، باطنيًّا: إذ كيف نفسّر ما يعتري ما يصدر عن الإنسان من عيب أو شر أو سوء أو ظلم؟! هل نحمّل الإنسان هذه السلبيات كليًّا، ونظلمه فيها وهو لم يكن وحده فيها، أم ننسبها جزئيًا إلى الإنسان وإلى الله وهو المنّزه عن تلك السلبيات؟!…

إن ما يقوم به الإنسان في عالم الشهادة لا يعد كونه من بلائه نفسه سواء أكان حسنًا أو سيّئًا، ويكون الإنسان نفسه مسؤولًا عنه لأنه جاء في إطار سيادته وحريّته جرّاء تكليفه بخلافة الأرض وابتلائه بها…. أضف إلى ذلك، أن من أخطر ما يفرزه الخلط أو الجمع بين الألوهية والإنسانية يتمثل في شرور ما يعاني منه الإسلام وأهله. نذكر منها ما يلي على سبيل التذكير:

(تبرير “الحاكم المتغلّب” استبداده وإفرازاته من ظلم وفساد وطغيان، وتغطية كل ذلك بمشيئة الله وقضائه وقدره، فضلًا عن استتباع الدين وقمع العقل الحرّ؛ تأليه وأدلجة منظّري المذاهب تنظيراتهم في الدين التي لا تعدو كونها وجهات نظر بشرية أو فهمًا بشريًا، باعتبارها تتطابق مع ما أراده الله في الكتاب المبين وما أراده نبيّه المصطفى في سنتّه الرشيدة، ما صادر هوية الإسلام ووحدته، وشرذم أهله وشتت شملهم، وذهب بريحهم، فضلًا عن تكبيلهم إعمال العقل الحر بما رسموه له بعقولهم البشرية من حدود وقيود، وسفّهوه في ما يخرج عنها أو عليها؛ تعميم “ثقافة القضاء والقدر” التي تشيع الاعتماديّة توكّلًا ودعاء واستكانة وتسليمًا على حساب انحسار الاستقلالية عند الناس، وتشجّع بينهم التبعيّة والذرائعية، وتشلّ الحريّة المسؤولة، وتتنامى معها المفعوليّة، وتتناقص الفاعلية، وتكبّل العقل في غير النقل، وتسفهه إلغاء لطاقته الناقدة الحرّة).

لذلك كله، يجب أن يستجاب لصرخة الإسلام  التحرّرية القاضية بالفصل بين السماء والأرض تجنّبًا للوقوع فريسة لتلك الشرور، وأخذًا باعتبار ما يلي:

3-5-أ- “السماء لا تصير أرضًا”: ان الله لا يصير إنسانًا، نظرًا لطبيعته المطلقة في كل ما يمت إلى ذاته بصلة، علمًا وحكمة وقدرة وإرادة وكمالاً وشمولًا وخلقًا… هذه الطبيعة يستحيل فيها التغيّر أو التبدّل أو التحوّل أو التطور أو الفناء أو البداية أو النهاية أو الحذف أو الإضافة وما إلى ذلك. فالقول من قبيل “الإنسان يحكم بإرادة الله، أو يقدر بقدرته، أو يعلم بعلمه” لا يخرج عن كونه ضربًا من التوهّم أو العبث أو الهذيان، لأننا لم نقرأ في النص القرآني أن الله قد وضع إرادته وقدرته وعلمه بتصرف الإنسان، ولو كان الأمر غير ذلك، لصار الإنسان شريكًا لله، والعياذ به.

إن المطلق السماوي (الإلهي) لا يصير نسبيًّا أرضيًا ولا محدودًا ولا تاريخيًا؛ إنه غير مقيّد بالزمان والمكان، لأنه أزلي وأبدي. إن الوحي الإلهي لا يمارس على الأرض بطبيعته الإلهية غير المقدور عليها فيها، لأنه ليس في الأرض من يتمتع بمؤهلات إلهية تتلقاه وتفهمه وتبلّغه وتمارسه. إنما يُمارَس فهمًا بشريًا، والفهم البشري لا يرقى إلى المطلقية أو الكمالية أو الشمولية، مهما علا شأنه. إنّ الله فعّال لما يريد؛

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(يس:82). لقد خلق عالمي الغيب والشهادة من العدم بأمر منه، الأمر الذي يعجز العقل البشري عن  استيعابه. إنه يستخلف ولا يُخْلف بالمعنى الحقيقي؛ لقد استخلف آدم في الأرض، لكنّ آدم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم بما يقوم به المستخلِف، خلافًا لما يحصل في هذا الأمر مع البشر على الأرض… إنه العليم الحكيم الرحيم المريد القدير المدبّر المصرّف المنظم الخالق… لا يُسأَل عمّا يفعل. لقد خلق الإنسان سيّدًا حرًّا مسؤولًا عن أفعاله دون المخلوقات الأخرى كلّها في عالم الشهادة، وجعل الكون بما فيه من وقائع وظواهر وأحداث في قوانينها وأسبابها ومسبباتها على النحو الذي هو فيه، وابتلى الإنسان بإكتشافه ومعرفته جاعلًا كل ما فيه لخيره في الدنيا والآخرة. فأين المشكلة إذا ما اكتشفنا وعرفنا وقلنا:

ان النار تحرق، والاحتراق يرفع درجة الحرارة، فضلًا عن إنتاجها؟ ان الله قد خلقها على هذا النحو. أما إذا ووجهنا بأن النار كانت بردًا وسلامًا على النبي إبراهيم، فإننا نقول هذا استثناء بل معجزة خارقة أمر بها ربّ العالمين. أما القاعدة او القانون فيقول: ان النار تحرق، والحجر  يسقط على سطح الأرض بسبب الجاذبية. هذا مما اكتشفه الإنسان، خليفة الله في الأرض، كما اكتشف أن المعجزات يُسلّم بها إيمانًا، وأنها عصيّة على العقل البشري الأرضي أن يعقلها أو أن يجعلها من معقولياته.

3-5-ب- “الأرض لا تصير سماء”: ان الإنسان لا يصير إلها، لأن طبيعته لا تؤهّله للخروج من نسبيّته ودنيويّته ومحدوديته وترابيته وتاريخيته. إنه ابن التراب، وهما مخلوقان لله، دينيًا. إنه ذو أهلية متفرّدة ومتميزة ومتنوّعة بالنسبة إلى غيره من جماد ونبات وحيوان، ولكن مهما بلغ تفوّقه على سواه، يبق له التراب يجمعه إلى الجماد، والحياة يتشاطرها مع النبات فضلًا عن الحيوان، والإحساس والانتقال في المكان يشترك فيهما مع الحيوان.

بيد أن الإنسان يفتقر إلى أي شيء يشكّل نسبة تجمع بينه وبين الله. إن النسبي الأرضي (الترابي) لا يصير مطلقًا في شيء، ولا كاملًا في شيء، ولا كليًّا في شيء، لأنه في كل شيء مخلوق وجزئي ودنيوي وتاريخي. إن الإنسان فاعل لما يريده ويعرفه ويقدر عليه. إنه سيّد الأرض وحرّ مسؤول فيها. إنّه خليفة من غير سلَف بالمعنى الحقيقي وهو خاضع في خلافته للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة والجزاء بين يدي رب العالمين في الآخرة، وأمام السلطات الدنيوية من ضمير وعرف ورأي عام وسلطة قانونية دينية ووضعية. إنه مقيّد نسبيًّا بحاجاته ورغباته وعواطفه وميوله وأهوائه وتطلعاته وإمكاناته ومؤهلاته وظروف حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية وما إلى هذا وذاك. وهو فعّال بمقدار ما يتفوّق في فاعليّته على مفعوليّته.

إنه ذو أهلية جعلته سيّدًا على ما دونه من أجناس المخلوقات. ولعلّ أكثر وأجمل وأعظم ما تتجلّى فيه أهليّته يكون عندما يتمكّن بها من إبداع ما يحتاج إليه، وما به يسدّ حاجاته المستجدّة والمتطورة مع تطور الحياة. ان الإبداع البشري لا يقاس بالخلق الإلهي الذي يوجد شيئًا من لا شيء، وهو على الله يسير. وهل أيسر من أمره “كن” حتى يكون ما يريده؟! أما الإبداع البشري فلا يفلح في إيجاد شيء من لا شيء، بل يحدث شيئًا جديدًا في شكله أو تركيبته أو وظيفته أو حجمه أو جماله أو في ما إلى ذلك، لكنّ هذا الجديد غير المألوف لا ينقطع كليًّا عن المألوف والمعروف والقديم. أضف إلى ذلك أن الإبداع البشري عامل مطوّر لا بدّ منه في التقدّم في جميع ميادين الحياة البشرية شرط أن يبقى في أطر خير الإنسان، وتعزيز سيادته، وتوسيع حريّته المسؤولة، وصون كرامته…

بيد أن الإنسان، مهما تنامت فاعليّته، وكثر إبداعه الخيّر، وعلت أهليّته، فلا يرقى فيها جميعًا إلى الكمالية أو المطلقية أو الشمولية التي هي حصرًا للسماء دون الأرض. ان فهمه للرسالة السماوية لا يكون إلاّ بشريًا ترابيًّا دنيويًا. ومهما تعمّق، وعلا شأنه، وتألّق وشعّ، فلا يتأهل ليصير جديرًا بالتأليه سواء أقبل منظرّو المذاهب أم غضبوا وأبوا، لسبب بسيط وواضح وساطع، ألا وهو، ان الله لم يسبغ  على أحد من بني آدم أو غيرهم شيئًا من ألوهيّته لأنه واحد أحد صمد لا شريك له ولا نظير.

وبعد، أيجوز الاستمرار في ادّعاء الجمع بين السماء والأرض، بين الألوهية المطلقة والإنسانية النسبية، بين الله والإنسان؟! ألا، فإن الإسلام قد سئم هذا  الخلط، هذا التوهم، هذا العبث، هذا الهذيان!.

ملاحظة: غداً الحلقة الـ”50″ والأخيرة، من مقتطفات وفصول المحور الثالث من كتاب “صرخة الأإسلام” للمربّي الراحل مصطفى حمّود.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى