مقالات

لبـنــان ومـقــوِّمــات الـثـــورة..!

أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
يكثر الحديث عن “الثورة” في لبنان، بعد الحراك الذي انطلق في 17 تشرين الأوّل من عام 2019، واستمر لعدّة شهور، بين مدٍّ و جزر، الى أن تلاشى – تقريبًا – بعد اقل من نصف سنة.
هذا الحراك، الذي بدا وكانّه ردّة فعل على قرار الحكومة القاضي برفع الضريبة على اتصالات الهاتف الخلويّ، لم يكن – برأيي – وليد تلك اللحظة أو لذلك السبب، انّما عمل قد تمّ التخطيط له بعناية الى أن يأتي الوقت، والسبب المناسبين ليظهر و يأخذ مساراته.
مَن يتابع الوضع الللبنانيّ، يعلم أنّ هناك آلاف الأسباب لدى اللبنانيّين، تجعلهم ينتفضون ضدّ السلطة، التي كانت – و ما تزال – تعيث فسادًا وافسادًا في شؤون البلاد والعباد، والتي أوْصَلت الوطن الى حال الخراب التي يعاني منها في كلّ مرافق الدولة و المجتمع.
انا لا أريد أن اقنع أحدًا بنظريّة المؤامرة، لكن لا يمكن لعاقل أن يهمِل وجودَها الدائم والمستمرّ في المنطقة العربيّة، نظرًا لوجود المشروع الصهيونيّ/ الاميركيّ، ذات الامتدادات العالميّة، الذي يحاول السيطرة على البلاد، انطلاقًا من فلسطين، ويستوعب العباد، انطلاقًا من معظم المسؤولين العرب.
لبنان يعتبر حلقة مهمّة من حلقات “الثقل النضاليّ”، وتشكيل الوعي في المنطقة – على الرغم من صِغَرِ حجمه – نظرًا لسعي أبنائه المُبكر الى الاحتكاك بالعلم والثقافة، وأجواء النهضة العالميّة الحديثة، ونظرًا لانتشارهم النوعيّ والناجح، في كلّ أصقاع الارض، وتأثيرهم البالغ، أينما وُجِدوا وحلّوا، ونظرًا لسهولة التواصل معهم للأسباب المذكورة.
أللبنانيّون منفتحون على أيّ “مُحَرِّك”، ربّما لتنوُّعهم،  ربّما لثقافة التاجر والسمسار التي تقبع في أعماق اعماقهم، و يبرِّرون أيّ خطوة يخطونها بالف عذر وعذر، ولا يتورّعون عن القيام بأيّة مغامرة – حتّى وإن كانت هدفًا بذاتها!
باختصار شديد: أللبنانيّ بشكل عامّ، كبيرًا وصغيرًا، مسؤولًا وتابِعًا، ما عدا القليل، يرفع قُبّعة هذا ليضَعَها على رأس ذاك بالثمن المناسب – من دون الاكتراث للنتائج والتداعيات – طالما أنّ له في الأمر مصلحة خاصّة!
هنا لبُّ الموضوع: أن يفعل الانسان ما يناسبُهُ – دون دراسة الانعكاسات – ثمّ ينبري ليجد له التبريرات والحجج – حتّى و إن كانت واهية.
عندما كنت رئيسًا للبلدية ورئيسًا لاتحاد البلديّات، كنت استقبل باستمرار مبعوثين من قِبَل المنظمات الدوليّة العاملة في لبنان، وما أكثرها، وكنت اتوجّس من الكثير من طلبات المعلومات التفصيليّة، حول كل شيء يتعلق بقرى وبلدات الاتحاد وأحوالها.
بالطبع، كانت طلباتهم – حسب اقوالهم – للقيام بدراسة المشاريع التي سيقدِّمونها لنا. لكن، لم اكن لاقتنع بأنّ مشاريعهم تتطلّب الحصول على أيّ معلومات، وقد بُحتُ بتلك الهواجس الى الهيئة الامنيّة في المنطقة، التي كنت عضوًا فيها بصفتي الرسميّة كرئيس لاتحاد البلديّات، ووضعت تلك الهيئة المؤلفة من رؤساء الأجهزة الأمنيّة، كلّها، أمام ما يمكن أن نرى امامنا في المستقبل من آلاف الشباب والشابات اللبنانيّين واللبنانيّات، وعائلاتهم الذين يرتبطون برواتبهم، التي تصل الى ثلاثة آلاف دولار شهريًّا، بهذه المنظّمات الدوليّة التي لا نعرف اين تكون مرجعيّاتها النهائيّة.
ما أريد قوله، هو أنني رأيت الكثير من هؤلاء بعد سنوات، يشاركون في توجيه الحراك الذي انطلق في 17 تشرين الأوّل من 2019.
انا لا اتّهم هؤلاء الشباب والشابّات، ولا أشكِّك في وطنيّتهم، لكن ماذا سيفعلون كلُّهم، لو جاءتهم التعليمات او الأوامر من مسؤوليهم في تلك المنظّمات الدوليّة – ذات المرجعيّة النهائيّة الواحدة – بأن ينتفضوا على الاوضاع القائمة؟! هل سيقدرون على رفض الأوامر، بعدما عوّدوا أنفسهم وعائلاتهم على مستوى معيشة يعتمد على آلاف الدولارات شهريًّا، بخاصّة أنّهم لا يعرفون المرجعية النهائيّة الفعليّة لتلك المنظّمات التي يعملون لديها، الّا الأمم المتحدة؟!
انا، هنا، لا أقول بأنّ هؤلاء هم من حرّكوا الشارع، لكنّهم كانوا جزءًا لافتًا بالنسبة لي، لا يمكنني الّا الوقوف عليه.
بعد كلِّ ذلك، لا بدّ من طرح السؤال الواضح والصارخ في وجهنا جميعًا: هل يمكن لأيّ حراك في لبنان ان يتحوّل الى ثورة؟ ألثورة بحاجة الى حاضنة شعبيّة، أي اجماع شعبيّ حولها، وهذا لن يكون متوفِّرًا في بلد ينقسم اهله الى مذاهب مختلفة، وزعامات متناحرة حول المحاصصة والمصالح ضمن المذاهب، وبلد يتبع سياسيّوه ومسؤولوه للخارج، ويتصرّفون حسبما تقتضيه مصلحة هذه الدولة أو تلك!.
كيف يمكن لثورة، وهي مصلحة عاملة، أن تقوم في بلد ترتكز حياة أبنائه على المصلحة الخاصّة – مهما كانت الظروف – ويرتبط معظم مسؤوليه ومعظم مُشَكِّلي الرأي العامّ فيه بالخارج – سياسيًّا أو مذهبيًّا أو ثقافيًّا أو معيشّا..؟!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى