ماذا تخسر طهران بسبب عدوانها على دول الخليج؟
“المدارنت”
لم تكد طبول الحرب تُقرع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إلا وسارع العرب ببذل كل الجهود الممكنة لدى واشنطن، بغية جرها إلى الخيار الدبلوماسي، وجعله سبيلا بديلا عن الحرب. فكان هنالك زيارات مكوكية من وزراء دول الخليج العربي إلى الولايات المتحدة، واتصالات هاتفية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصدرت بيانات رسمية من هذه الدول تؤكد، بشكل واضح، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقا لضرب إيران، وتم تأكيد ذلك بالتحدث بصورة شخصية إلى وزير الخارجية الإيراني هاتفيا، وعبر لقاءات ثنائية.
وقد دفع هذا السلوك السلمي العربي واشنطن لجلب أساطيلها وحاملات الطائرات إلى المياه الدولية المحيطة بالمنطقة، كي تكون منطلقا لقواتها في مهاجمة إيران، من دون أستخدام قواعدها في المنطقة، لكن صانع القرار الإيراني باشر بتوجيه كل ما لديه من صواريخ وطائرات مُسيّرة، إلى قلب عواصم تلك الدول منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، لتطال نيرانها فنادق ومناطق سكنية وممتلكات عامة وخاصة في هذه الدول، مما تسبب في خسائر مادية وبشرية.
إن مراقبة السلوك السياسي الإيراني، بشكل علمي وعميق، يؤكد بما لا يقبل الشك أن هناك عجزا واضحا في التلاؤم مع المحيط العربي، ولعل السبب في ذلك هو النظرة الإيرانية إلى دول الخليج العربي، باعتبارها قواعد عسكرية متقدمة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وأن هذه الدول هي مصدر تهديد لأمنها القومي، لكن هذا التصور هو تجاوز غير مقبول في العلاقات الدولية، وتدخل غير قانوني في خيارات الدول، فكما أن من حق طهران توقيع معاهدات عسكرية وأمنية مع دول العالم، فإن من حق هذه الدول فعل الأمر ذاته، إذا ما شعرت بأن ذلك يعزز قدراتها الدفاعية، ويصون أمنها الوطني والقومي، بغض النظر عما إذا كانت هذه السياسة رشيدة أم غير ذلك.
بينما الوقائع القائمة على الأرض تقول إن طهران هي من تهدد الأمن القومي لهذه الدول، فما زال نظامها السياسي، لحد اليوم، لم يتحوّل من الثورة إلى الدولة، كما بقي شعار تصدير الثورة أحد أعمدة سلوكها السياسي منذ عام 1979 وحتى اليوم، وما تبع ذلك من بناء ميليشيات مسلحة محلية التكوين، إيرانية الولاء في دول الجوار. ولعل إعلان عدد من دول الخليج العربية عن تفكيك خلايا تابعة لها، في خضم الحرب الدائرة اليوم في المنطقة، يشير بما لا يقبل الشك إلى إنها هي التي تهدد أمن هذه الدول وليس العكس.
إن عدم اليقين في العلاقات الدولية هو أحد أهم الأسس في تقويضها، وهو العامل الحاسم في الدفع للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، التي تقود في معظم الأحيان إلى نشوب الحروب والنزاعات العسكرية، فكلما انتاب الدولة حالة من القلق الذاتي على مصير النظام القائم فيها، يصبح الخوف من الآخرين هاجسا لدى صانع القرار فيها.
ومشكلة صانع القرار الإيراني أنه دائما ما يختار تقييم علاقاته مع دول الجوار العربي بأقل جهد، وليس كما هو المفروض أن يكون، بالمزيد من الجهد، ولأنه يقوم بفعل ذلك، فإن عورات هذه السياسة دائما ما تظهر إلى العلن بين فترة وأخرى، تارة على شكل تصريحات تسيء للعلاقات بين طهران ودول الجوار، وتمس سيادتها، وتارة أخرى على شكل أذرع يقوم بتشكيلها بغية السيطرة من خلالها على هذه الدول، ومع مرور الوقت وبسبب التقييم السياسي الأقل جهدا، فإنه دائما ما يدفع ثمنا باهظا من سمعته، لذلك تعرّض للعقوبات الاقتصادية والسياسية والعزلة الدولية، فهل يظن صانع القرار الإيراني بأن ثمن عدوانه على دول الجوار، التي حاولت بأقصى الجهود دفع شبح الحرب عن إيران، سيكون صفرا، من دون كُلف سياسية وأمنية واقتصادية، وحتى اجتماعية، من قبل شعوب هذه الدول وأنظمتها السياسية؟
لقد سقط صانع القرار الإيراني في فخ التعريف الخاطئ للقوة وكيفية قياسها. صحيح أن هناك اتفاقا دوليا على أهمية القوة في العلاقات الدولية، لكنه اعتقد أن القوة هي قدرة طهران على إجبار الآخرين على فعل ما تريده هي، وهو قياس خاطئ تماما لأنه قائم على النظر إلى الآخرين من خلال نافذة القوة العسكرية فقط تلك التي يظن أنه يملكها. لكنه نسي أن القوة العسكرية وحدها غير قادرة على تحقيق التفوق، كما أنها ليست الحصن الحصين لمن يمتلكها. ولعل المثال الأكبر على ذلك هو سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، رغم أنه كان ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم. فإن كانت تعتقد بأنها تملك القوة، لكنها تعاني من خلل في نسبة المقبولية السياسية الداخلية لنظامها أولا.
وثانيا، الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تمر به، وثالثا الاحتجاجات الشعبية التي تظهر بين الحين والآخر فيها.
واليوم تأتي هذه الحرب لتضيف إلى أعبائها هذه المزيد من الاعباء الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية. وإذا أضفنا اليها الانحدار الكارثي في علاقاتها بدول الجوار في الخليج العربي، والتي كان البعض منها يُشكّل رئة سياسية تتنفس من خلالها وتتحاور مع الخارج، وأخرى تشكل ممرات اقتصادية مهمة لها في توريد البضائع والسلع التجارية، وأطراف ثالثة حاولت طي صفحة الخلافات معها، وإقامة علاقات جيدة كالمملكة العربية السعودية، فإن كل ذلك سيشكل انتكاسة كبرى لها وكُلفا كُبرى ستدفع ثمنها على مدى عقود قادمة.
إن النظر إلى الآخرين من خلال زاوية التفوق العسكري، غالبا ما يخلق معضلات أمنية تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث سيضطر الآخرون إلى تعزيز قدراتهم العسكرية أيضا، أو الذهاب إلى الحلول الأسرع، وهي إقامة تحالفات عسكرية مع قوى دولية كبرى. وهو ما حصل على أرض الواقع من خلال قيام دول الخليج العربي بعقد تحالفات عسكرية مع دول عديدة لموازنة القوة، ما انعكس على طهران سلبا، حيث باتت القوى الدولية المناوئة لها على حدودها.
والسبب في ذلك أن صانع القرار الإيراني لم يفكر كثيرا في المستقبل بل انغمس في الحاضر فقط. لذلك لم يُبد أهمية كبرى لإقامة علاقات متوازنة ومطمئنة مع دول الجوار العربي بشكل دائم، ما دامت الجغرافيا دائمة. فما المبرر الذي يمكن أن تسوقه طهران، عندما تُهدد بتدمير محطات الطاقة في دول الخليج العربي، ردا على تهديد الولايات المتحدة بتدمير محطات الطاقة في إيران؟ وإذا كانت قد بررت عدوانها على هذه الدول بأنها تستهدفت القواعد الأمريكية فيها، فهل محطات الطاقة في هذه الدول أيضا قواعد أمريكية؟ وإذا كانت عاجزة عن الرد على الأراضي الأمريكية، فلِمَ يكون الرد في أراضي دول الجوار؟



