مقالات

قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية الجزء “3”

 د. عبد الله حويس*

//خاص المدارنت//… كما حكام كل الدول والممالك، كان سلاطين بني عثمان طبعاً يختلفون عن بعضهم البعض. في البداية، بعد السلطان محمد الفاتح، تولّى ابنه بايزيد الثاني الحكم منذ عام ١٤٨١ حتى ١٥١٢ ميلادي، وكان ضعيفاً لأسباب عديدة لا مجال للتطرق اليها، ومنها انه منذ توليه الحكم عارضه أخوه الأصغر جم، فدخل في صراع معه على السلطة. واتجه بايزيد الثاني الى إصلاح علاقاته مع الدولة الصفوية عبر العمل الديبلوماسي، وسعى الى تخفيف الضغط على أهل السُنّة في ايران، لكن اسماعيل لم يفِ بوعوده واستمرت الجرائم ضدّهم.

وَمن النقاط التي تجدر معرفتها عن العثمانيين آنذاك، أن اهتمامهم وتوجهاتهم السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، كانت باتجاه أوروبا وليس باتجاه ايران. إذ ان العثمانيين كانوا يعتبرون ان قوتهم العسكرية تؤهلهم لاكتساح العاصمة الصفوية وما حولها، متى شاؤوا، لكن الأولوية بالنسبة لهم كانت لحشد وتوجيه قواتهم الى أوروبا.

بعد بايزيد الثاني، تولّى الحكم ابنه السلطان سليم الأول (١٥١٢ الى ١٥٢٠)، الذي كان قوياً حازماً ومختلفاً عن أبيه، بخاصة فيما يتعلق بالعلاقات العثمانية – الصفوية، حيث وجّه اهتمامه لما يجري في ايران.

ضمن هذا الاهتمام، تأتي معركة جالديران أو جالدوران عام ١٥١٤، حيث حشد السلطان سليم جيوشه، وهاجم الجيش الصفوي القزلباشي فهزمه شر هزيمة، ودخل تبريز عاصمة الصفويين، واستولى على مناطق شاسعة. في هذه المعركة انكسرت شوكة الشاه اسماعيل، وسقط الكثير من قادته قتلى وجرحى، بمن فيهم الشاه نفسه، الذي استطاع الفرار رغم جراحه، لكن زوجته وعدد من نسائه وقادة جيشه وقعوا في أسر العثمانيين.

ما يجدر ذكره، أنه من الخطأ القول ان هذه المعركة عثمانية – فارسية، لأن الجيش الصفوي لم يكن فارسياً، بل كان مؤلفا من القزلباش التركمان الذين أتوا من الأناضول، والذين جنّدهم وشيّعهم الصفويون (في عهود جنيد وحيدر ثم اسماعيل)، مستفيدين من نقمتهم وثوراتهم ضد العثمانيين. هنا لا بد من إبراز سقوط هيبة شاه اسماعيل بعد هذه المعركة، لأنه بسبب انتصاراته السابقة واستيلائه على العديد من المدن الإيرانية، بما فيها تبريز، أصبح في نظر اتباعه وانصاره شبه إلٰه أو شبه المهدي، لا يؤثر فيه السيف ولا يموت. لكن بعد هزيمته في معركة جالديران وسقوط جنوده وهروبه وأسر نسائه، انكسرت شوكته وسقطت هيبته، وكفّ عن التدخل في القضايا السياسية.

لا بد أيضاً من الإشارة الى دور رجال الدولة الصفوية، مستشاري اسماعيل الذين كانوا يديرون شؤونها، ومن بينها السياسة الخارجية، خصوصا بعد معركة جالديران. كان هؤلاء الرجال من علماء الدين المسيّسين، الذين كانوا أكثر وعياً من اسماعيل، الذي استلم الحكم وهو صغير السن، وقليل التجربة وقليل المعرفة دينياً ودنيوياً. من بين هؤلاء كان هناك عدد مهم من العلماء الإيرانيين ذوي منصب “صدر” او “صدر الاسلام”، وهي كلمة تعني من يتصدر المجلس أي رئيس الحكومة أو المسؤول عنها.

بعد هزيمة جالديران، بدأ هؤلاء العلماء التخطيط والعمل على تشكيل حلف عسكري مهم مع أقوى حاكم في أوروبا، التي كانت غير موحدة وغارقة في الصراعات بين الأسر الحاكمة (وهذا سبب مهم من أسباب انتصارات الدولة العثمانية). هذا الحاكم او الملك هو شارلمان (او شارلكان أو شارل او كارل) الخامس، الذي قادت جدته إيزابيل (من جهة أمه) انتزاع الأندلس من أيدي العرب، وبخاصة آخر ممالكهم غرناطة عام ١٤٩٢م، وما تلا ذلك من مذابح ضد المسلمين واليهود، الذين كانوا كلهم من مواطني الأندلس. كانت إيزابيل هذه متعصبة دينياً، وتعتبر نفسها ملكة العالم الكاثوليكي، وتوفيت عام ١٥٠٤، أي بعد أربعة سنوات من ولادة شارلمان، الذي تولى العرش شاباً في التاسعة عشرة من عمره. منذ توليه الحكم اندفع شارلمان الى توحيد أوروبا، وبخاصة في مواجهة العثمانيين، فكان من الطبيعي أن يسعى الى التحالف مع أعداء الدولة العثمانية. وهكذا بعد أن سيطر على أجزاء واسعة من أوروبا، وأصبح أكبر وأقوى ملوكها، تقاطعت مساعيه مع مساعي مستشاري اسماعيل في التخطيط والعمل على تأسيس حلف قوي، على الرغم من انه كان معروفاً بتعصبه الديني وعدائه لكل شيء غير مسيحي. وما يجدر ذكره، انه في تاريخ العلاقات الاوروبية – الإيرانية في تلك الفترة، لم تنجح مساعي بعض حكام أوروبا الضعفاء، من البندقية الى هنغاريا الى بولندا، في بناء تحالفات مع دولة الآقا قوينلو ولا مع الدولة الصفوية.

أما عن شارلمان الخامس، الذي بدأ يعمل على تحسين علاقاته مع الدولة الصفوية، فالأرشيف اللاتيني يحتوي مجموعة من المراسلات المتبادلة بينه وبين اسماعيل الأول، حول بناء تحالف قوي متين من أجل ضرب الدولة العثمانية وتقوية ايران الصفوية. هذه الدولة لم يكن العامل الديني يهمّها، وإنما عامل السلطة والنفوذ، ليس فقط في عهد الدولة الصفوية، بل وفي عهد دولة الآقا قوينلو السُنّية (خاصة في عهد أوزن حسن)، التي سعت الى بناء تحالفات مع الغرب المسيحي. وهذا يعود الى ان رؤية هاتين الدولتين للمصلحة الوطنية كانت تفرض او تتضمن تطبيق مقولة “عدوّ عدوّي صديقي”، مما يعني التحالف مع أوروبا المسيحية ضد العثمانيين، الذين كان تركيزهم على التوسع في أوروبا.

وبقدر ما كان هذا التوسع على حساب الأوروبيين، فانه شمل أيضاً الاراضي العربية، وكسر شوكة المماليك عام ١٥١٧م، الذين وقفوا الى جانب الدولة الصفوية في حربها ضدّ العثمانيين.

هنا يجب ان نعود الى ايران، التي استغلت الظروف والتباينات والصراعات السياسية والاستراتيجية بين العثمانيين والأوروبيين، لصالحها الوطني ضمن إطار رؤيتها لمصالحها، على الرغم من استخدام المبررات الدينية والمذهبية. وعليه سنتطرق الى المراسلات بين اسماعيل الاول وشارلمان الخامس، التي سبق ذِكرُها.

*أستاذ التاريخ والدراسات الإسلامية في جامعة بوخوم ـ ألمانيا.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى