كسر العظم بين (مقتدى) الصدر والإطار التنسيقي (العراقي)

كتب صادق الحسن/ العراق
خاص “المدارنت”..
منذ إعلان نتائج الانتخابات العراقية في تشرين الأول 2021 وقد بدأت ملامح مرحلة جديدة من العلاقة بين مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، وبين زعماء أحزاب ما يسمى بـ”الإطار التنسيقي”. كان الفوز المريح الذي حققه الصدر في الانتخابات، يعطيه حافزاً ليتبنى خطاباً إقصائياً ضد حلفاء وشركاء الأمس،
انتظر الصدر طويلاً هذه اللحظة وخطط لها بشكل متأني ومدروس: شارك في التظاهرات الشعبية التي أنطلقت في تشرين الأول 2019، وعندما حقق من التظاهرات ما يريده – قانون انتخابات مفصل على مقاسه بما يتناسب مع قاعدته الجماهيرية، ومفوضية انتخابات مستقلة من القضاة، وحكومة موالية له أكثر من غيره برئاسة مصطفى الكاظمي – إنقلب عليها.
عندما حقق الصدر هذه المكتسبات الاستراتيجية انقلب على التظاهرات، وأمر ميليشيا سرايا السلام بمهاجمة التظاهرات، وحرق خيم المتظاهرين في ساحة الحبوبي في محافظة ذي قار، وفي ساحة الصدرين في محافظة النجف، وفي ساحة التحرير في العاصمة بغداد، وسيطر الصدريون على المطعم التركي الذي كان أيقونة بالنسبة للتظاهرات.
ما عجزت عنه حكومة عادل عبد المهدي، وما عجز عنه قناصة ميليشيات الإطار التنسيقي بإنهاء التظاهرات، استطاع مقتدى الصدر تحقيقه، لينهي التظاهرات بالقوة وإراقة الدماء بواسطة ميليشياته.
كان مقتدى الصدر، يخطط لاحتكار التمثيل السياسي الشيعي، لذلك، بعد فوزه بالانتخابات وعقده تحالفات مع مسعود البارزاني ومحمد الحلبوسي وخميس الخنجر، أصرَ على تشكيل حكومة “أغلبية وطنية”، تعزل أحزاب الإطار التنسيقي من المشاركة فيها، والصدر كان يعرف أن هذا الخيار سيعني احتمال الدخول في بمواجهة مسلحة مع ميليشيا الحشد الشعبي الممثلة لقوى الإطار التنسيقي، كون معادلة السلطة في العراق منذ 2014، لا يحددها عدد المقاعد في البرلمان، بل يحددها ما تمتلكه من سلاح على الأرض، وأحزاب الإطار التنسيقي كلها تمتلك ميليشيات مسلحة، ومن يمتلك السلاح من الصعب عزله عن الحكومة بالطرق القانونية والسياسية، لأن المشاركة في الحكومة غنيمة لا يستطيع أحد التخلي عنها.
صُدم الصدر من موقف القضاء الذي أنهى أماله وتطلعاته بقرار واحد، عندما قرر أن تمرير التصويت على رئیس الجمهورية يحتاج لأغلبية ثلثيّ أعضاء البرلمان، وهذا ما لا يستطيع الصدر، ولا غيره، الحصول عليه. كان القضاء الملجأ الأخير بالنسبة للإطار التنسيقي لاسقاط مشروع الصدر سلمياً، فات الصدر أن القضاء مسيطر عليه من قبل الإطار التنسيقي، لأن رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان موالي لهم، بل أنه أحد مرشحيهم لرئاسة الحكومة.
ارتكب الصدر خطأً ساذجاً، عندما سحب نوابه من البرلمان، تاركاً للإطار التنسيقي فرصة تشكيل الحكومة.

يعرف مقتدى الصدر، أن تشکیل حكومة إطارية، يعني النهاية السياسية للتيار الصدري، ويعرف أنه بإنسحابه من البرلمان أعطى للإطار فرصة للقضاء عليه، لذلك، تدارك هذا الخطأ سريعاً، ولم يكن أمامه من خيار غير اللجوء إلى الشارع، تمهيداً لفوضى تمكنه من السيطرة على الأمور بالقوة، أو على الأقل، إجبار الإطار التنسيقي على حلّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة.
فأمر الصدر أتباعه بالنزول الى الشارع، والسيطرة على البرلمان ومهاجمة مقر مجلس القضاء الأعلى، وقد سهل لهم الكاظمي عملية الدخول الى المنطقة الحكومية “المنطقة الخضراء”، حتى وصلت الأمور الى ذروتها ليلة 29 آب الماضي، عندما نزلت ميليشيا سرايا السلام، وهاجمت المنطقة الخضراء، لكن هذه الخطوة انتهت بالفشل.
في المقابل، قامت أحزاب الإطار التنسيقي بخطوات كثيرة للقضاء على الصدريين، فقد أصدر المرجع الذي يتبعه الصدريون، محمد كاظم الحائري، الذي يقيم في إيران، منذ أكثر من 45 عاماً، بياناً يعلن فيه إعتزاله القيادة، طالباً من أتباعه بالرجوع إلى علي خامنئي، وهذه خطوة أشبه بتكفير الصدريين، فلا توجد جماعة شيعية بلا مرجع، وقيادة دينية، ومقتدى الصدر فاقد للشروط الجامعة للمرجعية والقيادة الدينية، لذلك، كان هو وأنصاره يرجعون في تقليد أمورهم الى مرجعية الحائري، ولا يمكن عزل بيان الحائري، عن أجواء هذه المواجهة، فالحائري كما أتوقع، قد اتخذ قراره بالاعتزال بطلب من القيادة السياسية في إيران.
وأصرّ الإطار التنسيقي على المضي بتشكيل حكومة، بعيداً عن مقتدى الصدر، وأصرّ على ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة هذه الحكومة، ورفض مطلب الصدر حلّ البرلمان، وإجراء اتخابات مبكرة.
كذلك، أصدر قادة في الإطار التنسيقي، مثل نوري المالكي وقيس الخزعلي، بيانات متشنجة ضد الصدر في ذروة المواجهة، كمحاولة منهم لجره الى الشارع لمواجهة واسعة، لكن الصدر أحس بذلك، فطلب من أنصاره الإنسحاب والتراجع.
لكن المواجهة أجلت فقط، الى ما بعد الانتهاء من زيارة الأربعين، فالصدريين نار تحت الرماد، يمكن أن تنبعث في إي لحظة بتغريدة من مقتدى الصدر، وقيادات الاطار التنسيقي مدركين لهدف الصدر. الطرفان وصلوا للحظة كسر العظم، وإنهاء الوجود وفرض الإرادة على الآخر.
ربما تسعى أطراف أخرى، مثل مرجعية النجف، ممثلة بمكتب المرجع علي السيستاني أو إيران عن طريق إسماعيل قاآني، لوضع حلّ، وترطيب الأجواء بين الطرفين، لكن هذا مجرد تأجيل للمواجهة بينهما، وليس حلّا جذريًا للمشكلة، لأننا أما مشروعين مختلفين، وكل طرف يمتلك ترسانة من الأسلحة، وعشرات آلاف المقاتلين، ولا يقبل بعزله من معادلة السلطة والحكم.
فلا يمكن للإطار التنسيقي تشکیل حكومة، بعيداً عن الصدر، من دون الدخول معه في مواجهة عسكرية، ولا يمكن للصدر المضي بمشروع حكومة الأغلبية الوطنية، وعزل أحزاب الإطار التنسيقي، من دون الدخول معهم في مواجهة عسكرية، ويبدو أن العملية السياسية لم تعد تتسع للاثنين معاً، لذلك، وصلا الى هذه المرحلة، “مرحلة كسر العظم”.
الآن الصدر، يريد تصحیح خطأه بالانسحاب من البرلمان، بالمطالبة باتخابات مبكرة، ولا أظنه يتراجع عن مطلبه هذا، والاطار التنسيقي يعتبر أن هذه فرصة ذهبية، جاءت له لتشكيل حكومة، بعيداً عن الصدر، وهو غير مستعد للتراجع عن هذا الهدف، لأن التنازل عن هذه الفرصة لصالح حلّ البرلمان، واجراء انتخابات مبكرة، بمثابة هزيمة أمام الصدر، لذلك فهو متمسك بحقه بتشكل الحكومة. كل هذه المعطيات تزيد من إحتمالية الصِدام المسلح بين الطرفين، إذا لم تتدخل بقية الأطراف التي أعتادت على تهدئة الأوضاع بين الطرفين.



