لماذا فشِل الحكام العرب في حَمل المشروع القوميّ؟!

خاص “المدارنت”..
نجح جمال عبد الناصر، راعي المشروع القوميّ العربيّ، من دون كلل أو ملل، بشخصيّتِهِ الجذّابة وفكرِهِ النقيِّ، وإخلاصِهِ المُطلق ونزاهتِهِ الرائدة، في غرسِ المشروع في وجدان العرب من المحيط الى الخليج، ومن أقاصي المغتَرَباتِ الى أدناها، وترك لهم إرثًا غنِيًّا يستحِقُّ البناء عليه، لتحقيق أهداف النضال العربيّ التاريخيّ في فلسطين، والنهوض التنمية والوحدة.
في ظلِّ ذلك الغياب المفاجئ لزعيم عظيم، في الثانية والخمسين من العمر، كان قدر المشروع القوميّ العربيّ، أن يقع على عاتق حكام مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر والسودان.
كان رهان الجماهير على أنور السادات، باعتبارهِ خليفة الزعيم في مصر، القاعدة الصلبة والعريضة للبُنيَةِ التي أرسى دعائمها جمال ورفاقُه. لكن السادات، بخبثِهِ النادر، تمكَّن من الانقلاب على المشروع وكلّ مفاعيله في مصر، من دون ان تشعر الجماهير أو تحرِّكَ ساكنًا. فقد قضى بعد أشهر، في 15 أيار(مايو) على كلّ رفاق عبد الناصر، وعلى المشروع جملة وتفصيلًا؛ ليتبيّن فيما بعد انّ ذلك كان مقصودًا، ليعطي رسالة على تلازمِه مع ذكرى تقسيم فلسطين، وتخلّي مصر عن التزاماتها تجاه القضية التي حملتها، وجعلتها أولويّتَها، طيلة عهد جمال عبد الناصر، وبالتالي، التخلي – عملِيًّا – عن المشروع، بكلّ ما يمثّل ذلك من كسر لظهر التضامن العربيّ الذي كان في حدودِهِ الدنيا.
كان على الضفّة الأخرى، في سوريا، رئيس آخر، ما لبث الناس أن رأوا في حركته التصحيحيّة، كما اطلق عليها، قاربًا آخرًا من قوارب المشروع القوميّ نحو برّ الأمان. فقد جاء حافظ الأسد في لحظة تاريخية، حيث تربّع على عرش الحكم في سوريا والعراق حزب البعث العربيّ، فتوسّم العرب خيرًا في اقامة وحدة بين البلدين المتجاورَين، والمحكومَين بحزب واحد وفكر واحد، لتكون المفاجأة، بأن يتبيّن العداء الذي استحكم بين القطرين، الى حدٍّ تطوّرَ فيه الى حروب استخباراتيّة واقتصادية وأمنية، وإلى مقاطعة ترقى الى أكثر ممّا تفرضه الحروب.
اختلف حافظ الأسد عن أنور السادات بالأسلوب. فقد قام بتنمية سوريا، وانشاء بنية تحتية لدولة تمتلك كلّ مقوِّمات الاقتصاد المحلّيِّ المنبت، والمستقلة القادرة على استيعاب الازمات ومواجهة جميع انواع العقوبات. كان الأسد بحنكتِهِ وخبرتِه، قادراً على حماية نظامِهِ من كلّ تحدِّيات الخارج والداخل على السواء، لكنّهُ فشل في توريث سوريا حُكمًا يعتمد على المؤسسات الدستوريّة، فجاء من بعدهِ ابنَهُ، الذي وصلت البلاد في أيامه الى ما وصلت اليه.
أمّا صدام حسين، فبنى عراقًا قويًّا، اقتصاديًّا وعلميًّا وعسكريًّا، مستخدمًا القدرات الهائلة للبلاد والعباد، ما فتئَ أن دمّرَهُ وخرّبَه في حرب عبثيّة مع إيران، تمّ بالقضاء عليه، وتمزيقه في حرب عبثيّة اخرى، من خلال احتلاله للكويت، وما نتج عنه من مؤامرة أميركا في تجميع ما يكفي من تحالف عالميٍّ، لانهاء بلد من أعرق بلاد العالم، وجعلِهِ مسرحًا لكل من هبّ ودبّ من استخبارات الأعداء، ومن ثمّ تقديمه لقمة سائغة لايران والأكراد وتركيا، بموافقة أميركيّة ومباركة غربية وشرقية.
باختصار، كان كلُّ من الحكّام الثلاثة، يفتِّش عن كيفية تثبيت سلطتِهِ على الدولة التي يرأسُها، ولا يتورّع من الدخول في أيّ حلف سرِّيٍّ، ليؤمِّن استمراريّةَ الحكم له ولأولادهِ من بعدِه.
وهكذا، بدأت نكبة المشروع، الذي بذلت الامّةُ التضحيات الجسام في سبيل تحقيقه، أملًا في حياة حرّةٍ كريمة والعدالة الاجتماعية، والوحدة الشاملة كباقي أمم الأرض.



