قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية “1”

د. عبـد اللـه حـويــس*
خاص “المدارنت”... تكتسب هذه القراءة أهمية كبيرة بل هي ضرورية وملحة، بسبب الظروف المعقدة التي تعيشها البلاد العربية، حيث يواصل المشروع الإيراني مدّ نفوذه بأشكال مختلفة، أخطرها تغلغله في النسيج الاجتماعي والعقلي والروحي.
تمتد جذور السياسية الخارجية الإيرانية لقرون طويلة عبر التاريخ، قبل الاسلام وبعده، لكن لا مجال هنا للتعمّق في أغوار التاريخ. لذا ستنطلق هذه الدراسة من العهد الصفوي، الذي استلم السلطة في ايران منذ ١٥٠١م. وحتى ١٧٢٢م. لأنه يلعب دورا هاما في تأسيس السياسة الخارجية الحالية، المبنية على عدة أفكار فلسفية واجتماعية.
قبل أي شيء، إن السياسة الإيرانية هي سياسة وطنية مبنية على أسس مصلحية، وليس دينية او مذهبية. وهذا يعود الى الدولة الصفوية، التي استطاعت ان تربط العامل المذهبي وتضعه في خدمة العامل الفارسي، المستند الى اللغة الفارسية، ومصلحة وهيمنة الدولة الإيرانية ـ الفارسية على الشعوب، التي تعيش حاليا تحت سلطتها وتحت سلطة الدول المجاورة.
ومن خلال هذه الدراسة، سنعمل على إيضاح بعض محطات هذه السياسة، ولن نتطرق الى كل محطاتها ومراحلها، لأن هذا يحتاج الى دراسات وكتب عديدة، خصوصاً، وأن الإيرانيين في هذا المجال، يعطون زخماً كبيراً من المعلومات، وينشرون الكثير من الكتب بالفارسية حول سياستهم.
وهنا نتوقف قليلاً، لنشير الى أن إيران أسّست وبنت العديد من المعاهد (وهذا من حقها كدولة) التي تدرس باللغة العربية، من أجل دراسة الاوضاع العربية، وفهم الانسان العربي، (لكنها تحرّم اللغة العربية في منطقة الأحواز العربية)، لأنها عبر ذلك، تستطيع أن تؤثر بل أن تهيمن عليه وعلى فكره ووعيه. ونشير أيضا الى واجب الدول العربية (وهذا من حقها كدول)، بأن تحذو حذو ايران ببناء مثل هذه المؤسسات والمعاهد الدراسية، كي تستطيع مواجهة مشروع الهيمنة الإيرانية.
وتتميز السياسة الإيرانية بأنها فهمت، بدءًا من العهد الصفوي، التناقضات بين الدول، وجندتها لمصالحها في البعدين الداخلي والخارجي. وفي معظم الأحيان استغلت هذه التناقضات لصالح هيمنتها، فتحالفت مع دول استعمارية غربية “مسيحية”، على حساب علاقاتها مع جيرانها، وبخاصة الدولة العثمانية والدولة الأوزبكية.
يأخذ مشروع الهيمنة الإيراني التوسعي ديناميكيته وقوته، من فهمهم للتاريخ فهمًا إمبراطوريا، ويُرجع جذور حضارته الى مرحلة ما قبل الاسلام. بينما العربي حتى اليوم، لم يجند تاريخه الحضاري ولغته قبل الاسلام لصالح حضارته. فالتاريخ العربي يبدأ بمجيء الاسلام، وهذه معضلة كبيرة، لأننا نهمل كل حضاراتنا السابقة في اليمن والبتراء ومصر، ودول الغساسنة والمناذرة، التي قدمت الكثير للعرب والإسلام، والتي لم يتم توثيقها بدراسات علمية. فإذا ربطنا بتاريخنا مرحلة ما يسمى بالحضارات السامية، خصوصاً بلاد بابل، وطبعاً مصر، سنكتشف حقيقة ان لنا حضارة كبيرة موغلة في القدم، تمتد جذورها الى آلاف السنين قبل الاسلام.
أما بالنسبة للإيرانيين، فانهم لا يرون أيّ تناقضات في هذا الربط التاريخي، حيث يجندوا مثلاً التاريخ الأخميني على انه تاريخ فارسي. أما العرب، فانهم يفصلون بين ما قبل وما بعد الاسلام، بل ويعدمون ما قبله، بحيث ان التكامل او الامتداد التاريخي لا يأخذ ديناميكيته عند المؤرخين والسياسيين العرب. بل هناك رفضاً وتحقيراً للتاريخ العربي قبل الاسلام (تحت عنوان الجاهلية)، وهذه مشكلة كبيرة، على المثقف العربي والباحث العربي ودوائر التعليم العربية أن يحلّونها، لأن الانسان العربي له جذوره التاريخية والحضارية قبل الاسلام وقبل المسيحية وقبل اليهودية، إذ ان وجوده يعود الى ما قبل مجيء الرسالات الثلاثة. والطريف أن هذا التحقير يعدم (بوعي أو من دون وعي، متعمداً أو جاهلاً) أُسس ومراحل بناء الاسلام الديني، الذي اختتمته رسالة محمد (ص).
إذا فهمنا وفسّرنا بشكل علمي دقيق الحضارات العربية ومكانتها في التاريخ، نستطيع ان نبني وعياً عربياً صادقاً يعتز الانسان به وبنفسه، ويعتز بأصوله وعروبته وتاريخه وثقافته ولغته. وهكذا اعتزاز نجده عند كل الأمم، لكنه لم يعد موجودا عند العرب، اذ كل شيء يبدأ بالإسلام، الذي لا شك انه اعطانا قوة روحية، ووحّدنا، وعبره حققنا قفزة حضارية إنسانية عظيمة.. إلخ، لكن هذا لا يلغي حقيقة انه كان لنا تاريخ، وكانت لنا مكانة يجب دراستهما وتفسيرهما علميا.
على أيّ حال، يجب أن نعود الى سياق الموضوع، أيّ الى رسم صورة للسياسة الإيرانية، بدءًا من مدخل الدولة الصفوية، فنسأل كيف استطاع اسماعيل الصوفي أن يتوّج نفسه عام ١٥٠١ في مدينة تبريز بولاية أذربيجان، ويصبح شاه ايران؟ علماً أن إيران آنئذ، لم تكن كلها خاضعة للسلطان الصفوي، وأن معظم الايرانيين كانوا ينتمون الى المذهب الشافعي، مع وجود أقليات صغيرة زيدية، واثني عشرية وإسماعيلية، لكن شاه اسماعيل استطاع خلال تسعة سنوات، اخضاع الكثير من المناطق والشعوب لسيطرته، مما أدّى الى الاصطدام بالدولة العثمانية الناشئة والتوسعية. من هنا يأتي السؤال، كيف بدأ شاه اسماعيل، يبني علاقاته مع أعداء الدولة العثمانية كي يرسخ مكانته في ايران والدول المجاورة؟
*أستاذ التاريخ والدراسات الاسلامية في “جامعة بوخوم” ـ ألمانيا.



