مقالات
“حزب الله” ومستقبل لبنان..

خاص “المدارنت”..
تأسّس “حزب الله” في لبنان، عام 1982، لمواجهة الاحتلال الاسرائيليّ والقوّات المتعدِّدة الجنسيّات، التي أتت الى البلاد على أثر الاجتياح الصهيونيّ للبلاد، ووصوله الى بيروت وضواحيها.
كان الحزب يعتمد في بدايته، كلِّيًّا (وما يزال)، على الدعم التنظيميّ والتدريبيّ والماليّ للحرس الثوريّ الإيرانيّ، وكانت اهدافه المُعلَنة – بالخطوط العريضة – مقاومة الاحتلال الصهيونيّ، والتدخّل الأجنبيّ، والعمل على اقامة دولة ولاية الفقيه، ومركزها ايران.
لم يخدع الحزب احدًا منذ البداية، بانتمائه أو ولائه أو أهدافه أو مساراتِه المَنوِيّ اتّباعها. كان وقتها، الرئيس السوريّ حافظ الأسد يمسك بأوراق اللعبة الاقليميّة – بعدما انعزلت مصر نتيجة اتّفاقيّة كامب دايفد – ويشرف مباشرة على كلّ كبيرة وصغيرة في لبنان وسوريا، والفصائل الفلسطينيّة المتواجده ضمن نطاق تواجُدِه.
لم يكن لايران في ذلك الوقت، أن توصل أو تقطع خيطًا في المنطقة من دون الرجوع إلى الرئيس حافظ الأسد، وأخذ موافقته. لذلك، كانت حركة “حزب الله” مُراقبة ومتابَعة، ومسَيّرة من قِبَل السوريّين بشكل مباشر لا لبس فيه؛ فعبرهم كان الحزب يحصل على كل أنواع الدعم الايرانيّ وعبرهم ايضًا، كانت تجري جميع الاتِّصالات بين الحزب والعالم الداخليّ والخارجيّ. كانوا هم من يتابعون وينظِّمون حركته ومقاومته، ويقدِّمون الدعم “اللوجستيّ” المناسب لكلّ عمليّاته العسكريّة، ويوَفِّرون له الحواضن الشعبية حيثما تواجدوا.
خطَّ الحزب لنفسه في السنوات الأولى، مسارًا واحدًا لم يكن يُشغِلُه عنه شيء، و هو مقاومة الاحتلال الاسرائيليّ للجنوب والبقاع الغربيّ، بعمليّات عسكريّة نوعيّة، أدّت في نهاية المطاف الى انسحاب الجيش الصهيونيّ من كلّ لبنان – ما عدا مزارع شبعا، بحجّة احتلالها أثناء تواجد الجيش السوريّ فيها قبل حرب عام 1967.
في تلك السنوات، حاز الحزب على تأييد وحماسة الشعوب العربيّة كلها – من دون استثناء – لانّه كان يحارب العدوّ “الحقيقيّ” للأمّة، الذي اغتصب فلسطين؟ وشرّد شعبها، واعتدى واحتلّ في كلّ الدول المجاورة؛ في مصر والاردن وسوريا ولبنان. هذا العدوّ المدعوم من الغرب الأوروبّي وأميركا بشكل اساسيّ، الذي قسّم الامّة بعد العالميّة الأولى، “سايكس/بيكو”، الى عشرات الدول والكيانات والدويلات، وجعل استهدافها متاحًا، لكلّ من يريد اغتصابها او احتلال اجزاء منها أو الهيمنة عليها وعلى حاضرها ومستقبلها ومصيرها.
لذلك، لم يواجه “حزب الله” المدعوم من ايران، والمصرِّح علنًا في كلّ مناسبة، وعلى لسان أمينه العامّ (السيد حسن نصر الله) ومسؤوليه بتبعِيّتِه لها وكونه من جنود الوليّ الفقيه أيّ رفض، لانّ الشعوب العربيّة كانت تعتبر – انذاك – المشروع الصهيونيّ هو العدوّ الوحيد والاساسيّ، ألمُهَدِّد لكيانها ووجودها، وأنّ ايران، ليست الّا جارًا مسلمًا – قد حسُن اسلامُه – و يريد الاسهام في رفع الظلم عن شعب مشرّد آخر، هو الشعب الفلسطينيّ، ويحاول تحرير القدس، التي هي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
لكن، في السنوات العشرين الماضية، بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد، واستلام ابنه الرئيس بشّار السلطة في سوريا، بدأت الامور تتغيّر؛ فقد خسرت سوريا كلّ أوراق اللعبة الإقليميّة، الفلسطينيّة واللبنانيّة و”الكرديّة” والايرانيّة، واحدة تلوَ الأخرى، وأصبحت هي ذاتها – بعدما غرقت في الحرب “الأهليّة” – ورقة بين أيدي الدول التي تساعد النظام، والدول التي تحاربه من خلال التنظيمات المسلّحة، التي انتشرت على امتداد معظم الاراضي السوريّة، ووصلت أعداد مقاتليها في وقت من الأوقات الى 400 ألف، وأكثر.
في سياق التغيُّر الكبير الذي حصل على الساحة السوريّة، وانتقال مقاتلين من “حزب الله” الى القتال الى جانب الجيش العربيّ السوريّ، والتواجد في اليمن لمساعدة الحوثيّين، وفي العراق لمساعدة الفصائل “الشيعيّة” المختلفة، حدثت تغيُّرات كبيرة في المزاج الشعبيّ العربيّ عمومًا، واللبنانيّ بخاصة، نحو “الحزب”، ودوره ومساراته وأهدافه الاستراتيجيّة، التي اصبح الكثير من العرب يعتبرونها مرتبطة بأهداف “النظام الايرانيّ”، في الطموح لاستعادة “أمجاد” الأمبراطوريّة الفارسيّة القديمة.
في خِضَمّ هذه الشكوك والاتّهامات للحزب، والتي عزّزتها التصريحات المتكَرِّرة للمسؤولين الايرانيّين الكبار، حول سيطرتهم على عواصم عربيّة عديدة، وحقّ ايران في مشروعها الاقليميّ، الذي يمتدّ خارج حدودها الدوليّة، ثار الجدل حول وضع الحزب، ممّا أعطى القوى المناهضة للحزب، وقودًا اضافيًّا للمطالبة بنزع سلاحه، وتفكيكه، وإزالة وجوده العسكريّ بشكل تامّ.
كثيرون في لبنان، يعتقدون انّ انهيار البلد سببُهُ سلاح حزب الله، ونهجه، الذي يحمي الفساد والفاسدين، للمحافظة على بقائه واستمراريّته، ويرون انّ زوال هذا السلاح ونهجه ودوره، سيعيد الأمل في النهوض والخلاص، وبناء الدولة المدنيّة العصريّة التي تحترم الانسان، وتسعى الى بناء مستقبله وحياتِه حرًّا كريما، ناسين انّ قضيّة الحزب وسلاحه هي اقليميّة ودوليّة، لم يعد التعاطي معها في الداخل، الّا مدخلًا الى استغلال هذه الدولة الخارجيّة او تلك.
باختصار شديد: ما وصل إليه لبنان، هو على أيدي أبنائه جميعًا، بجميع أحزابه وجمعيّاتِه وإداراته، وليس- فقط – بسبب “حزب الله” وسلاحه، و”حمايته” للفاسدين من الآخرين.
أللبنانيّون، كلُّهم، يشتركون في ثقافة الفساد والافساد، والارتباط في الخارج، وتغليب المصالح الخاصّة على المصالح العامّة، ومصالح البلد، ونهب المال العام – بشكل أو بآخر – والاسهام في انهيار البلد الى هذا الدرك، الذي لم يشهده في تاريخه.
هذا ليس بصَكِّ براءة للحزب، على الإطلاق، إنّما هو دعوة الى معرفة الذات “اللبنانيّة”، ومحاولة الخروج من مساوئها وأوهامها، ومحاولة رفض لمقولات “تغطية السماوات بالقبَوات”، ووضع الحقّ “على الطليان”، ودفن الرؤوس في الرمال!
نحن شعب يعانيّ من أوبئة اجتماعيّة وثقافيّة مستعصية، علينا معالجتها ومن ثمّ، النهوض ببلدنا الى رحاب بناء الدولة المدنيّة العصريّة، التي تحترم الانسان، وتحافظ عليه قبل فوات الأوان – ان لم يَفُت بعد..
========================



