مقالات
تــرســيـــم الــحــــدود..!

خاص “المدارنت”..
بعد إعلان رئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ الاستاذ نبيه برّي، عن ابرام “اتفاق اطار” لمحادثات ترسيم الحدود بين لبنان والكيان الصهيونيّ، ظهر الكثير من الانتقاد، وانهالت الاتّهامات وتنوّعت التعليقات، ودخل الحابل بالنابل، وصار الناس يضربون الاخماس بالاسداس.
هذا الاتفاق برعاية اميركيّة، يشكِّل نقطة تحوُّل مفاجئة للكثير من المشتغلين بالشأن الوطنيّ، والمهتمّين بنهج المقاومة والممانعة، الذي يرفع شعارات تدمير الكيان الصهيونيّ، وتحرير فلسطين والقدس، ويعلن عداوتَه لكلّ من يلتقي بمسؤول صهيونيّ، ويطلق شتّى انواع التُّهَم بالعمالة والخيانة على من يتّصل بالاميركيّين من قريب او بعيد.
قرأ الرئيس نبيه برّي البيان المكتوب بلغة واضحة المعالم، والنوايا والمسارات؛ فهو لم يطلق على الطرف الآخر اسماءه المعهودة، التي طالما كانت من ادبيّات الجهة التي يمثِّلها وينطق باسمها، كالعدوّ او الكيان المغتَصِب او الكيان الصهيونيّ.. الخ.
فلسطين ضاعت تماما من قاموس الاتّفاق الجديد الذي ستقوم بالتوقيع عليه، في نهاية المطاف الدولة اللبنانيّة، بكلّ ما تعنيه من مؤسّسات رسميّة، وما يعكسه ذلك على واقع ومستقبل المجتمع المدنيّ والاجيال القادمة.
فلسطين، التي هي أصل نشأة وبروز أدوار سلطات واحزاب وجماعات وأفراد، والتي على “لحم أكتافها” عاش كثيرون في عشرات السنين الماضية، وعلى أكتافها صعد معظم من قفزوا الى مواقع السلطة، وكلّ من دعا الى الجهاد والتحرير والحرّيّة والوحدة والعروبة والاسلام في هذا الزمن العربيّ الرديء. فلسطين التي لولاها لما تشكّل وجدان العرب في العصر الحديث، ولما تجمّع اكثر من بضعة أشخاص على هدف واحد.. فلسطين التي في روحنا وفي دمنا وفي انفاسنا، وفي كل حُلُم وأمل وعشق للحياة!
فلسطين هذه، طارت من بين عبارات الرئيس برّي – كُرمى لعيون اميركا التي تهدِّد بوضع اليد على الاموال والممتلكات الشخصيّة، للكثير من مسؤولي وساسة لبنان وغير لبنان.
فلسطين هذه، التي عاش الجميع من خيرها، ماليًّا وسياسيًّا، تحوّلت الى سلعة للمقايضة لدى الدول والأحزاب والجماعات والافراد من كلّ ما هبّ ودبّ!
أمّا هي فستبقى في عليائها، جوهرة القضايا، ورمز النفوس الأبيّة وقبلة الاحرار وتوق العاشقين الى تصحيح التاريخ الذي لن يرحم احدا..
هل يكون هذا الاتِّفاق بداية مسار نحو الاعتراف من قبل الدولة اللبنانيّة، بما تمثِّل من قوى حاكمة، أم هو تتويج لاتّفاقاتٍ سِرِّيّة اقليميّةٍ، عالميّة الأبعاد، كانت قد نضجت تحت ظلال السيوف الصَدِئة، والمعارك الكلاميّة التي غطّى غبارها ارض المنطقة طوال السنوات الماضية؟!
مهما كانت حيثيّات هذا الاتفاق، في هذا الجوّ الموبوء، فإنّ فلسطين ستبقى دُرّةَ القِيَم التي تُقاسُ بها لالئُ العصور، وتبقى المعادلة الماسيّة التي يميزُ بها الخبيث من الطيِّب، وواسطة عقد الامّة، التي ستكون على موعد مع القدَر في يوم يرونَهُ مستحيلًا، ونراه ممكنًا بعون الله العلِيِّ القدير.
=======================



