مقالات

لبنان الساعة الخامسة والعشرون!

محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

… “وأُريدُ أُن أُحيا…
فلي عَمَلٌ على ظهر السفينة. لا
لأُنقذ طائراً من جوعنا أَو من
دُوَارِ البحر، بل لأُشاهِدَ الطُوفانَ
عن كَثَبٍ…
أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض،
انتظرني في بلادِكَ، ريثما أُنهي
حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي..
انتظرني ريثما أُنهي
تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ،
حيث وُلدتُ، حيث سأمنع الخطباء
من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين
وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه
الزمان وجيشِهِ. ولا
تَضَعُوا على قبري البنفسجَ، فَهْوَ
زَهْرُ المُحْبَطين يُذَكِّرُ الموتى بموت
الحُبِّ قبل أَوانِهِ”…
مَحمود درويش

… وصل المواطن في لبنان في عهد الجنرال “غيبون” إلى الساعة الخامسة والعشرون بعد منتصف الموت.. بعد منتصف الليل – ليل الموت الطويل في عهد جهنم “الغيبونيزم”.. عهد غيبون الرئاسة الغائبة عن حضور مراسم دفن الشعب اللبناني العظيم في مقابر نفايات جمهورية الساعة الخامسة والعشرون.. والنفايات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والمالية، والطائفية المتراكمة في شوارع واحياء وضواحي عاصمة الجمهورية المخطوفة بيروت الرماد.. جمهورية النفايات المتراكمة في عهد القمامة الممتدة على مدار الساعة واليوم والاسبوع والشهر والسنة.. الممتدة من قصر الفخامة الغائبة عن الوعي السياسي في زمن الجمهورية المُغيبة إلى قصر التيار الحاضر في ميرنا الشالوحي على أنقاض الفخامة النائمة.. الفخامة النائمة على جثة الجمهورية اللبنانية “الثانية”.. على جثة الشعب اللبناني مع وقف تنفيذ الدفن لعدم كفاية الأدلة في اغتيال وطن.. عدم كفاية الأدلة في اغتيال وطن من يوم الدخول إلى قصر الشعب العظيم.. الى يوم الخروج من قصر الشعب العظيم دون شعب.. أو أدلة تُذكر…!

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا

الساعة الخامسة والعشرون، ساعة المجتمعات والشعوب والدول الخامسة والعشرون العبثية في مفهوم القيامة الوجودية وموت تلك الحضارات والشعوب في سردية العبور نحو نهاية النهاية الحتمية.. الساعة الخامسة والعشرون هي تلك اللحظة التي تكون فيها كل محاولة للإنقاذ عديمة الجدوى. إنها ليست الساعة الأخيرة، بل هي الساعة ما بعد الأخيرة، ساعة المجتمعات الملعونة والمجتمعات الغبية، إنها “الساعة الراهنة”، يقول تريان كوروغا إحدى شخصيات رواية الروماني قسطنطين جيورجيو المعنونة بـ “الساعة الخامسة والعشرون”، معلقاً على الروح السلبية، والثقافة الشمولية، والحضارة الفوقية، والفكر الخشبي، والسلوك العدواني والرؤى والمعتقدات الدموية في مسارها ومسيرتها التاريخية القاتلة أو المقتولة.. عندما يصبح الإنسان (المواطن) أسير كل أنواع وأشكال وألوان ومعتقدات الأنظمة الفاشلة تاريخياً. الأنظمة العنصرية والطبقية والنازية والديمقراطية والشيوعية والفاشية والليبرالية القديمة والجديدة والمتجددة.

أنظمة الحروب العالمية والإقليمية والحدودية والاستعمارية والدينية والاقتصادية والمالية والمائية والنفطية وإلى آخر سلسلة حروب المال والسلطة والتسلط على رقاب الشعوب وثرواتها وأراضيها ولغاتها.. أصبحنا في لبنان نُشبه مواطن ديستويفسكي البريء أو الأبله، أو الغائب أو المُغيّب، الذي لا يصدق ما يتعرض له، ولا يفهم قسوة البشر، ويرفض حتى الدفاع عن حقه في الحياة الكريمة.. هو يكره القتل والتوحش، ولا يستوعب ما يحدث له في مسيرة تحولاته اليومية على مدار الساعة.. هو لا يدري خلال وقوفه في طوابير الذل على أبواب الأفران والطحين والخبز والرغيف، وعلى أبواب المستشفيات والصيدليات وحبة الدواء، وعلى أبواب محطات الوقود ومافيا المولدات واوليغارشيا لصوص الودائع ومُدخرات المواطنين والمواطنات.. وعلى أبواب لصوص مغارة علي بابا المصارف، وجمعية المصارف وعازف اوركسترا المصارف في بنك البلاد المركزي والذي يصبح السارق قبل المسروق في الكونترات الأمامية والمقاعد الأمامية والخدمات الأمامية والتحويلات الخلفية والهندسات المالية العميقة.. وكيف يتحول المواطن مجرد ورقة نعوة على باب مجلس نوائب ونائبات البلاد والعباد ممثلي أنفسهم وأولادهم وعائلاتهم وميليشياتهم وفيدرالياتهم الطائفية والحزبية.. وعلى أبواب مجلس وزراء يدري وزرائه حين يشاؤون ولا يدرون حين يشاؤون على ترنيمة قدّر الله وما شاء فعل.. وزراء يعلمون ويكذبون، ويكذبون ويعلمون ويعلمون ويكذبون.. وزراء العلة والسبب..

أشباه الوزراء، والأشباح وشهود الزور والمهرجين والمنتفعين والمتفرجون في صفوف الزعماء الخلفية في قاعة المرايا – مرايا الكريستال..! والمواطن، البريء أو الأبله أو الغائب والمغيب.. فهو مرة مسيحي، ومرة مسلم، ومرة يهودي، ومرة ملحد، ومرة كافر، ومرة ماروني، ومرة سنّي، ومرة شيعي ومرة درزي ومرة أرثوذكسي..! ومرة فينيقي، ومرة كنعاني، ومرة سومري، ومرة فرعوني، ومرة كلداني، ومرة عربي ومرة عجمي..! ومرة لبناني، ومرة سوري، ومرة فلسطيني، ومرة عراقي، ومرة يمني ومرة كويتي..! ومرة من عرق متفوق، ومرة من نسب نبي أو قديس، ومرة من حسب أمير أو غفير، ومرة من كل شيء ولاشيء..! وفي كل مكان يتم الاحتفاء به أو اضطهاده بناء على هذه الهويات، تلك الهويات القاتلة بتعبير أمين معلوف، والتي يستخدمها جيورجيو ليحفر معرفياً وثقافياً وراء الدوافع التي تجعل البشر يحاكمون غيرهم على الهوية.. ويتقاتلون، ويَقتلون، ويُقتلون، ويَقتلون ويُقتلون على العرق والقبيلة والعصبية والدين والديانة واللون والاسم والمسمى والتاريخ والجغرافيا والحسب والنسب والعائلات الروحية – دستور من خاطرهم – والأحزاب الوثنية والأصنام الخاصة والأصنام العامة… والفراغ القادم على عربة الموتى دون إعلان أسم الميت الراحل والميت القادم في بلاد الاموات وسيمفونية القيامة في الفراغ والعدم والعدمية الوطنية والانتماء؟!

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا

.. *ويا مَوْتُ انتظرْ، ياموتُ، حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع وصحّتي، لا تُحَدِّقْ يا قويُّ إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ الضعف الأَخيرةَ. أَنتَ أَقوى من نظام الطبّ. أَقوى من جهاز تَنَفُّسي. أَقوى من العَسَلِ القويّ، ولَسْتَ محتاجاً – لتقتلني – إلى مَرَضي. فكُنْ أَسْمَى من الحشرات. كُنْ مَنْ أَنتَ، شفَّافاً بريداً واضحاً للغيب. كن كالحُبِّ عاصفةً على شجر، ولا تجلس على العتبات كالشحَّاذ أو جابي الضرائبِ. لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في الشوارع . كن قويّاً، ناصعَ الفولاذ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ الثعالب. كُنْ فروسياً، بهياً، كامل الضربات. قُلًْ ماشئْتَ.. ويامَوْتُ انتظرْ، واجلس على الكرسيّ. ولا تفاوِضْني، فمثلُكَ لا يُفاوِضُ أَيَّ إنسانٍ ، ومثلي لا يعارضُ خادمَ الغيبِ. استرح… فَلَرُبَّما أُنْهِكْتَ هذا اليوم من حرب النجوم. فمن أَنا لتزورني؟ أَلَدَيْكَ وَقْتٌ لاختبار قصيدتي. لا ليس هذا الشأن شأنَكَ. أَنت مسؤولٌ عن الطينيِّ في البشريِّ، لا عن فِعْلِهِ أو قَوْلِهِ / هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها. هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين. مِسَلَّةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنةِ، النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ وانتصرتْ، وأِفْلَتَ من كمائنكً الخُلُودُ… فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ..؟!!!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى