لماذا يخاف النظام الإيراني من “الإنترنت” الحرّ؟

خاص “المدارنت”
في إيران اليوم، لا يُنظر إلى الإنترنت بوصفه مجرد وسيلة اتصال أو مساحة للتعبير، بل باعتباره ساحة صراع حقيقية بين مجتمع يبحث عن صوته، وسلطة تخشى فقدان قدرتها على السيطرة. ولهذا، لا يبدو غريباً أن يتحول الوصول إلى الإنترنت الحر إلى واحد من أكثر الملفات حساسية داخل البلاد، وأن تصبح شبكات التواصل، والاتصال المفتوح بالعالم، وحتى تطبيقات الرسائل المشفرة، أهدافاً دائمة للحجب والتضييق والرقابة.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا تفرض السلطات قيوداً على الإنترنت، بل لماذا تخشاه إلى هذا الحد؟|الإجابة تبدأ من حقيقة أساسية: الأنظمة التي تعتمد على احتكار الرواية لا تستطيع التعايش بسهولة مع فضاء مفتوح. فمنذ احتجاجات 2009، ثم انتفاضات 2017 و2019 و2022، أثبتت التجربة الإيرانية أن الإنترنت لم يكن مجرد وسيلة لنقل الصور والأخبار، بل أداة لتنظيم الاحتجاج، وتوثيق القمع، وكسر احتكار الإعلام الرسمي، وربط المدن ببعضها البعض في لحظات الغضب الشعبي.
لقد أدرك النظام الإيراني باكراً أن السيطرة الأمنية التقليدية لم تعد كافية. ففي السابق، كان يمكن احتواء الاحتجاجات عبر السيطرة على الصحف والإذاعات والتلفزيون الرسمي. أما اليوم، فإن هاتفاً صغيراً في يد شاب داخل زاهدان أو شيراز قد يتحول إلى نافذة تكشف للعالم ما يحدث في الشوارع والسجون ومراكز الاحتجاز.
حين يصبح الاتصال تهديداً أمنياً
من هنا، يمكن فهم لماذا باتت السلطات الإيرانية تتعامل مع الإنترنت بوصفه ملفاً أمنياً لا تقنياً. فكل موجة احتجاج كبرى كانت تترافق تقريباً مع قطع واسع للشبكة أو إبطائها بصورة حادة، إضافة إلى حجب المنصات العالمية، واعتقال ناشطين رقميين، وملاحقة مستخدمي تطبيقات التواصل.
الهدف لا يتعلق فقط بمنع تداول الأخبار، بل بكسر عنصر بالغ الأهمية في أي حركة احتجاجية: التنظيم والتنسيق. فالسلطة تدرك أن الاحتجاجات المتفرقة يسهل احتواؤها، أما حين تصبح المدن متصلة ببعضها، ويتحول الغضب المحلي إلى شعور وطني مشترك، فإن قدرة أجهزة القمع على السيطرة تصبح أكثر تعقيداً.
ولهذا، لا يقتصر الأمر على الرقابة التقنية، بل يمتد إلى مشروع أوسع لما يسمى «الإنترنت الوطني»؛ وهو تصور يقوم على تقليص الاعتماد على الشبكات العالمية، وإحلال بنية رقمية خاضعة بالكامل لرقابة الدولة، تسمح بالتحكم في تدفق المعلومات، وقطع التواصل الخارجي عند الحاجة.
لكن المفارقة أن هذه السياسة نفسها تكشف حجم هشاشة النظام. فالدول الواثقة من استقرارها لا تخشى المعلومة، ولا تحتاج إلى عزل مواطنيها عن العالم. أما حين يصبح الوصول إلى منصة تواصل أو استخدام تطبيق آمن مصدر قلق أمني، فذلك يعكس خوفاً أعمق: الخوف من مجتمع بدأ يفقد حاجز الصمت.
المعركة الجديدة.. من الشارع إلى الفضاء الرقمي
في السنوات الأخيرة، بات واضحاً أن الفضاء الرقمي تحول إلى امتداد مباشر للشارع الإيراني. فالنشطاء، والطلاب، والنساء، و«وحدات المقاومة» استخدموا وسائل الاتصال الحديثة لتوثيق الانتهاكات، ونشر رسائل الاحتجاج، وكسر الرواية الرسمية، وتنسيق النشاطات رغم القيود الأمنية.
وفي المقابل، استثمر النظام موارد ضخمة في المراقبة الإلكترونية، والجيوش الرقمية، واختراق الحسابات، وحملات التضليل الإعلامي، لأنه بات يدرك أن السيطرة على الفضاء الرقمي لا تقل أهمية عن السيطرة على الشوارع نفسها.
ومن هنا، فإن المطالبة بالإنترنت الحر في إيران لم تعد قضية تقنية أو مطلباً مرتبطاً بحرية التعبير فقط، بل أصبحت جزءاً من الصراع على المستقبل السياسي للبلاد. فالحق في الاتصال بالعالم، والحصول على المعلومات، وكسر العزلة الرقمية، بات يرتبط مباشرة بحق الإيرانيين في التنظيم والاحتجاج والمطالبة بالتغيير.
ولهذا أيضاً، تتزايد الدعوات الدولية لتسهيل وصول الإيرانيين إلى الإنترنت الحر وتوفير أدوات تجاوز الحجب، باعتبار ذلك جزءاً من دعم الحقوق الأساسية للشعب الإيراني، لا مجرد خدمة تقنية.
في النهاية، يبدو أن النظام الإيراني لا يخاف الإنترنت بحد ذاته، بل يخاف ما يمثله: مجتمع يرى، ويتحدث، ويتصل، وينظم نفسه بعيداً عن أعين الرقابة. وفي زمن تتحول فيه الحقيقة إلى قوة، قد يصبح الضغط على زر الاتصال أخطر، بالنسبة للسلطة، من أي هتاف في الشارع.
يصبو الشعب الإيراني إلى الحرية والديمقراطية الحقيقية؛ وفي هذا الإطار، يخطط الإيرانيون من أنصار ‘المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية’—الذي يمثل صوت الشعب المضطهد في الداخل—لتنظيم تظاهرة حاشدة يوم 20 حزيران (يونيو) في باريس. وبحسب تقديرات اللجنة المنظمة، سيشارك في هذه التظاهرة مئة ألف إيراني، ليرتفع هتافهم بـ”لا للإعدام، ونعم لجمهورية ديمقراطية لا مكان فيها للشاه ولا للملالي”. وبطبيعة الحال، ستشهد إيران الحرة والديمقراطية تحقق كافة الحريات، وفي مقدمتها حرية التعبير والاتصالات.



