مقالات
لبنان.. الى دولة مدنيّة أم إلى تقسيم؟!

خاص “المدارنت”..
استمرَّت الصيغة اللبنانيّة، التي لم ولا ولن، يوجد لها مثيل في التاريخ الانسانيّ، هذه العشراتِ من السنين تؤدّي وظيفتَها، التي رسَمَتها لها القوى الاستعماريّة الغربيّة، فتنجحُ في ملفات وتفشل في أخرى – تبعًا للظروف والاحداث ورياح الأعداء والأمم.
لبنان، هذا، كان من ضمن صفقة “سايكس/بيكو” التي تمّت بين المنتصرين الغربيّين في الحرب العالميّة الأولى؛ حيث سُلِخَ عن محيطه العربيّ – مثله مثل غيره، في عملية تقسيم العرب الى كيانات ودويلات – لكي يكون بؤرةً مستمرّة للتوتُّر و القلاقل و النزاعات.
وظيفة لبنان تضمّنت احتضان “الأقلِّيّات” المذهبيّة والقوميّة، التي تعتبر نفسها “مضطَهَدة” من قبل الأكثريّة، ومهَدّدَة من المدّ القوميّ العربيّ، ومشاريع الوحدة العربيّة، التي كانت تهدر من المحيط الى الخليج.
كانت انتكاسة لبنان الاولى، بعدما اعطِيَ “استقلاله”، في اندلاع ثورة 1958، عندما حاول الرئيس كميل شمعون، الموالي للغرب، تجديد ولايته خلافًا للدستور.
استمرّت الثورة لبضعة شهور، حيث تمكّنت حِكمة الرئيس جمال عبدالناصر، وتعاون اللواء فؤاد شهاب، قائد الجيش اللبنانيّ، من وضع حدٍّ لها، وفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار.
عادت الاضطرابات الى لبنان عام 1970، عندما جاء الفدائيّون الفلسطينيّون من الأردن، عن طريق سوريا، بعد حرب عنيفة خاضها ضدّهم الملك حسين، ملك الاردن انذاك، وانتهت باشعال الحرب الأهليّة عام 1975، والتي استمرّت حوالي 15 عامًا، اتت على آمال كلّ ما جناه اللبنانيّون، من امن واستقرار ومؤسّسات واقتصاد وعملة وطنيّة، وأجيال من الشباب المتعلم الواعد.
انتهت الحرب باتفاق الطائف، وتكليف الرئيس رفيق الحريري باعادة البناء والاعمار، واعادة تشكيل السلطة والادارة، واستعادة الثقة بكينونة البلد واستمراريّة بقائه. بذلك، انتهت وظيفة لبنان التي رسمها له اتفاق “سايكس/بيكو”، بعدما اصبح العرب – كلُّهم – يسيرون في ركاب اميركا؛ يشاؤون ما تشاء، ويحاربون ما ليس لها رغبة به وفيه!
قام الرئيس رفيق الحريري بجهد استثنائيّ في اعادة البناء والاعمار والثقة، لأكثر من عشر سنوات، الى ان تمّ اغتياله ليدخل لبنان مرّة أخرى في نفق من الاضطرابات والاغتيالات والصراعات، ونهب الاموال واستباحة مؤسّسات “الدولة”، وتحويلها – علنًا – الى مزارع مذهبيّة وفئويّة تابعة لهذه الدولة الخارجيّة او تلك.
طبعًا، كان في كلّ هذا السياق، تدَخُّلات وتواجُد لقوّات خارجية، واعتداءات واجتياحات واحتلالات اسرائيليّة، كانت نتيجتها نشوء المقاومة، التي بدأت بالحركة الوطنيّة اللبنانيّة وانتهت بحصريّتها في “حزب الله”.
بعد انسحاب الجيوش والقوى الأمنيّة السوريّة عام 2005، على أثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري، تقدّم الحزب الى واجهة الحياة السياسيّة اللبنانيّة، واسترسل في إنشاء الاحلاف مع القوى السياسيّة القائمة، والتي تُوِّجَت بالتحالف مع التيّار الوطنيّ الحرّ، الذي أدّى في نهاية المطاف، الى وصول العماد (المتقاعد) ميشال عون الى سدّة الرئاسة في البلاد.
قاد العماد لبنان الى مشهدِيَّة الفشل الذريع والسريع للنظام، الذي حكم البلاد والعباد منذ “الاستقلال”. فقد انكشف الفساد والنهب والهدر والاهتراء والهشاشة والزَيف والتبعيّة للخارج دفعة واحدة، فقامت الانتفاضات الشعبيّة المتكرّرة منذ 17 تشؤين الاوّل 2019، ووَجَد البلد نفسَهُ امام استحقاق مصيريّ ضاغط لا يمكن التهرُّب او الهروب منه؛ اذ اصبح من المستحيل استمرار لبنان على الأساس المذهبيّ والفئويّ، الذي قضى على كلّ امل في حياة الاجيال الحاضرة والقادمة، وحيث أنّ لا احد من القوى السياسيّة والمذهبيّة والفئويّة الحاكمة، يريد تغيير هذا النظام الى دولة مدنيّة، تحكمها الديموقراطية الحديثة والكفاءة والقضاء المستقلّ احترام حقوق الانسان آمال جميع المواطنين بحياة حرّة كريمة.
لبنان الآن، بلا دور ولا وظيفة، يقف على قارعة طريق الأمم منهوبًا، عاريًا، مفلِسًا ومهملًا، في عصر الكورونا الذي لن يبقي ولن يَذَر.
هنا، لا بدّ من قرع جرس الانذار الاخير لهذا البلد، الذي يستحقّ كلَّ تقدير ورعاية وحُبّ وحضانة، إمّا التحوُّل الى دولة مدنيّة عصريّة، او التقسيم المؤدي الى الزوال – لا سمح الله.
======================



