فلسطين.. المصير والمسار

كتب حسن مطر/ لبنان
“المدارنت”..
إن أخطر مرحلة تصل إليها الأمم والشعوب هي تلك التي يصيبها فيها الوهن والضياع ولا تعود قادرة على التفريق بين الخير الذي يرفع من شأنها وقدرها وبين الشرّ الذي يهلك الحرث والنسل ويدمّر البلاد تدميراً. وأوضح مثال على هذه المرحلة عدم تبيان الخيط الأبيض من الأسود، وتوجد لنفسها في هذا العمى الذي يصيب البصر والبصيرة معاً، مبررات تكون سوءاتها بذات الفعل الذي ارتكبته بل أعظم وهو عدم التفريق بين العدوّ والصديق، فيصبح العدو صديقاً والصديق والأخ عدواً. وأخطر العداوات هو العدو الوجودي الذي يعتمد كل وسائل الكذب والخداع والتضليل لجلب أوهام ومنافع له واصطناع تاريخ مضلل للبشرية جمعاء ويستولي على أراضٍ ومساحات من وطن بالعنف والإرهاب والاغتصاب ويزعم أن هذه مملكته.
هذه حال الصهيونية العالمية وما أحدثته بفلسطين أرضاً محتلة وشعباً مشرداً وتاريخاً وحضارة تجاوزته وأعلنت إنشاء دولة إسرائيل في تاريخ مشؤوم هو الخامس عشر من أيار 1948، بفعل عاملين إجراميين، الأول وعد بلفور، والثاني الانتداب البريطاني على فلسطين وتطبيق كامل بنوده لمصلحة اليهود وتشجيع هجرتهم إلى فلسطين تسهيلاً لإقامة الوطن الموعود لهم من بريطانيا العظمى التي كانت في ذلك الزمن صديقة بل حليفة لبعض أمراء العرب. وسبق ذلك بعام واحد 1916 تقسيم المنطقة العربية إلى دول منفصلة بعضها عن بعض بمعاهدة سايكس-بيكو. وقد تمكنت الصهيونية، مدعومةً بدول أصحاب هذه القرارات ودول أخرى كأميركا وروسيا وغيرهما، من إعلان دولتها المزعومة في 15 أيار 1948 مقروناً بشعار “أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات”، وعُرف بعام النكبة، نكبة الأمة العربية بالصهيونية واحتلالها لفلسطين، وكان الشعب الفلسطيني قبل النكبة قد خاض معارك ونضالات عظيمة وقدّم تضحيات كبيرة بقيادات منه ما زالت حيّة في وجدان الشعب العربي ويستمدّ من تاريخها المقاوم العزم والقوة.
والذي ينبغي معرفته حالياً لبعض الحكام العرب وأبناء هذا الجيل من أبناء أمة العرب، أن المؤرّخين الفلسطينيين قبل النكبة حذروا من الخطر الداهم على فلسطين. وإحياءً للذاكرة العربية لبعض المسؤولين العرب الزاحفين نحو العدو الوجودي للأمة اعترافاً وتطبيعاً وصلحاً بما يتناقض مع قرارات آبائهم في مؤتمر قمة الخرطوم عام 1967 بلاءاته الثلاث “لا صلح، ولا تفاوض، ولا اعتراف”، نورد بعضاً ممّا كتبه بعض هؤلاء المؤرّخين ففي الإعادة إفادة.
عيسى السفري في كتابه “فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية” عام 1937، ويوسف هيكل “القضيّة الفلسطينية تحليل ونقد” حيث يؤكد أنه صراع ناجم عن مشروع الحركة الصهيونية في إقامة مملكة يهودية في فلسطين بدعم من بريطانيا، وأوضح عدم قدرة فلسطين على استيعاب ملايين اليهود ضحايا اضطهادات أوروبية متنوعة، وحذر من تفريغ فلسطين من سكانها لإحلال إليهود. وعمر أبو النصر في كتابه “جهاد فلسطين العربية”، وآخرون تناولوا عروبة فلسطين داعين إلى التصدّي لهذا المشروع الذي يستهدف العالمين العربي والاسلامي، وانتقدوا سياسة المهادنة لبريطانيا. وكذلك قسطنطين زريق الذي أوضح أن النكبة لم تصب الشعب الفلسطيني فحسب بل العرب عامة، وهي ليست مسألة جغرافية مرتبطة بفلسطين بل إهانة ومذلة لحقت بالعرب كافة على امتداد جغرافيتهم. وفي موسوعة “بلادنا فلسطين” لمصطفى الدباغ رأى أن المشروع الصهيوني لن يتوقف وأنه سيستمر زاحفاً إلى مناطق عربية أخرى بما فيها الخليج. و”موسوعة الفردوس المفقود” لعارف العارف وكثيرون غيره، منهم المؤرخ محمد عزة دروزة وأكرم زعيتر.
إن النكبة في فلسطين، رغم مرور 75 عاماً، ليست مجرد ذكرى لحدث جرى في زمن مضى في حياتنا وانقضى من مسؤولياتنا، إنه ماضٍ وحاضر ومستقبل ونضال دائم ومستمرّ يتفاعل بالقضيّة ويتحرّك بناسه وشعبه وتتجمّع له كل الإمكانيات. ومهما عظمت التضحيات فلن تتوقف ولن تستكين حتى التحرير الكامل واستعادة الحق العربي بفلسطين كاملاً غير مجزأ. إنه صراع على الوجود، تكون أو لا تكون، مفرداته شعب فلسطين العربي، الإنسان صاحب الأرض والتاريخ والحضارة والتراث والماضي والحاضر والمستقبل الفلسطيني والعربي وبيت لحم مولد السيد المسيح والقدس الشريف مسرى النبي محمد عليهما السلام. «إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً» وتباشير استعادة الحقوق العربية تتقدّم بخطى ثابتة، فالحق هو الذي ينتصر والباطل يزهق وينهزم.
وإن انتصار الشعب اللبناني ومقاومته وجيشه وتحرير أرضه دون قيد أو شرط، وملاحم نضالات الشعب الفلسطيني الثائر وتصدّيه الشجاع للمحتلين في القدس وساحات الأقصى وفي الأحياء وفي غزة وباقي المدن العربية، من أهم معالم النصر الأكيد.
وبعد كل هذا، القليل ممّا كتب والكثير الكثير المنشور والمعروف قبل النكبة وبعدها عن الحروب العربية بمواجهة الصهيونية وزرع وجودها في قلب منطقة العرب بفلسطين وبعد المجازر والعدوانية الصهيونية المستمرة وبعد كل ما يجري حالياً على الشعب الفلسطيني من قتل للأطفال والنساء والشيوخ والشباب داخل وطنهم فلسطين واعتقالات عشرات الألوف من الفلسطينيين من كل الأعمار والتعذيب وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها.
دعوة نصوحة لهؤلاء وأولئك المطبعين الزاحفين نحو العدو الوجودي للأمة، عودوا عن غيّكم وفعلكم المذلّ مع أعداء الله والأمة والإنسانية قبل فوات الأوان، فلا التطبيع ولا التطويع ولا الهرولة المذلة ولا التسويات ولا الاتفاقات ‒ العلنية منها والسرّية ‒ ولا خديعة قرارات الأمم المتحدة والتضليل الذي مارسته وما زالت ضد الحق العربي، تحمي أيّ قضية عربية، فالتطبيع ليس فقط انحرافاً عن قضية العرب الأولى ولا اختراقاً خطيراً فحسب بل هو الخيانة بعينها. فالسعيد الفطن هو من اعتبر بغيره والشقيّ من كان عبرة لغيره، وما أخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة، و«إن تنصروا الله ينصرْكم ويثبّتْ أقدامكم».



