مقالات

لبنان بين الاستنزاف المزدوج.. مفاوضات بلا أدوات وحرب بلا سقف!

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”

لم تعد جولات التفاوض بين لبنان وإسرائيل مجرّد مسار سياسي معقّد، بل تحوّلت إلى نموذج صارخ لمفاوضات تُدار في غياب شروط نجاحها الأساسية. فإسرائيل تربط أي وقف لإطلاق النار بمعالجة ملف سلاح حزب الله، فيما تدخل الدولة اللبنانية طاولة التفاوض وهي تفتقد الأدوات الفعلية لتنفيذ ما يُطلب منها. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة التي تجعل التفاوض أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة لا إلى مسار حلّ.

أولاً: مفاوض يفتقد احتكار القرار

المشكلة لم تعد في سقف المطالب فقط، بل في طبيعة الطرف اللبناني نفسه. فالتفاوض في منطق الدول يفترض كياناً يحتكر قرار الحرب والسلم ويمتلك أدوات التنفيذ. غير أن الدولة اللبنانية تفاوض باسم البلاد، بينما يبقى القرار العسكري خارج سلطتها المباشرة، ما يجعلها في موقع وسيط داخلي أكثر منها طرفاً سيادياً مكتمل الأدوات.

هذا التناقض البنيوي يخلق معادلة غير قابلة للاستقرار، إذ تتعامل إسرائيل مع الدولة بوصفها الطرف القانوني، لكنها تطالبها في الوقت نفسه بما لا تملك القدرة الفعلية على فرضه. وهكذا تتحول العملية التفاوضية إلى إنتاج بيانات سياسية لا إلى اتفاقات قابلة للتطبيق.

ثانياً: من وقف النار إلى هندسة البيئة الأمنية

لم يعد الهدف الإسرائيلي وقف إطلاق النار فقط، بل إعادة صياغة البيئة الأمنية في لبنان على مستويات متدرجة تبدأ بوقف العمليات وإبعاد المقاتلين عن الحدود وتقليص القدرات الصاروخية جنوباً، وتمتد إلى تطبيق صارم للقرار الدولي 1701 وتعزيز دور الجيش جنوب الليطاني، وصولاً إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وفصل الجبهة اللبنانية عن مجمل الصراع الإقليمي.

لكن جوهر الأزمة لا يكمن في ارتفاع سقف هذه المطالب وحدها، بل في الفجوة العميقة بين ما يُطلب من الدولة اللبنانية وبين قدرتها الفعلية على الاستجابة، ما ينقل المأزق من مستوى التفاوض إلى مستوى غياب القدرة على التنفيذ.

ثالثاً: فجوة القدرة بين الالتزام والتنفيذ

حتى لو توفرت الإرادة السياسية، فإن الواقع اللبناني محكوم بقيود بنيوية تجعل الاستجابة الكاملة لهذه المطالب شبه مستحيلة. فالمشهد الداخلي منقسم سياسياً حول موقع ودور حزب الله، فيما تعاني مؤسسات الدولة من هشاشة اقتصادية وعسكرية عميقة، إضافة إلى خطر دائم بانفجار التوازنات الداخلية، فضلاً عن ارتباط ملف السلاح بمعادلات إقليمية تتجاوز قدرة لبنان على التحكم بها.

وعندما تصبح قدرة الدولة محدودة بهذا الشكل، يتحول أي رهان على الحل الداخلي إلى رهان ناقص، ويُدفع الملف تلقائياً نحو الخارج، حيث يُنظر إلى الدور الأميركي باعتباره عنصر إدارة للأزمة لا قوة قادرة على حسمها.

غير أن حدود هذا الدور تعني عملياً أن المعضلة الأساسية تبقى قائمة، إذ يظل هناك مطلب إسرائيلي مرتفع لا يمكن تحقيقه سريعاً، في مقابل واقع لبناني لا يستطيع تجاوزه.

رابعاً: واشنطن وسياسة الاحتواء بدل الحسم

تتحرك الولايات المتحدة في هذا الملف ضمن سقف واضح يقوم على منع توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة، مع الحفاظ على التفوق الأمني الإسرائيلي، وإدارة التوتر بدل تفكيكه جذرياً. لذلك تقتصر أدواتها على تهدئة مؤقتة وتخفيف وتيرة العمليات وترتيب تفاهمات غير مكتوبة حول حدود التصعيد.

لكن هذه المقاربة لا تنتج حلاً نهائياً، بل تكرّس إدارة مستمرة للأزمة، لأن واشنطن لا تسعى إلى إعادة هندسة التوازنات الداخلية اللبنانية بقدر ما تسعى إلى ضبط إيقاعها.

خامساً: معادلة الضغط القصوى بين السلاح والاستنزاف

تتعامل إسرائيل مع الملف من زاوية ضغط قصوى تقوم على معادلة ثنائية واضحة، إمّا معالجة ملف سلاح حزب الله أو استمرار الحرب بوتيرة استنزافية طويلة. ومع غياب إمكانية تحقيق الشرط الأول في المدى القريب، يتحول الصراع إلى حرب ضغط ممتدة تُدار على شكل موجات متقطعة من التصعيد والتهدئة.

في هذا السياق لا يعود التفاوض وسيلة لإنهاء الحرب، بل يتحول إلى أداة لتنظيم استمرارها.

وعندما تُطرح شروط غير قابلة للتحقق ضمن أفق زمني معقول، لا تبقى تداعياتها محصورة في الجبهة العسكرية، بل تمتد إلى الداخل اللبناني حيث تتفاقم الانقسامات السياسية حول معنى التفاوض وجدواه.

سادساً: الانقسام الداخلي كجبهة موازية للحرب

لا يواجه لبنان حرباً واحدة، بل مسارين متداخلين، حرب عسكرية على الحدود، وحرب سياسية داخلية حول طبيعة القرار التفاوضي نفسه. هذا الانقسام يضعف موقع الدولة ويجعلها تفاوض من دون غطاء وطني جامع، في وقت يتباين فيه تعريف الأطراف اللبنانية لمفهوم السيادة وحدودها.

سابعاً: ازدواج المسارات بين الداخل والإقليم

يتعقد المشهد أكثر بفعل تداخل مسارين متوازيين، أحدهما لبناني رسمي في مواجهة إسرائيل، والآخر إقليمي مرتبط بمسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل الملف اللبناني جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية.

وهكذا يصبح التفاوض محكوماً بسقف مزدوج، سقف إسرائيلي مرتفع من جهة، وسقف إقليمي غير مباشر من جهة أخرى، ما يحد من قدرة أي مسار لبناني منفرد على إنتاج تسوية نهائية.

وعندما تتقاطع هذه المستويات الثلاثة، المحلي والإقليمي والدولي، يصبح الوصول إلى حل شامل أمراً بعيداً، وتبرز بدلاً منه ديناميكية أكثر استقراراً في عدم الاستقرار.

ثامناً: نموذج الحرب منخفضة الوتيرة

في ظل هذا التشابك، يبدو السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار حالة من التصعيد المتقطع والتهدئة المؤقتة، وتوسّع تدريجي في رقعة الاستهدافات، مع إدارة طويلة الأمد لحالة استنزاف لا تصل إلى حرب شاملة ولا تنتهي إلى سلام مستقر.

تاسعاً: الاقتصاد كقيد استراتيجي على الحرب والسلم

يدخل لبنان هذه المواجهة وهو يعاني من انهيار اقتصادي عميق جعل قدرته على الصمود محدودة للغاية، إذ فقد الاقتصاد أكثر من نصف حجمه منذ عام 2019، ما جعل أي حرب طويلة الأمد عبئاً يتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال.

وفي هذا السياق تصبح المفارقة حادة، إذ يُطلب من دولة تعاني من عجز مالي ومؤسساتي كبير أن تتحمل أعباء عسكرية وأمنية وإعمارية ضخمة، في حين أن مواردها تكاد تكون شبه معدومة.

وتتداخل هنا الحسابات الدولية، حيث ترتبط أي مساعدات أو دعم من المؤسسات المالية الدولية بإصلاحات عميقة لا يمكن تنفيذها في ظل استمرار الحرب، ما يضع البلاد في حلقة مغلقة لا تسمح بالانتقال إلى الاستقرار.

وبذلك يصبح الاقتصاد عنصراً مركزياً في الأزمة، لا مجرد نتيجة لها، لأن استمرار الحرب يمنع التعافي، والتعافي شرط لأي استقرار سياسي أو أمني.

عاشراً: معضلة اليوم التالي

لم يعد السؤال محصوراً بكيفية وقف الحرب، بل بكيفية شكل لبنان بعدها، في ظل احتمالات متعددة تتراوح بين استمرار الدولة بصيغتها الحالية، أو ترسخ نموذج الجولات المفتوحة من التصعيد، أو تحول لبنان إلى ساحة دائمة لإدارة الصراع الإقليمي.

لكن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تُحسم داخلياً، لأن مسار الحرب والسلم في لبنان بات مرتبطاً بتوازنات أوسع تتجاوز حدوده الجغرافية والسياسية.

حادي عشر: لبنان كساحة لإدارة الصراع الدولي

يتعامل المحيط العربي مع الأزمة اللبنانية من زاوية دعم الاستقرار وتجنب الانخراط المباشر، مع ربط أي دعم مالي أو سياسي بمسارات إصلاح واستقرار طويلة الأمد. أما أوروبا فتتعاطى مع الملف من زاوية منع تدفق موجات النزوح والحفاظ على الحد الأدنى من استقرار الدولة اللبنانية.

في المقابل، تركز الولايات المتحدة على إدارة التوازن ومنع توسع الحرب، فيما تنظر إيران إلى لبنان باعتباره جزءاً من شبكة نفوذ إقليمي يرتبط مباشرة بمسار التفاوض مع واشنطن، ما يجعله ورقة داخل معادلة أوسع من حدود الداخل اللبناني.

وهكذا يتحول لبنان إلى ساحة إدارة صراع لا إلى ساحة حل، وإلى نقطة تقاطع لمصالح متعارضة تتجاوز قدرته على التأثير.

الخلاصة

يتقاطع الداخل اللبناني المنقسم مع الخارج الحذر والإقليم المتصارع لإنتاج معادلة واحدة، مفاوضات بلا أدوات، وحرب بلا أفق، واستقرار مؤجل. وفي ظل غياب شروط التوازن الداخلي وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، يبقى لبنان عالقاً في حلقة مغلقة لا تنتج سلاماً ولا تحسم حرباً، بل تدير حالة دائمة من الانتظار السياسي والأمني.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى