كـن مميّـزاً.. ثقافـة وفكـرا…
أديـب الحـاج عمــر
خاص “المدارنت”…ربما يستحيل عليك البحث عن الحقيقة، بشكل عام، وربما الأكثر استحالة فيما يخص الحقيقة الفكرية، التي تلزم الحياد والتجرد، وعدم الميل، لما تسمع أو تقرا، كما وتلزم التسليم ببديهيات الوجود، وما يحويه من موجود، خصوصا في ما يتعلق وينبعث عن ذاتك كإنسان، وعن وحدتك كمخلوق، تعجز وتضعف لاسباب، أو تقوى وتبدع لاسباب، والبحث يطول ويطول، وهو يدور حول نفسه.
لذلك، يطلب منك التمسك بإرادة صلبة، بعد عقد النية، لجدية العمل وعدم الاستسلام، بل الكفاح الذاتي في خضم الصراعات الداخلية والخارجية، والأهم فيها، الخروج بانتصارات ذاتية، بحيث يتم غلبة العقل المنطقي الموضوعي على كل ما يسمى، رغبات وشهوات، هذه الانتصارات ستقودك إلى موقع تصفو فيه الرؤية، وتستقر معه الأحكام.
نعم، ليس بالأمر الهين والسهل، إنما يستسهل التسليم الكلي لفكرة أن لهذا الوجود، وما يتضمنه ويحتويه من عوالم واكوان، خالق مُدبّر، هو الله، الذي نظم وقونن وعدّل وساوى، وجاعل ذاتك محور كل شيء، لقد ميزك وسخّر لك الوجود كله، بعد أن زرع فيك كل ما تحتاج إليه لمعرفة الحقيقة، حقيقة الوجود، وحقيقة ذاتك، وحقيقة تفاعلاتك عما هو حولك، فتتاثر وتؤثر، تتغير وتغير،فأنت، انت المحور، وانت الاصل والأساس، فهل يصعب عليك المعرفة، ما دمت على ما انت عليه، من قيم ومقومات؟ انها الارادة، في أن تحدد موقعك من الوجود كله، فأنت جزء، بل عالم، من هذه العوالم، وهذه الاكوان، فالمعرفة الحقة تفرض دمج ارادتك بإرادة الخالق العظيم، الذي له الأمر والنهي، كقواعد وقوانين، في كل ما تفكر وتعمل، انطلاقا مما وعلى ما نويت، فالنية هي الركيزة الأساسية لبناء ومعرفة كل حقيقة.
وعليه، إن ما تعيشه من أحداث، وما تتلمسه من متغيرات،وعلى جميع الأصعدة الحياتية، انما هي من صنع أيدينا، ومن أعمال عقولنا، سواء كانت علمية تقدمية، أو هدامة متخلفة، وما تاريخنا إلا مجموع لتلك الأفكار والأحداث والمتغيرات، فلا فرق بين ما يتداول بنقاشات وسجالات، قديما وحديثا، فالأمر نسبي لهذين العصرين، الماضي والحاضر، إذ لا يمكن اعتبار زمن محدد، بداية عصر حديث، أو نهاية عصر قديم، فالامم تخضع في تطورها أو تخلفها، لاعتبارات وظروف مختلفة، تسير في اتجاهات متوازية احيانا، ومتعارضة احيانا اخرى، وهذا الأمر، مرتبط بما يحمله أفراد تلك الامة، من أفكار وثقافة، إضافة لما تنجزه من اعمال، وما تعكسه من تفاعلات ونتائج. والاسلم فيما تنتجه تلك الظروف والأحداث، انما يتمثل فيما يحققه من عدالة انسانية، وتكافل اجتماع، وسعة إقتصادية، وكفاءة سياسية.
فالصحيح والاجدر بنا، ألا نسلك سبل التقيد بحادثة معينة، أو وجهة نظر محددة، أو تقلد هذا أو ذاك، ثم تتخذه أساسا لبداية عصر متقدم، أو نهاية لعصر متخلف، ومن ثم نصدر أحكاما لبداية تاريخ أمة، أو نهاية تاريخ شعب.
وهكذا، فافراد الأمة، هم وما يحملونه من أفكار وثقافة، إضافة لما ينسجونه من تفاعلات جماعية اجتماعة، الذين يصبغون تاريخ أمتهم، بالمتحضر أو المتخلف، وليس لما ينسب لعدائية الآخر، ولما يدبره من مكائد للسيطرة على عقولنا، فيوجهها لما يرغب في تحقيق مصالحه، غارزاً أنيابه في صميم اقتصادنا، ثم يفرض ما يفرضه على نظامنا السياسي، للاستمرار على ما يحققه من مكاسب ومصالح، ومع الوقت، يزداد تحكما وسيطرة وقهرا واغتصابا، من خلال أولئك المتربّعين على كراسي الحكم، من جلالة وفخامة وسموّ… الخ. هذا أمر طبيعي مقونن لفطرة البشر.
فأين إرادة التحدي، وأين مقومات الدفاع والصدّ؟ وأين النيّة في قوله تعالى: “وأعدوا لهم…” “وقاتلوا الذين يقاتلونكم…” الخ. فلا ننسى أن التخاذل والخيانة والتهاون، ايضا هي قانون طبيعي، فالواجب يناديك لتسال نفسك بما تفكر؟ ماذا تعمل؟ ما هو سلاحك؟ هل تعرف عدوك؟
لا شك، أن الإجابة عما تقدم، وعن غيرها من الأسئلة، هي من الحقيقة، بل هي الحقيقة كلها، ويكمن ذلك فيما تحمله أنت، من أفكار وثقافة، ومن يوجهك في نموك؟ أين تدربت وتعلمت؟ من أين تخرجت؟ ماذا أنتجت وما اخترعت؟ أحبابي، الأمر واضح وضوح الشمس، شرط التزام التجرّد وعدم الميل، وقول الحق ولو على نفسك.
أنظر اليوم إلى ثقافة وأفكار حكام العرب، تجد منبعها ومشربها أعرق دولة استعمارية، “اسألوا التاريخ”. انها دولة الإنكليز، بريطانيا، التي كانت ولا تزال تعمل، وبسياستها التخريبية الهادئة، فتخرج العقول العفنة الضعيفة، وتنصّبها زعامة تقليدية ومحصنة بما هو كذبة كبرى، تحت اسم الديموقراطية، فتتحكم برقاب العباد وبخيرات البلاد، وعليه، فالكرامة بين الأرجل مصانة، والنهب بطرق مباشرة وغير مباشرة على قدم وساق، والمهم، بل الاهم، إرضاء أولي الأمر، والسبل عديدة ومتنوعة، كل ذلك، يتجسّد سببه في ما ننهله من منابع كلياتها، وجامعاتها، المتخصصة والخاصة منها، الكلية الحربية أو العسكرية، ونحن نفتخر ونتباهى، انها الخيانة، انها سلطة الخيانة، السلطة التي تربعت، وباسم القانون، وباسم الديموقراطية، فوق أشلاء شهداء امتنا، وفوق قهر شعوبها، والتي من ذلك صَنعت، نعم، صَنعت كراسي أحلامها، وحاكَت نسيج تيجانها، وهزئت من أفكار عقلاءها، وارخت ستائر الجنون فوق رؤوس حكمائها.
هذه حالنا، حال أمتنا، أمة أعزّها الله بالاسلام، اسلام عدل التشريع والمساواة، عدل الحرية الإنسانية، وهذا التاريخ يعود لذاته، فيتحقق أن الثوب هو الثوب، ولكنه مرقّع مزركش.. ونتابع بمقال آخر، إذ اننا ،كأمّة، نحيا الحياة، حياة أجهل من الجاهلية.




بداية النص الانسانية رائعة ، وليته لم يصبح في نهايته موجها.
تحياتي