لك الله يا فيحاء
كتب خالد بريش/ باريس
خاص “المدارنت”..
منذ بداية الحرب اللبنانية عام 1975 وطرابلس تشكل هدفا لكل الأفرقاء إن كان من الحركة الوطنية، وأحزاب طائفية شوفانية لبست اليوم لباس السيادية، وأجهزة الدولة المختلفة، أو الزعامات السياسة التقليدية وغيرها… وغيرها… الكل نهش، وما زال ينهش بلحمها ولحم شبابها وأهلها. والكل حاول ويحاول التلاعب بمصيرها وبأرواح أبنائها ومستقبلهم. فقد جن جنون البعض وبلغوا في تطرفهم أقصاه، فدفعت المدينة وأهلها الثمن، بينما حافظ آخرون على رباطة جأشهم، وتحملوا ما تحملوا، وعضوا على جراحهم وذلك من أجل مصلحة طرابلس وأهلها، لأنها أمهم وروحهم الساكنة في كيانهم…
لقد بقيت هذه المدينة الصابرة صامدة في وجه كل التجاذبات على اختلاف أنواعها، وعصية على أن يبسط أحد مهما كبر سيادته ويسيطر عليها، لأنها طرابلس، المدينة الأكبر من الجميع… والمدينة الوحيدة التي بقيت صامدة متماسكة محافظة على هويتها وتراثها، في لبنان الفوضى والطائفية البغيضة، وآتون الحروب… لأن أهلها تربطهم ببعضهم شبكة علاقات معقدة، من قرابات ورضاعات وحسن جوار، أشبه ما تكون بروابط الدم… وعندما نقول طرابلس فإننا نتحدث عن التاريخ بكل أبعاده، وعن صوت العقل. المدينة التي كانت تعرف مبادئ اجتماعية يلتزم فيها أبناؤها، كل أبنائها في تعاملاتهم مع بعضهم، ربما نسيتها، أو لا تعرفها بقية المدن مثل: « ابن حارتي، وقرايبي، وجار ستي، أو خالتي الخ… »، فكان لكل ذلك احترامه المتبادل وقواعده، بل حُرْمَته الأشبه ما تكون بحرمة العِرْض، مما جعلها مضرب الأمثال…
فمنذ اغتيال دولة الرئيس رشيد كرامى، وطرابلس تعيش محاولات للسيطرة على قرارها، وتصدر زعامتها، والإمساك بأوراقها لغايات في نفس يعقوب، فدفع أهل المدينة ثمنا باهظا بسبب ذلك، وعانت المدينة الويلات بسبب غباء وجنون بعض أبنائها، وكذلك من بلهوانيات بعض ساستها الجدد، وآخرين بعيدين عنها، لهم في ذلك غايات وغايات… فقد حاول السوريون يوما غرس أزلامهم للسيطرة عليها، وفشلوا. وحاولت بعض الأجهزة أيضا وفشلت. وأطل المتناطحون برؤوسهم ودخلوا مع بعضهم في بازار ومزاد علني، فأعلن أحدهم وعلى رؤوس الأشهاد أنه « لن يجوع في طرابلس أحد… »، ففشلوا جميعا وانكشفوا أمام الجميع…! وذلك لأن الكل يرى بأم عينيه ما وصلت إليه طرابلس من حرمان على كل المستويات…! مدينة بلا ماء ولا خبز ولا كهرباء ولا أي نوع من الخدمات ولا تنمية… يلف وجوه أهلها الحزن والكآبة… مدينة تفتقر إلى كل شيء، اللهم إلا صور ساستها جوقة الأربعين كذا… وكذا… التي تزين الأسطح والشرفات وجدران المدينة…
إن طرابلس لم تعرف في تاريخها لا القديم ولا الحديث، هذه النوعية من الرجال التي تطعن بعضها في الظهور… وتخون بعضها على الملأ، من أجل إرضاء من يتربصون بمدينتهم وأبنائها شرا، وكل همهم هو جني المكاسب واللقمة الأخيرة، وذلك على مبدأ « يا رايح كتر… ». حتى في سوق الخضرة وبين زعرانه، فقد كان لكلمة الشرف معنى، وكان بينهم شبه ميثاق لا يتجاوزونه ولا يخونوه…
وطالما تحدثنا عن سوق الخضرة فإنه أحد أسباب المشكلة الظاهرة، التي فجرت هذه الأزمة منذ فترة. فإن توزيع المحلات فيه بدعم من بعض الساسة لبعض أزلامهم، وأيضا من قبل بعض الجالسين وراء مكاتبهم على الكراسي المريحة في المكاتب المكيفة، بينما يموت أبناء المدينة من حر الصيف… وذلك في عملية سلبطة وتشبيح واستحواذ على بعض المحلات في السوق الجديد بدون وجه حق… إنها قصة آلاف الدولارات في الوقت الذي لا يجد فيه بعض الأهالي الخبز الحاف ليأكلوه…
إن القاصي والداني يعرف سبب المشكلة الظاهر والتي يقف وراءها الساسة، الذين يعتبرون أن الكعكة في سوق الخضار لا تليق بهم وبمستواهم، فدفعوا بأزلامهم على أساس مذهب فيروز في التقسيم العادل « الملك شريك النص »، بالإضافة إلى موظف كبير فرضوه على طرابلس لأسباب طائفية معروفة. الجميع يعرف عمن نتحدث، إنه نفسه الذي رفض تطبيق التعرفة على أصحاب المولدات، التي يقال والله أعلم إن له نسبة في مردودها، بل له على ما يبدو نسبة في كل شيء يحدث في هذه المدينة المظلومة: تراخيص المسابح، والشاليهات، ورخص البناء، والمقاولات الصغيرة والكبيرة الخ… والذي كثر سماسرته وزبانيته الذين يمصون دم الطرابلسيين ويتلذذون به كالبعوض المنتشر على امتداد نهر أبو علي…
ولكن أين ساسة طرابلس ومدعو زعامتها من كل ذلك، ولماذا هم غارقون في الصمت الحرام…؟
في الحقيقة، يتلخص الموضوع فيما وراء الأكمة، والأهم بكثير من سوق الخضار، والذي هو بالنسبة لهم فتافيت خبز، لأن عيونهم ترنو إلى البعيد، ويسيل لعابهم على الأملاك البحرية، وسيطرتهم وأتباعهم من متعهدي البناء عليها… والتي يتربصون بها منذ فترة، وقد آن أوان قطافها، والتي سوف توزع قريبا بينهم بالتساوي كما حصل يوما فيما أسموه « الضم والفرز »… ملاين من الأمتار المربعة والدولارات الحلال جدا، التي سوف تدخل جيوبهم بلا وجه حق، ولن ينال أهل المدينة المساكين الصابرين شيئا منها سوى السماع بها، والتقاتل في حب الساسة، ومن أجل تعليق صورهم…
كنت أتمنى ككثير من الطرابلسيين أن نراكم كلكم بلا استثناء في الشوارع، وقد علا هتافكم بسقوط آلهة السياسة والطوائف، الذين نهبوا مدخراتكم، وحرموا أهلكم لقمة العيش، ومن الماء النظيف، والكهرباء، والطبابة، والدواء، والتعليم الجيد الخ… ولكن على ما يبدو أنكم كرهط الإفك والنفاق، بأسكم فيما بينكم شديد، وأنانيتكم أعمتكم عن رؤية الواقع المزري الذي يعيش به أهلكم وأبناء مدينتكم، وكأنكم تعيشون على كوكب زحل…!؟ فأمثالكم ممن يدارون على الفساد، ويغمسون أصابعهم بلا شك في صحونه، لا يستطيعون أن يروا ما يدور من حولهم، لأن المنافع المنظورة والغير منظورة تعمي العيون حقا…
إن ما يحدث في بلدية طرابلس من مؤامرات وتلفيق ودسائس… أمور لا تمت لطرابلس وأخلاق الطرابلسيين الأصلاء بصلة، وهي غربية عن هذه المدينة… إنها عملية تصفية حسابات ككل مثيلاتها، سوف يدفع فيها صاحب الكف النظيف الثمن، ومعه المدينة وأهلها أيضا للأسف… عملية شارك فيها من وراء ستار ساسة المدينة وزعاماتها… وموظفون كبار لا تخفى أسماؤهم على أحد في المدينة… لهم مصالحهم الخاصة الضيقة والدنيئة…
ثم أما من واع يقول للجميع إن طرابلس ليست ورقة في مزاد علني وللمساومة… أما من عاقل يقول لهذه الزمرة، إن للطموحات والوصولية والانتهازية والتشبيح حدود، ويجب أن لا يكون على حساب المدينة، ووحدة كلمتها في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها الوطن… أما من حصيف يقول لهؤلاء الصبية بكل معنى الكلمة، وبالفم الملآن عيب … عيب… وألف عيب…! لعلهم يدركون عندها أن تصفية الحسابات يجب أن لا تكون على حساب مصلحة طرابلس وأبنائها…
إن هذا الحديث المؤلم حقا ليذكرني بإحدى القامات الكبيرة من أبناء طرابلس الأصلاء، قامة كانت بحجم وطن بحق، وهو ابن طرابلس الوفي لطرابلس ولأخلاقيات أهلها، والذي كان عنده العدد والعتاد والعدة ليواجه جيشا بأكمله، والجميع كان يعرف ذلك… ولكنه عندما وقعت الفتنة، فضل الخروج وكل شبابه من المدينة من دون مواجهة، وذلك حتى لا تراق نقطة دم طرابلسية واحدة، بأيد طرابلسية… وأعني في ذلك الطيب ابن الطيبين المغفور له الدكتور عبد المجيد الرافعي، الذي ما زالت كلماته تشنف المسامع وترطب قلوب من ألقى السمع وهو شهيد، وذلك عندما سألته يوما عن خروجه وانسحابه بهدوء من طرابلس، فردد قائلا: «لكي لا يُسجل التاريخ أن عبد المجيد إبن الرافعيين، قد صوّب يومًا سلاحه على أهله، وأبناء مدينته»…

وختاما لك الله يا طرابلس… وعلى ما يبدو مات رجالك، وذهب الذين يعاش في أكنافهم… ورحم الله ذلك الرعيل، الذي كان شعاره يوما «طرابلس أولا…». وليت الجميع يدركون أن مصلحة المدينة في وحدة كلمة أبنائها، وليس بأن يتلاعب بمصيرها وبعقول أبنائها من يغدق عليهم بالوعود الكاذبة، واستطاع اليوم شراءهم، وسوف يبيعهم غدا بالمجان… وعلى الجميع أن يدركوا أن طرابلس كانت يوما عصية، وستبقى… وكل ما نراه اليوم ما هو إلا سحابة صيف بشعة في تاريخ هذه المدينة، سوف تنقشع بعد أقل من ثلاثة أشهر، وذلك بذهاب غراب البين الذي يكرهها وأهلها، ويحلم دائما بالسيطرة عليها…




